عن الخرافات السائدة في أوساط نشطاء المعارضة في لبنان

الجمعة 12 أبريل 201903:52 م

كابوس الحقيقة وحقيقة الكابوس

سوف يرفض جزء كبير من نشطاء المعارضة في لبنان مواجهة كابوس يقض المضاجع، حقيقة مزعجة مدفونة في أعماق النفس تحت طيّات سميكة من المسوغات.

أما الحقيقة المدفونة فهي التحقّق الفعلي للتغيير. وأما الملاذ فهو استمرار الواقع المزري، واستمرار دور النشطاء الاحتجاجي فيه. فمن هذا الدور إنما هم يستمدون هوية ما يجاهرون بها ويتكوّنون، صورة صدّاحة بين الأصدقاء وعلى مواقع التواصل.

بين مواجهة هذه الحقيقة أو إنكارها ستختار النفس، في معظم الأحيان، طمس الحقيقة وإبقائها طيّ الكبت والكتمان قبل ظهورها في حيّز الإدراك، وسيفعل المكبوت فعله. وستتمّ تنحية المسائل والقضايا التي قد تشكّل إسهاماً في تحقيق تغيير فعلي لصالح مسائل وحجج وقضايا تستديم لذة النضال قدر الإمكان. يقول أحد النشطاء: "التغيير يتطلب أن يكون نفسنا طويلاً". وهذه المقولة كانت لتكون صحيحة فيما لو أن ما يجري كان شيء آخر غير استدامة التلذّذ بالنشاط السياسي، والاستمرار باستخدام نفس الأساليب والخطاب والحجج، وانتظار نتائج مختلفة.

استدامة لذة النضال على حساب تحقيق التغيير تستلزم الإيمان بخرافات. وإذا كنا نريد تحقيق التغيير الفعلي، فهذا يحتّم نقض وتحدّي كل ما يندرج تحت تصنيف بديهيات النضال التغييري. ينبغي نسف خمسة خرافات متداولة في أدبيات وثقافة نشطاء المعارضة في لبنان.

أوّلاً: خرافة الإقناع بالبراهين العقلية

يأتي كثر من نشطاء التغيير في لبنان من طبقة اجتماعية معينة، ومن شريحة متحرّرة من قيود وشروط النظام السياسي-الاقتصادي القائم. ناشطون وناشطات يملكون رفاهية الاعتراض. إنّ بديهة النشطاء سوف لن تحاكي هموم الناس يوماً كون منطقها ملوث بشبهة التحرّر من الشروط السياسية والاقتصادية - الاجتماعية الضاغطة على غالبية الشعب.

إذا كان للقناعات دوراً كبيراً في تكوين الموقف السياسي، فإنّ للظروف النفسية والشروط الاقتصادية - الاجتماعية التي ينشأ فيها الإنسان دور مماثل في تأثيره. دور هذه الشروط والظروف يتمّ تناسيه بقصد أو بغير قصد. فهو يذكر بحقيقة هناك رغبة قوية بطمسها. بالمقابل يتمّ الركون إلى فرضية أن الخيارات السياسية هي خيارات تنجم عن اقتناع ببراهين عقلية، وبأنّ من لا يقتنع بها فهو غير واعٍ. هذه الفرضية لها شعبية في أوساط النشطاء، فهي تعطيهم شعوراً منعشاً بالتفوق العقلي سوف لن يحبوا التخلي عنه بسهولة.

وضمور البراهين العقلية وعدم جدواها هو ليس أمام الشروط الاقتصادية الاجتماعية فحسب، إنما أيضاً في حضرة العواطف. فليس عسيراً تبيّن أن للعواطف، مثل الرهبة أو الخوف أو الرغبة الدفينة بالانسحاق أمام حضور جليل، هي أكثر تأثيراً في تحديد الخيارات السياسية، ومن ثم يأتي المنطق الذي ينبني بعدها وعليها. المسوغات المنطقية والبراهين العقلية إنما تُخترع اختراعاً لتبرير تموضع السياسي كان قد اتخذ سلفاً بناءً على إلحاح الشروط الاقتصادية-الاجتماعية أو العاطفية. الخلاصة هي أنّ المنطق والبراهين العقلية تصلح فحسب للاستخدام الذاتي، بهدف تحليل الواقع وفهمه، وليس لإقناع الناس بخطاب سياسي معيّن.

يقول البعض: "التغيير يتطلب أن يكون نفسنا طويلاً". وهذه المقولة كانت لتكون صحيحة فيما لو أن ما يجري كان شيء آخر غير استدامة التلذّذ بالنشاط السياسي، والاستمرار باستخدام نفس الأساليب والخطاب والحجج، وانتظار نتائج مختلفة.

ليس الناس بأغبياء كما يحلو للكثير من النشطاء أن يعتقدوا، وليس جميع مناصري المنظومة الحاكمة فاقدون للوعي السياسي. فغالبية الناس تعرف جميع الوقائع التي يبشّر بها نشطاء التغيير. 

الناس يعرفون الحقيقة ويدركون الخبايا، والمضلّلون إنما هم أفراد معشر النشطاء أنفسهم. الناس يعرفون أن المارد المهيمن، جلجامش ذاك، يستخدم أقدس القضايا التي تسكن الوجدان الجمعي لجماعة ما فيحتكرها ويستثمرها سياسياً لتمكين نفوذه وتدعيم هيمنته وتأبيدها.

ثانياً: خرافة غياب الوعي السياسي عند الناس

ليس الناس بأغبياء كما يحلو للكثير من النشطاء أن يعتقدوا، وليس جميع مناصري المنظومة الحاكمة فاقدون للوعي السياسي. فغالبية الناس تعرف جميع الوقائع التي يبشّر بها نشطاء التغيير. أما إذا كان الناس لا ينتهجون خط التغيير، فإن ذلك قد يعود لاعتبارات أخرى كثيرة تبدأ من المصلحة الآنية وتنتهي بغياب المحفّز الحاسم القادر على جعلهم يتحملون الخسائر الناجمة عن معاداة الطرف المهيمن، لا سيما إذا كان الخيار الآخر لا يوحي بالثقة. كل هذا يضاف إلى غياب رفاهية القدرة على المواجهة والاعتراض وذلك كون غالبية الناس إنّما تعيش تحت إلحاح الشروط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المفروضة، والحضيض الذي يفجر الثورة لم يحن بعد. ثمة أمل في خبايا الوجدان الجمعي للناس وهو لم يُستنزف بعد.



الناس يعرفون الحقيقة ويدركون الخبايا، والمضلّلون إنما هم أفراد معشر النشطاء أنفسهم. الناس يعرفون أن المارد المهيمن، جلجامش ذاك، يستخدم أقدس القضايا التي تسكن الوجدان الجمعي لجماعة ما فيحتكرها ويستثمرها سياسياً لتمكين نفوذه وتدعيم هيمنته وتأبيدها. فما الذي سيحفّز إذن الناس المتضرّرين من هيمنة هذا المارد على الانتفاض ضدّه إذا كان حملة لواء التغيير أنفسهم يمتنعون عن فقء فقاعة الوهم الكبير ولا يجرؤون على نسف أسس منظومتها الفكرية ومنطقها ولا يقطعون سياط التخوين اللاذعة؟ سيلوذ الناس بالأصيل القوي، بجلجامش نفسه، عوضاً عن بديل جبان.

ثالثاً: خرافة الاكتفاء بالمعيشي والابتعاد عن السياسي

ما من محاججة شائعة في أوساط معشر النشطاء أكثر من تلك التي تقول بأنه ينبغي الاكتفاء برفع القضايا المعيشية والاقتصادية والابتعاد عن المواضيع الإشكالية والشائكة منعاً لخسارة المناصرين. إن المنطق الذي تستند عليه هذه المحاججة مفرط في السطحية والسذاجة، مبني على قناعات راسخة أقرب لأن تكون خرافات. فالناس لا يؤيدون ولا ينتخبون من يسلط الضوء على المشاكل، إنما من يقنعهم بأنه لديه القدرة على حلّها. الثقة عود على بدء. من يضيء على المشاكل ويفندها أقصى ما يمكن أن يطمح إليه هو بعض التعاطف والتضامن.

رابعاً: خرافة جمع قوى الاعتراض

إن بديهة نشطاء التغيير تحتّم عليهم أن ينتهوا إلى خلاصة "منطقية" جداً تقول بأنّه يجب توحيد المجموعات والشخصيات الاعتراضية من أجل زيادة عدد المناصرين. غير أنّ الواقع ما لبث يؤكد لنا في كلّ مرّة بأن توحيد المجموعات الاعتراضية يقلل عدد المناصرين ولا يزيده. فكل مجموعة ستخسر جزءاً كبيراً من مناصريها، إذا وجدوا، لحساب عملية تدوير الزوايا التي يتطلبها جمع الكل تحت مظلة واحدة. لا تمتلك أية مجموعة سياسية جمهوراً مخلصاً، ولا محازبين فاناتيكيين مثل الأحزاب التقليدية التي تمتلك رفاهية التحالف مع أي كان دون أن تصغر قاعدتها الشعبية. فغالبية المحازبين تبقى مشدودة العصب موحدة الرأي والقناعات، ومن يشذّ سرعان ما ينضم تحت الجانح الرحب لأب الطائفة مع ارتفاع حدّة الشحن السياسي الطائفي قبل الاستحقاقات. أما مجموعات المعارضة طرية العود فتفقد مبرر وجودها حالما تفقد الوضوح السياسي في خضم تدوير الزوايا لتركيب التحالفات.

خامساً: خرافة ضرورة الفاعلية والسرعة في العمل

إن تضييق دائرة اتخاذ القرار بحجة الفاعلية والسرعة هي من الخرافات الرائجة جداً في أوساط معشر النشطاء. إنما هذه الخرافة إنما هي، في الكثير من الأحيان، تخفي سراً آخر يُبلع جراؤه الريق. فالهدف المخفي من تضييق دائرة اتخاذ القرار هو إقصاء المنافسين سيما وأن الترشح إلى الانتخابات النيابية هو قبلة أنظار أفراد معشر النشطاء والهدف الذي يدغدغ أحلامهم أجمعين.

بأي هدف ومن أجل من ينبغي أن يكون العمل سريعاً وفعالاً؟ باستثناء الحركات السياسية التي تستخدم منهجية ال"grassroots" في البناء السياسي ومنهجية البناء من أسفل إلى أعلى ومن الأطراف إلى المركز، فإن عدد الناشطين والناشطات في كل مجموعة سياسية يكاد لا يتخطى عدد أصابع اليد الواحدة. إن خرافة الفاعلية والسرعة هذه، على حساب البناء والنمو، إنما هي تنجح في الوصول إلى نتيجة واحدة: فقاعات صغيرة متنافسة يتآكلها الحقد والحسد وبداخل كلّ منها حفنة من معشر النشطاء يتداولون بصدى أفكارهم الذاتية...

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard