المغرب والأردن... ملامح تشكّل محور عربي جديد

السبت 20 أبريل 201906:12 م

تشهد العلاقات بين المغرب والأردن تقارباً لافتاً في الفترة الأخيرة توّجته القمة التي عُقدت بين العاهل المغربي محمد السادس ونظيره الأردني عبد الله الثاني، في 28 و29 مارس الماضي، وقرارهما "الارتقاء بعلاقات الأخوة والتعاون بين البلدين إلى مستوى شراكة استراتيجية متعددة الجوانب".

أتت القمة المذكورة في مرحلة يواجه فيها البلدان تحديات مشتركة. وعلى رأس العوامل الدافعة إلى تنسيق التعاون بينهما وتكثيفه شعورهما معاً بتهميش حلفائهما الخليجيين لهما، في ملفات أساسية ترتبط بالتحركات العربية من أجل تحديد مستقبل بعض الدول التي تشهد توترات وبحل القضية الفلسطينية.

والعلاقة بين المغرب والأردن ليست وليدة المستجدات الأخيرة، بل هي تاريخية، وتساهم في تمتينها روابط ثقافية، فكلا العائلتين الحاكمتين، العلوية المغربية والهاشمية الأردنية، ترجع أصولهما إلى البيت النبوي.

ومنذ عهد العاهلين الراحلين الحسن الثاني والحسين بن طلال، تجمع البلدين روابط أخوية وصداقة توارثها الأبناء عن الآباء. وحالياً، تربط بينهما علاقات اقتصادية وتجارية مؤطرة بـ115 وثيقة موزعة بين اتفاقيات ومذكرات تفاهم وبرامج تنفيذية في ميادين مختلفة من صناعة وسياحة وطاقة ومعادن ونقل جوي وبري، كما تربطهما اتفاقية للتبادل الحر أقرّت عام 1998، وتعاون في المجالات الإنسانية، كما في حالة إقامة مستشفى مغربي ميداني في مخيم الزعتري بالأردن لمساعدته في تحمل ضغط اللاجئين السوريين.

أسباب التقارب

يشير الكاتب والمحلل السياسي المغربي بلال التليدي إلى عدة عوامل ساهمت في التقارب الحاصل مؤخراً بين المغرب والأردن وسهّلته "أولها ما يتعلق بتطابق وجهات النظر والموقع منذ أكثر من ثلاثة عقود، فالمغرب والأردن يدخلان منذ مدة في محور دول الاعتدال، وكان لهما دور مهم في تقريب وجهات النظر داخل منظومة العمل العربية".

ويقول لرصيف22 إن "المتغيّر الجديد الذي برر رفع العلاقة بين البلدين إلى الدرجة الاستراتيجية هو تهميش دور الأردن في الشرق الأوسط وتعريض المغرب للحرج من جراء تسابق بعض الدول الخليجية بالشراكة مع مصر للقيام بأدوار مفترضة في صناعة واقع جديد للمنطقة"، في إشارة إلى دعم هذه الدول لخطة السلام الأمريكية المعروفة بـ"صفقة القرن".

وكان البيان المشترك الصادر عن قمة العاهلين المغربي والأردني قد أشار إلى "مسؤوليتهما المتمثلة في رئاسة لجنة القدس والوصاية الهاشمية" وندد بالإجراءات الأحادية التي تتخذها إسرائيل، لافتاً إلى أن "الدفاع عن القدس ومقدساتها وحمايتها من كل محاولات تغيير وضعها التاريخي والقانوني والسياسي، ومعالمها الدينية والحضارية الإسلامية والمسيحية، أولوية قصوى للمملكتين الشقيقتين".

وبرأي المحلل السياسي المغربي والباحث في الشؤون الأمنية محمد شقير، فإن التقارب بين البلدين "يرجع أيضاً إلى تقارب الرؤى بين النظامين الملكيين في ما يتعلق بالاعتدال والارتباط بالغرب".

احتجاج على "التسلط الخليجي"

بعد موجة الربيع العربي الذي أزاح عدداً من الرؤساء عن كراسي الحكم، حصل تقارب بين دول الخليج وبين المغرب والأردن اللذين عبرا تلك المرحلة بذكاء، لكن الود بين هذه الدول لم يدم إذ "اختارت دول الخليج سياسة خارجية لا تتماشى مع السياسة التي تميّز المغرب والأردن وتعرّضهما للحرج"، حسبما يقول المحلل السياسي بلال التليدي لرصيف22.

ويضيف التليدي أن "استراتيجيات بعض دول الخليج تهدد قواعد التوازن الاستراتيجي للمغرب في منطقة المغرب العربي، فالتدخل في ليبيا لجهة دعم المشير خليفة حفتر ليسيطر على الأراضي الليبية، يضرّ بكل الجهود التي بذلها المغرب من أجل المصالحة في ليبيا".

أما من جهة الأردن، فيشير إلى أن "الأردن الذي كان يشكّل طرفاً رئيسياً في كل عملية تسوية أصبح دوره هامشياً وغير مرغوب به في المنطقة، فضلاً عن وجود سيناريوهات تضرّ بالمصالح الأردنية في ما خص ترتيب خارطة المنطقة ووضعية الصراع العربي الصهيوني".

وهذا ما يؤكد عليه محمد شقير من جانبه، معتبراً أن "التحولات العميقة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والتي تخضع على ما يبدو لإملاءات صفقة القرن دفعت بالعاهل الأردني إلى التشاور مع الملك محمد السادس".

في كل هذه الملفات، يمكن قراءة امتعاض البلدين من الدور الخليجي الذي يهمّش دوريهما، وهو ما عبّرت عنه عبارة وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة أثناء المؤتمر الصحافي المشترك مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، عقب قمة العاهلين، إذ قال: "مستعدون للتنسيق مع دول الخليج لكن ليس حسب الطلب".

ومؤخراً، برزت عدم رغبة المغرب في أن يكون جزءاً من تحركات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي زار بلدان المغرب العربي في ديسمبر الماضي، بعد أزمة مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي. وفسر وزير الخارجية المغربي موقف بلاده في حوار مع الجزيرة، قال فيه: "التوقيت والترتيبات حالت دون ذلك".

ويرى مراقبون كثر أن المغرب والأردن لا يريدان القطيعة مع دول الخليج، بل يريدان إعادة صياغة العلاقة معها على ضوء الندية وليس التبعية.

ويقول أستاذ العلاقات الدولية في جامعة محمد الخامس في الرباط تاج الدين الحسيني لرصيف22 إن موقف كل من الأردن والمغرب ليس بالضرورة موجهاً ضد بلدان الخليج، مرجّحاً أن تكون الرسائل التي أرسلها الملك محمد السادس إلى دول الخليج استباقية، وهدفها تكثيف التنسيق في الملفات ذات الاهتمام المشترك.

الموقف من القضية الفلسطينية

بالعودة إلى القضية الفلسطينية وما يُفصَّل من حلول لها، يعتبر رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع ومنسق رابطة إيمازيغن من أجل فلسطين أحمد ويحمان، في حديث لرصيف22، أن "الملك محمد السادس رئيس لجنة القدس وبالتالي فهي مهمة ثقيلة على عاتقه، وبالنسبة إلى ملك الأردن فهي مسؤولية مباشرة نظراً للوصاية الهاشمية على أوقاف المدينة المقدسة واعتباراً لرمزية هذه المدينة وما تمثله لمليار ونصف المليار مسلم".

"في ما يتعلق بموضوع القدس، يبدو أن هناك بوادر بروز محور أردني-مغربي قد يكون ثالث المحاور في المنطقة، بين المحور السعودي-الإماراتي-المصري والمحور الآخر الإيراني-السوري مع حزب الله في لبنان"
يرى مراقبون كثر أن المغرب والأردن ممتعضان من خيارات دول الخليج الإقليمية ومن الانحناء العربي أمام "صفقة القرن"، ما يدفعهما إلى تشكيل محور عربي جديد يهدف إلى بناء علاقة ندية مع حلفائهما

وبرأي الكاتب العام للمرصد المغربي لمناهضة التطبيع عزيز هناوي، فإنه "في ما يتعلق بموضوع القدس، يبدو أن هناك بوادر بروز محور أردني-مغربي قد يكون ثالث المحاور في المنطقة، بين المحور السعودي-الإماراتي-المصري والمحور الآخر الإيراني-السوري مع حزب الله في لبنان".

ويضيف هناوي لرصيف22 أن قمة العاهلين الأخيرة "شكلت لحظة يقظة وصحوة، خاصة مع الحالة الإعلامية والسياسية التي صاحبت ما يُسرّب عن مضمون صفقة القرن".

أما الكاتب والباحث والمؤرخ السياسي الأردني محمد أسعد بيوض التميمي فهو أكثر سوداوية وقال لرصيف22 إنه يرى أن "مواقف جميع الدول العربية لا ترقى إلى مستوى التحدي الذي يواجه قضية القدس وقضية فلسطين، وجميع الأنظمة موقفها واحد وهو خيار الاستسلام".

ويتحدث الخبير الدستوري والمحلل السياسي رشيد لزرق لرصيف22 عن سعي "الملكية في المغرب بما تحمله من مشروعية دينية باعتبار الملك أمير المؤمنين، وسليل الرسول" و"الملكية الأردنية الهاشمية" إلى "تكوين جبهة إسلامية لحماية الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية، باعتبارها التزاماً تاريخياً".

سيناريوهات مستقبل التحالف

يدفع تشكيل تحالف مغربي-أردني إلى التساؤل عن إمكانية توسعه ليضم دولاً أخرى وعن حجم التغيير الذي يمكن أن يُحدثه في العالمين العربي والإسلامي.

برأي عزيز هناوي، يقع المغرب والأردن "أمام خيارين: إما أن يستجيبا لضغوطات ما يسمى بصفقة القرن ويوافقان على سياسة المحور السعودي-الإماراتي-المصري، ما يجعلهما في موقع حرج للغاية في ظل مسؤولياتهما تجاه القدس، أو أن يختارا نسج علاقات مع المحور التركي-القطري وهذا أقل تسبباً للخسارة من التنسيق مع المحمور الإيراني-السوري، أو أن يعملا على تأسيس محور ثنائي جديد وفي تقديري سيكون ضعيفاً نسبياً من الناحية السياسية في المنطقة، ولكنه على الأقل قد يشكل عنصر ممناعة لما يسمى بصفقة القرن".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard