الميديا التي تسيّطر علينا وتخدرنا عن حياتنا الواقعيّة

السبت 13 أبريل 201911:39 ص

إشعاعات الميديا طالت معظم الناس هنا، والشكل الذي بدأ البعض بمحاكاته نتيجةً للتعرّض المكثّف للصور الفوسفوريّة التي تحيطنا يظهر مبتذلاً ومقنّعاً أحياناً بعناوين عريضة، فالميديا التي نشأت لتسيطر علينا اليوم كجيوشاً تدافع عن أموالِ ملّاكها وتشارك في بناء مستوطناتٍ مجتمعيّة افتراضيّة؛ تقودنا لأشكال مخجلة وبغيضة تدفع بنا للغوص في متاهاتٍ زمنيّة افتراضيّة وتخدّرنا عن حياتنا الواقعيّة ذلك أنّها تبني لنا أحلاماً لا تتطوّر أشكالها ولا تنفعل إلّا افتراضيّاً في غالب الأحيان داخل تلافيف عقلنا التي تهزل وتضعف وتتثبّط بفعل الشاشات التي تُبنى كجدارٍ متاهيّ مدقع لا يحمل بين سطوره سوى التجارة؛ تجارة لطاقاتنا وتجارة صفراء لأموالهم، والملام هنا يتجزّاً لسلسلةٍ هرميّة تبدأ بنا في القاع لترتفع حتّى رأس الهرم.

يؤكّد "جون بيركنز" في كتابه "الاغتيال الاقتصادي للأمم" الذي يعتبر اعترافات لقرصنةٍ اقتصاديّة شارك بها مع الشركات الكوربوقراطيّة (منظومة شركات وبنوك وحكوماتٍ مجتمعة تسعى لترسيخ فكر الإمبراطوريّة العالميّة باستخدام كل قوّتها الماليّة والسياسيّة) بأنّ المنظومة الرأسماليّة في العالم تسعى بكلّ قوّتها لترسيخ الفكر الاستهلاكي في دول العالم الثالث وإقناع شعوبه بأنّ الاستهلاك هو واجب حضاريّ ليخدم مصالح هذه الشركات العليا.

إذاً عندما يمسي الاستهلاك حاجةً ضروريّة اليوم سيرتبط مع متعة الاستعراض التي ترسّخها جميع أدوات الميديا المشوّهة بوصفها واقعاً لا ولن تستطيع التملّص منه لارتباطه بأصغر الحاجات اليوميّة الحياتيّة (الاتصالات ومعرفة الأخبار من محيطك إلى العالم) حتّى يكبّر لك فقاعة هذه الحاجات لتتحوّل إلى صور يوميّة وعروض جسديّة مجرّدة من حقيقتها أو تدفعك لتجريد الحقيقيّ من جماليّته، فتصبح السينما الفرنسيّة عرضة للتسويق مثلها مثل فيديوهات المجازر الجماعيّة، أو قد يدير لك إبهامك أحاسيسك التي تتغيّر بين ثانية وأخرى بمجرد السحب المتواصل على الشاشة، ثمّ تتطوّر فيما بعد إلى روبوت تحرّكه منظومات من آلاف الكيلومترات لتزرع في عقلك خزاناتٍ استهلاكيّة تفرّغ طاقاتك الفكريّة باتجاه مصالحٍ اقتصاديّة تكبرنا جميعاً، وهذا أمرٌ مفروض يسري بدم الحياة الجديدة في هذا العالم الكبير، وحدها القبائل البدائيّة -التي كانت تصوّرها الأفلام الهوليوديّة على أنّها آكلة لحوم بشر- تعيش في عزلة عن معاصرتنا بأقصى الطرق الحقيقيّة والصعبة مقارنةً بالتكنولوجيين الفاقعين.

تختلف الكاريزما الكلاميّة لكتب التاريخ عن شاشاتنا التي تواظب منذ اختراعها على ملئ صفحاتنا بشخصيّات فاقعة الحركة الاتصاليّة، فالانتشار الكبير لمواقع التواصل الاجتماعيّ "المدروس مسبقاً" ولّد فضولاً شبقيّاً بملاحقة حياة الأغنياء والمشاهير من يختلفون عن بعضهم بماهيّتهم الاستعراضيّة التي تسعى لضخّ الأفكار المورفينيّة للقضاء على سرطان "المعرفة الحقيقيّة".

الميديا التي نشأت لتسيطر علينا، تقودنا لأشكال مخجلة وبغيضة تدفع بنا للغوص في متاهاتٍ زمنيّة افتراضيّة وتخدّرنا عن حياتنا الواقعيّة ذلك أنّها تبني لنا أحلاماً لا تتطوّر أشكالها ولا تنفعل إلّا افتراضيّاً.

عندما يمسي الاستهلاك حاجةً ضروريّة اليوم سيرتبط مع متعة الاستعراض التي ترسّخها جميع أدوات الميديا المشوّهة بوصفها واقعاً لا ولن تستطيع التملّص منه لارتباطه بأصغر الحاجات اليوميّة الحياتيّة.
قد يدير لك إبهامك أحاسيسك التي تتغيّر بين ثانية وأخرى بمجرد السحب المتواصل على الشاشة، ثمّ تتطوّر فيما بعد إلى روبوت تحرّكه منظومات من آلاف الكيلومترات لتزرع في عقلك خزاناتٍ استهلاكيّة تفرّغ طاقاتك الفكريّة.

نماذج حيّة من الميديا 

" ليدي غاغا " وهي المغنيّة الاستعراضيّة الأميركيّة ذات الأصول الإيطاليّة استطاعت أن تستحوذ على إعجاب أعداد هائلة من الشباب بسبب أفكارها التي طرحتها بأسلوب غريب وبدايةً بأزيائها، فالاستعراضيّة الشابّة أعلنت من خلال مقابلات عدّة أنّها غريبة الأطوار منذ الصغر وهي اليوم تعرّف عن نفسها كفنّانة استعراضيّة فاقعة المطالب الحقوقيّة معلنةً عن تمرّدها ضدّ تقييد حريّات الإنسان، وعلى الجانب الأقرب كان "باسم فغالي" وفنانون عرب آخرون يعلّبون أنفسهم في علبٍ استعراضيّة الشكل لا تضجّ بأفكارٍ تراجيديّة تسوَّق كعروضٍ إنسانيّة، سوى أنّها تسوّق كمتعةٍ بصريّة للبعض.

بعد الضجّة التي حصلت بسبب فيديو تسويقي لبرنامج عربي مُثّلت فيه التراجيديا المسيّسة كان لا بدّ من تسليط الضوء على بعض الشخصيّات الفاقعة في محورنا العربيّ، وما يهمّ في هذه النقطة ليس رفع نسب المشاهدة وحسب وإنّما الأسباب الضامرة التي تكمن وراء تصرّفاتٍ تُدرج تحت قائمة الفن والمهنيّة والتلاحم الإنسانيّ.

خاضَ الإعلام السوريّ تجربةً مشتركة مع إعلاميّين لبنانيين في برنامج "سوا ربينا" خلال فترة السيطرة السوريّة على لبنان للتركيز على العلاقات التاريخيّة بين الشعبين تحت شعار "شعب واحد في بلدين"، واليوم تعود هذه التجربة بشخص "رابعة الزيّات" على قناةٍ سوريّة خاصّة بانطلاقة برامجيّة تحمل بين طيّاتها نوايا سياسيّة مبهمة، فالمقدِّمة اللبنانيّة لا تنفك عن ذكر العبارات "العشيقيّة" بين الشعبين السوري واللبناني متناسيةً ضرب الواقع بكراهيةٍ عتيقةٍ للبعض تجدّدت اليوم مع النزوح السوريّ إلى لبنان، فالفصل الرؤيوي يعدّ إحدى مبادئ الميديا اليوم.

تعرض الزيّات في برنامجها الأسبوعيّ "قصّة حلم" فيديو مأساوي لقصّة إنسان جُرِّدَ من حقوقه لتحقّق له ما استطاعت إليه سبيلاً من تمنيّات، فتتوزّع الأحلام "الماديّة" على السوريين وتلك التي تحمل "القيم الفكريّة" على اللبنانيين، ثمّ أنّ الشكل الذي يعرض فيه السوريين المحتاجين يدعو للشك بنيّة معد البرنامج، فعندما يسألون طفل يعيش متروكاً عند جدّه – فاقد البصر والمال - عن حلمه ويجاوب " شرب القهوة " سيسرّبون أفكاراً خفيّة للمشاهد تحمل نيّات مذلّة لنا كسوريّين، ناهيك عن الأداء الفاقع لتمثيل المقدّمة وهي تصطنع الحزن بمزيجٍ من الشفقة الأرستقراطيّة، فصورة أصابعها النظيفة الملوّنة تشعّ ضمن إطار صورة باهتة لعائلة فقيرة وهي تربّت على كتف طفل بملابس رثّة حتّى داخل استوديو البرنامج مدموجةً بموسيقا بطيئة تنتظر دموع عينيك لتضعك في حالةٍ نفسيّة تفرض عليك متابعة الحلقة ورفع نسبة مشاهدتها طبعاً.

تلتفت اليوم شخصيّات كثر لعالم الفوسفور الإنسانيّ، مثالي السابق ليس سوى نموذج مصغّر، ففي مجال الفن حدّث وبحرج عن " فنانين " يعسكرون في الوسط السوريّ الفنيّ تحت غطاء مدّعي وأحياناً منافق يسرّبون من خلاله إشعاعاتهم باتّجاه الذائقة الفنيّة للسوريين ويعرضون لوحاتٍ صفراء تسوّق لقصص الحرب وأوجاعها.

تولّى المخرج "جود سعيد" خلال سنوات الحرب السوريّة توليد ألبوم أفلام ومسلسل ليفصل سنةً واحدة بين بطنٍ وآخر، فبين التأليف والإخراج لاقى سعيد تهليل لأعماله في النطاق السوريّ وأحياناً في بعض المهرجانات العالميّة حيث لم يستطع أن ينافس سوى نفسه ليحتلّ الحركة السينمائيّة السوريّة بدعمٍ مجتمعيّ وماديّ، فاليوم يعدّ "جود" قائداً تسويقيّاً لأفكارٍ – لست بصدد النقاش بها – يعادُ تكرارها علينا بصورٍ لا تختلف عن سابقاتها بالمجمل.

ما يبرّر لـ " ليدي غاغا " غرابتها التي يجدها البعض منفرة هو تعريفها البسيط بنفسها وبعملها التي تسوّق له، وما لا يبرّر للأمثلة المذكورة آخراً هو ادعاءاتهم التي تتمحور حول عرض الحقيقة والمساعدة والإنسانيّة التي بات شرحها اليوم صعب بوجود إغراءاتٍ فاقعة ملوّنة تجتذب العقول وتخدّرها ضمن علب الفن في زمن الحرب.

دراسة مسبقة للمتلقي 

أطلق على اللون الفسفوريّ هذا الاسم لأنّه يشعّ في الظلام، فالإشارات المروريّة مثلاً تكتب بالفوسفوريّ لإرشاد السائقين ليلاً، وقدّم بعض علماء النفس تحليلاتٍ متناقضة في دراسة هذا اللون، فعلى جانب فُسِّر على أنّه لون يمثّل الإشراق والحيويّة والطاقة وفي تفسير آخر أكّد البعض على تأثيراته السلبيّة كالاستفزاز والتوتّر "حيث يعكس الاضطرابات الداخليّة لمرتديه" كما علّق بعض خبراء الأزياء فيعبّر عن الضغوط النفسيّة.

إذاً هل تعتبر هذه الإنجازات التي تتكاثر اليوم في الهواء نواتج عن ضغوط نفسيّة أم عن خبراء نفسيّون يدرسون مسبقاً الحالة العقليّة للمتلقّي ويستعرضون إنجازاتهم في أطرٍ منمّقة ومتموّضة بالدفاع عن الإنسان ضمن علبٍ تناسب منتوجاتهم المورفينيّة؛ ليدخلوا في عقولٍ مجتمعيّة لا تحمل من كتب الثقافة سوى المسيّر لها والمفروض عليها بأشكالٍ تتميّز بالأنا المثاليّة، فشعار "نحن الأفضل" يحمله غالبيّة التجّار الذين لا يعدّوا بالضرورة "الأفضل" والأنا المثاليّة التي يحاول طرحها الفوسفوريّون اليوم باتت تعمي أبصارنا في ظلّ الظلام الذي كان وما زال يحتوينا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard