"لَا أَنَا إلّا أَنا": رحلة الصُّوفي من الكسل والاستمتاع بالحياة إلى "الفَنَاء"

الجمعة 12 أبريل 201903:44 م

"تربيتُ على أنَّ "الإيد البطَّالة نِجسة"، ولكنّي اكتشفتُ العكس، العمل الذي يُنجز في العالم يزيد عمَّا ينبغي إنجازه بكثير".

هكذا امتدح الفيلسوف البريطاني برتراند راسل البطالة في القرن العشرين.

وكتب راسل في مقال نُشر بـكتاب "في مديح الكسل": "على الرّغم من أنَّ ضميري لايزال يُسيطر على أفعالي إلَّا أنَّ آرائي قد اجتاحتها ثورة"، ونصح قادة جمعية "الشبان المسيحيين" في بريطانيا أن تشنَّ حملة "لإقناع الشباب الطيِّب بألَّا يفعل شيئاً".

وتحدث راسل عن الشخص الذي يعمل ويدّخر باعتباره شرّيراً، لأنَّه بذلك يقرض مُدَّخراته لحكومة ما، والحكومات تذهب معظم أموالها للحروب، إمَّا نفقات حروب قديمة أو استعداد لحروب جديدة، وشبَّه الإنسان الذي يقرض ماله للحكومة مثل الشخصيات الدرامية الشرِّيرة التي تستأجر القتلة في مسرحيَّات شكسبير.

يدعوكم راسل لتتأملوا تلك الشخصيات التي تسمونها بالضائعة، والمنحرفة، كيف تُفيد البشرية أكثر، يكتب: "لو أنّه أنفق ماله مثلاً في إقامة الحفلات لأصدقائه لجنوا كما نأمل من ذلك لذَّة، ولاستمتع كذلك سائر الناس الذين ينتفعون من ورائه، أمثال الجزَّار والخبَّاز وتاجر الخمور..المسرف المرح الذي ينفق ماله فيما يعود على الآخرين بالخير والمنفعة يُعامَل بازدراء كشخص مُغفَّل مُستخِفّ تافِه".

المُسرِف المَرِح الذي يُنفق مالَه فيما يعود على الآخرين بالخير والمنفعة يُعامَل بازدراء كشخص مُغَفَّل مُستخفّ تافِه

ابن عربي: "المَيل إِلَى الاكتِسَاب دَنَاءَة"

قديماً قال ابن عربي (في كتاب "ماهية القلب"، مُثمِّناً حالة عدم العمل، والتعلُّق بالربح) بلغة إسلامية عتيقة: ولمَّا كانت المكاسب الدنيوية لازمة لأحوال السعي، لضرورة فقرهم إلى السعي، وأمكنهم الاقتصار على قدر الحاجة الضرورية وتجاوزوه إلى مالهم عنه غنى، وسُمِّيَت الزيادة على قدر الحاجة قُفلاً في قوله تعالى: "أم على قلوب أقفالها"..ولذلك..بسبب أغراضهم النفسية وميلها إلى الاكتساب الدنيئة.

إن لم تكن ميَّالاً للكسل والفراغ فلن تصل إلى شيء في عوالم التأمُّل والتصوّف، لأنَّ البداية هي الاهتمام بـ"الباطن"، أنفسكم ومشاعركم الداخلية، فهي الأصل بالنسبة للمٌتأمِّلين والصّوفيين.

يقول ابن عربي: "الباطن أصل والظاهر فرع".

وبلغة حديثة يقول أوشو، في محاضرات جُمعت بكتاب "أهل الطريق: محادثات عن الصوفية"، لا حاجة إلى التغيير، لأنَّ الطاقة المرتبطة بتغيير الأشياء ليست لديها شيء لتغييره، العالم كما هو، وأنت جزء منه لا تتغير ولا يتغير، وعندما تشعر بذلك للمرة الأولى سيتم "تحرير الطاقة"، وهذا هو ما نسميه "بهجة".

ويحكي المعلم الهندي عن امرأة حاولت لستة أشهر أن تتأمل وفشلت، بحسب رؤيتها للتأمل، كان لديها تعريف للتأمل، وتوقعات، لذا فإن ذلك لن يحدث.

جلست مسترخية على كرسي بغرفتها، ولا شيء تفعله، زوجها في المكتب، وطفلها في المدرسة، والبيت خالٍ، ولا رغبة لديها لتفعل أي شيء، فقط جالسة ومغلقة عينيها، اجتاحتها فرحة واسترخاء، لأنها بلا أسباب أو مقدمات، وأحسَّت بأن وجودها يختفي، وخافت.

"زوجها في العمل، وطفلها في المدرسة، والبيت خالٍ، ولا رغبة لديها لتفعل أي شيء، فقط جالسة ومغلقة عينيها، اجتاحتها فرحة واسترخاء، وبدلاً من أن تهدأ أكثر، خافت"

نعم، ذلك يحدث لكم طول الوقت، يقول أوشو، بطريقة قد لا تفهمونها، أحيانا تجلسون وحدكم، لا تفعلون شيئا، تشعرون بأن شيئا ما يحدث، إنه شيء جديد على نحو غير مُصدَّق، غير معروف، ولكل شخص، في لحظات نادرة، لا تفهم هذا الشيء، ولا تستطيع أن تُخمِّن لماذا حدث لك.

ولكن إذا خصَّصت وقتاً أطول للوحدة، فلن تكون تلك اللحظات نادرة، لحظات سمّاها المتصوفة العرب مقامات وأحوال.

الوحدة: مقامات وأحوال

يتساءل كثير من الناس، الاجتماعيون منهم خاصة، ماذا يوجد في الوحدة سوى العزلة، وماذا في الفراغ سوى الفراغ، وما الصمت إلا سكوت وانعدام للكلام، يشبه الشاعر الإنجليزي أليستر كراولي تلك الحالة بنظرة البدوي إلى الصحراء مقارنة بالسائح، فالقادم من بلاد تعج بالضجيج والزحام، ودوشة المنافسة والطموح، لن يرى في الصحراء سوى الخلاء، ولكن البدوي الذي يجلس بجواره، يستطيع أن يريه التاريخ والدين والأساطير والسياسة في خواء الصحراء، لذا لا يحكي الناس عن الملائكة والجنيات سوى في أماكن الفراغ والاتساع، مثل الغابات أو الجنائن الواسعة، أو الصحراء.

ولا يستطيع اجتياز هذه الصحراء سوى أناس شديدي الاختلاف والتفرد، بلغة درامية لذيذة يحكي فريد الدين العطار في كتاب "منطق الطير" رحلة الصوفي من الوحدة والعزلة، إلى الاكتمال مع روح الحياة، وكل الطيور في حكايته عند مرحلة ما تنهزم، إلا طير "السيمرغ" الخرافي الأسطوري.

إذا كنتم تريدون كتباً تساعدكم على تعلّم اللغة الجديدة لعالمكم الداخلي، تصف ما تشعرون به، وتفسر لكم تلك العوالم الغريبة والعجائبية، تتعرَّفون على قرينكم، وتصحبون الجنيَّات، وتتخاطرون مع أصدقائكم وأحبائكم، نرشح لكم كتاب "التأمل" لأليستر كراولي، وهو مفيد خاصة للذين يعيشون بطريقة هيبية، التمرد السياسي والاجتماعي، الولع بالحشيش والأسيد والجنس.

إذا كنتم تريدون كتباً تساعدكم على تعلّم اللغة الجديدة لعالمكم الداخلي، تصف ما تشعرون به، وتفسر لكم تلك العوالم الغريبة والعجائبية، تتعرَّفون على قرينكم، وتصحبون الجنيَّات، وتتخاطرون مع أصدقائكم وأحبائكم، نرشح لكم... 

أما إذا كنتم من المولعين بعلم النفس، واللغة الوصفية الدقيقة، يمكنكم قراءة كتاب عالم النفس السويسري كارل يونغ "الكتاب الأحمر"، وإن وجدتم في أنفسكم ميل إلى التأمل البوذي، واليوغا، فننصحكم بكتب المعلم الهندي أوشو، ولقد استندنا في مقالنا على كلماته في كتاب "الصوفية أهل الطريق".

وإن كنت شاعراً أو روائياً، يمكن أن تصطحب معك في طريقك كتاب "المواقف والمخاطبات" للإمام الصوفي العراقي عبد الجبار النفري، و "المثنوي" لجلال الدين الرومي، و "الطواسين" للحلاج، كتب مليئة بعبارات شعرية غامضة، تلامس حدسكم، وقصص تجسّد مشاعركم، ورؤاكم الجديدة والغريبة.

وفي النهاية، إذا كنتم من المعجبين بالتصوف الإسلامي، وتنزعجون من الكلام في "الروحانيات" بلغة غير دينية، مشبعة بالأحاديث النوبية وآيات القرآن، فنرشح لكم كتاب تراثي بعنوان "الرسالة القشيرية في علم التصوف".

"أنت إنسان طبيعي وعادي"

يستمد الإنسان هويته من نظرة الآخرين له، إذا كنت امرأة وتعيشين حياة مُتحرِّرَة في قرية مصرية، أو تميل إلى الكسل والتبطل في دبي، سينظر لك الناس نظرة مشحونة بالإنكار والإدانة، ولكن عندما تكون وحدك، لا عين تنظر إليك سوى عيونك في المرآة، حينها ستتحرَّر من الإرث الأخلاقي لبلدك ودينك وعائلتك، ستكون أنت.

عندما تكون وحدك، لا عين تنظر إليك سوى عيونك في المرآة، حينها ستتحرر من الإرث الأخلاقي لبلدك ودينك وعائلتك، وتكون أنت.

ستدرك طبيعتك.

"أنت لست مُميَّزاً، أنت إنسان عادي"

يقول أوشو مُفرِّقاً بين الإنسان المتوسط والإنسان الطبيعي\العادي، فالإنسان المتوسط "المديوكر" هو الذي يسعى إلى الاختلاف والتميز والتنافس، ولأن الطبيعة لم تخلقنا "متميزين"، ولكن "متفردين"، مثل تفرُّد الشجرة بطولها وخضرتها وصلابتها عن الزهرة قصيرة الغصن، المغروسة بهشاشة بين الأعشاب، لا تتفاخر الشجرة على الزهرة، كل كائن طبيعي يعيش تفرّده بلا تميز ولا تنافس.

ولكن المجتمع يطلب منك أوَّلاً أن تكون مُزيَّفاً، تتنكَّر لكل الأشياء العادية في داخلك، إذا اشتقت إلى التسكع والصعلكة، إن أحببت المخدرات والجنس، لو استبد بك شغف في الدروشة واعتزال الحياة، ستتنكر لكل ذلك، لماذا؟

لأن المجتمع أقنعك أنك مختلف، عليك أن تعمل، عليك أيضاً أن تبتكر صورة لنفسك تُميِّزك عن الآخرين، إلى الدرجة التي ستنسى فيها نفسك، الأصيلة والطبيعية.

يقول أوشو من منظور كسول، ومنعزل: "الساعون إلى التميُّز حمقى ومنافقون".

"العقل القرد" أو "الوِسوَاس الخَنَّاس"

يعيش صديقي محمد علي ، صحفي ومدرس، في قرية منعزلة بالمغرب، لا يركز كثيرا في تفاصيل عمله بالمدرسة، اختار عدم الزواج أو السكن مع الناس لحبه في الوحدة.

ولكن الأمر ليس بهذه البساطة، فثمَّة أصوات تنكر عليه ما يفعله، تهمس في أذنه "إنت ولا حاجة، إنت نكرة"، وأحيانا تستبد به رغبة الحديث إلى صديق، فيعيش يومه في ثرثرة داخلية، عن شؤون فلسفية وحياتية تضيع في ضجيجها وصخبها صفاؤه.

يسمي علماء النفس تلك الحالة بـ"العقل القرد"، وجوروات الهند، مثل أوشو، بـ"الثرثرة الداخلية"، ويعتبرونها "قسرية"، أي تستبد بك.

ولقد صورت رؤى أنبياء بني أسرائيل جوانب من هذا "القرد" باعتباره شيطانا، وأن ما يخطر على بال الإنسان إن لم يكن في ذكر الرب هي خواطر الشيطان، ولقد صوّر القرآن هذا "القرد" بـ"الوسواس الخناس"، ووصفه بـ"الذي يوسوس في صدور الناس"، في مقاطع لفظية تركز على حرف السين، وكأنها محاكاة صوتية لوشوشات "العقل القرد".

وقديما ابتكر رجال الدين "المانترا"، كلمة يُردِّدها المؤمنون يعتقدون أن لها تأثير سحري خيِّر عليهم، يقول كراولي، في كلمات أوجزناها بشدّة للتوضيح، أنَّ الزهَّاد والرهبان تبنوا "المانترا الطويلة"، فبمجرد أن يتلو الزاهد المسلم آيات من الذكر الحكيم، بحالة نفسية رقيقة يسمونها "التضرع"، يقول القرآن: "واذكر ربك في نفسك تَضرّعاُ وخِيفَة..."، ويترنّم الراهب بكلمات من الكتاب المقدس، حتى يختفي هذا القرد المضطرب، الحالة التي وصفها المسلمون بـ"الاطمئنان"، يقول القرآن: "ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب".

بينما اعتمد الصوفيون على "المانترا متوسطة الطول"، وهي لا تزيد على كلمتين (مثل سبحان الله، الحمد لله إلخ)، أو تكتفي بكلمة واحدة (ترديد كلمة "الله" أو أي من أسمائه الحسنى)، بمجرد أن تردد سبحان الله مثلا لآلاف المرات فإن قلبك سيهدأ، وستشملك بركة الذكر، كما يقولون.

أما المانترا الأم هي صوت لفظي واحد، يتبنى الهنود "أوم"، والمتصوفة المسلمون الصوت الأخير من اللهُ لفظ الجلالة "هو"، يُثمِّن أوشو الصوت الصوفي للمجتمعات المكبوتة جنسياً، وتبناه في تقنية تأمله الشهيرة باسم "التأمل الديناميكي"، لأنَّه أقوى في إخراجه من الصوت الهندي الرقيق"أوم"، وزعم أنه يسمو بطاقة الجنس، من الأعضاء التناسلية إلى السرّة، مركز الحياة كما يعتقد أتباع بوذية الزن، فصوت "هو" يخرج من السرة.

من استبداد الجنس لحميمية الإنسان

لعل الرغبة الجنسية تكاد تكون قاتلة، ومشوشة لصفاء متعتك، وكمال استرخائك، خاصة إذا كنت أصغر، وأكثر شباباً، يشير الفيلسوف البريطاني آلان واتس إلى الرؤية الهندية المشبعة ببوذية الزن أن الاستمتاع بالجنس يندرج تحت قائمة الاستمتاع الغريزي بأي شيء آخر مثل الطعام والشراب، وهم يسمونها "استمتاعاً قسرياً" تُساقون إليها مُرغمين، بحكم الجينات التي تنشد البقاء والتكاثر، أمّا إذا أردتم الاستمتاع الحر، فعليكم أن تتساموا عن "الاستمتاع القسري".

ويوافقه الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور، فالعالم بالنسبة له ليست موضوعات تثير الفضول للمعرفة، ولكن أجساماً تثير الرغبة في الامتلاك، وثمَّن انعدام الرغبة كقيمة أساسية شرطية لأن تعرفوا، وتفهموا أنفسكم والعالم الذي تعيشون فيه.

 "لا تتفاخر الشجرة على الزهرة، كل كائن طبيعي يعيش تفرّده بلا تميز ولا تنافس"

إذا كنتم ممن لا تتقنون فنّ الغزل، وميالون إلى الانطواء، أو لا تستطيعون التخلص من تربية دينية متشددة نشأتم عليها في الصغر، ستريحكم تلك الأفكار كثيراً، أما إذا كنتم العكس، وتشعرون بصعوبة في فهم وتقبل ذلك، يقدم لكم أليستر كراولي في الفصل الثاني بكتاب "التأمل"، تقنيات لممارسة الحميمية، وشرح لأوضاع جنسية، من خلالها سيأخذكم الجنس وموسيقاه إلى الأعالي، إلى منطقة لن نكون للرغبة الجنسية عليكم فيها سلطان.

"لا أنا إلّا أنا"

ولكن آلان واتس لا يتفق أحياناً مع هذه التسمية الهندية، لا يوجد شيء قسري في الطبيعة، عندما تختبر الوحدة، وتمارس التأمل حيث الفراغ واللافعل.

جرب تأمل التنفس، لا فكرة في عقلك، فقط نَفَس داخل، نَفَس خارج، حينها ستدرك أنَّ ما تُسمّيه عقلاً هو تجسّد جزء صغير للغاية من كينونتك، مُجرَّد "بقعة صغيرة" في دماغك حيث الخلايا المنوط بها تشكيل هويتك وشخصيتك، ويُسمي واتس بلغته الفلسفية المُشبَعَة بالبوذية نشاط هذه "البقعة": "السلوك الإنساني التطوعي أو الحر"، ولكن تعلّمنا تجربة "تريباية" عقار الهلوسة "الأسيد" شيئاً مدهشاً، ودائما ما نسيء فهمه.

يقول واتس: ينتابك شعور بالتضخم، ذاتك تشمل كل ما هو محيط بك، وعندما يختلط داخلك بخارجك، يدهمك شعور بأنَّك خلقت كل هذا، تقول لنفسك: أنا الرب (بالتعبير الصوفي لا إله إلا أنا، ولا أنا إلا أنا).

ولكن واتس يتفق معك في الإحساس، فهو حقيقي وأصيل، ولكن يختلف في التفسير، انظر إلى سلوك البيئة الخارجية كمظهر جوهري منك، وليست هي التي تُملي عليك قراراتها، إنه نظام متكامل أنت والبيئة تتحركان فيه معاً، أنت والشمس والقمر والشجر والهواء، واحد أحد.

نظرة جديدة إلى نفسك أليس كذلك، وهذه الحالة سماها المتصوفة العرب القدماء "الفناء"، بحسب أوشو.

عُشَّاق الأرض نُجُوم السَّماء

يُشاع على الصوفيين والمتأملين أنهم يكرهون الناس والعلاقات، وينفرون من ممارسة الحميمية، ولكن تزودنا كتب السير عن علاقة حب جمعت الشيخ الأكبر ابن عربي مع صديقته "نظام" ابنة شيخه "زاهر الأصفهاني"، وشمس الدين التبريزي الذي طاف العالم فقط ليجد شخصا يحبه، حتى وجد جلال الدين الرومي.

ولكن يخطيء الكثير من الناس فهم جوهر تلك العلاقات.

في كتاب "التاروت" لأوشو نجد صورة لشجرتين، ذوات ألوان مبهجة، مُتفرِّقة جذورها في الأرض، متداخلة أوراق فروعها في السماء، تستطيع تمييز كل شجرة، ولكنك في الحقيقة لا تستطيع سوى أن تميزهما بالجذور.

أضفى أوشو على هذا الكارت حالات الصداقة والحب، لا بد أن تكون وحدك لفترة، حيث لا تتحكم بك نظرات الناس وألسنتهم، حيث تترك مساحة لرائحتك بالتضوع والانتشار، حتى تصبح لنبتتك جذور قوية في الأرض، لا تقوى أعتى الرياح أو الظروف أو الإحباط في الصداقات والحب والأهل على اقتلاعك من نفسك، حينها ستتحول الصداقة والعشق من احتياج قاهر إلى التعلق بالآخرين، ونفور مرعب من الوحدة، احتياج ونفور يجعلنا نسيء فهم أصدقائنا وأحبائنا، ونحملهم ما لا تتحمل طبيعتهم البشرية، إلى مشاركة مع انطوائيين ودرواويش وعابثين مثلك، كلاكما تقفان على أرض ثابتة، مكتفيان بأنفسكما كشمس، وتمدان يد المحبة والشغف لبعضكما تماما مثلما تفعل النجوم البعيدة.

عندما تنفذ طاقة نجم، وفي مراحله الأخيرة، يبعث صوتاً قوياً في الفضاء تنقله الغازات البيضاء والمُلوّنة التي تمتليء بها المجرات، حتى تستجيب له نجمة كعاشقة متيّمة، وتمدُّه من عناصرها واحتراقاتها الداخلية ما يلزمه للاستمرار في الجاذبية والدوران، في رقصة سماوية لطالما أثارت دهشة علماء الفضاء.

لا تستغربوا إذاً عندما تعرفون أنَّ الفراعنة عبدوا الشمس في بدايات فجر ونشوء الحضارة، ثمَّ نقلوا شعورهم بالعظمة والقداسة إلى النجوم، وكانوا يعتقدون أن كل شخص يمثله نجم في السماء، بحسب كتاب "فجر الضمير".

يقول أليستر كراولي، في كتاب "القانون"، زعم أنَّ أحد الفراعنة ألهمه به: "كن مثل النجوم وعش إرادتك".

حُرِّية أن تَلعَب

أكثر ما تتعلمه في الوحدة والانطواء هي حرية الاختيار، لا كفكرة تقتنع بها وتتبناها، ولكن كحالة داخل نفسك، اختبرتها بنفسك، لقد مررت بالتجربة، يقول المتصوفة قديما: من ذاق عرف.

إنه اختيارك، يقول واتس، أن تعيش حياتك كلعبة أو تعيشها كضحية لآلات ميكانيكية عدمية، أو رب أوتوقراطي يمتحن قوة إرادتك وإيمانك.

ولكن يدعونا واتس لإعادة النظر إلى اختيارات الآخرين، بعين ملؤها الحب والمرح، ويتساءل: ألا يجعل اختيارهم أنّ الدنيا بائسة وفانية إحساسهم بالحياة أعلى، ألا تُزيد "حرمانية" الجنس من الإثارة أثناء الممارسة، وتُعلي من شأن الدراما- دراما التوبة والرجوع عنها، أليس إيمانهم في ما تقوله الأديان عما بعد الموت واستغراقهم فيه، يُضفي على تفاصيل حياتهم المملّة لمسة من الإثارة والتشويق، وهالة من الاحترام والتقدير، أليست فكرة مثيرة للملاحدة بأن تكون الحياة وهي بهذا الزخم والعظمة والفوضى الخلاقة عبثا، كل هذا الكون لا شيء.

مبروك لكم جميعاً، قُرَّاء هذا المقال، فقد تغيَّرتم. وفقاً لآن واتس، بمجرد استماعك لتلك الكلمات، واستمرارك في الاستماع إليها للنهاية، يعني إمَّا أنَّك قد اختبرت فعلاً أحوال ومقامات التأمّل، ربما دون أن تدرك ذلك، أو أنَّ الأفكار ممتعة لذوقك، ومثيرة لمشاعرك، وبالتالي فأنت تستمتع بأشياء مختلفة، بطريقة مختلفة، وهذا يعني أنك في بداية تغيّرك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard