احتجاجات السودان... قراءة في مواقف القوى العسكرية من "اعتصام القيادة"

الأربعاء 10 أبريل 201907:13 م

منذ نحو أربعة أشهر، يخرج المتظاهرون السودانيون إلى الشوارع بصورة شبه يومية مرددين هتافهم الشهير "تسقط بس"، للمطالبة برحيل فوري لنظام الرئيس عمر البشير. لم يكن يدور في خلدهم أنه سيأتي يومٌ ويكونون "في ضيافة الجيش" ولكن هذا حصل منذ السادس من أبريل.

أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم، نزل إليهم أحد ضباط الجيش لدعم حراكهم التغييري، ووجه لزملائه دعوة لحماية الشعب وإرادته، مردداً هتاف "تسقط بس".



موقف الضابط ذي الرتبة الصغيرة في الجيش السوداني يرى فيه مراقبون مؤشراً على حالة انقسام داخل الجيش إزاء المعتصمين، بين قيادات عليا أعلنت تأييدها للبشير، وهو بحكم الدستور القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبين ضباط من رتب وسطى وصغيرة لم يتورعوا عن مخالفة تعليمات قادتهم وأعلنوا انحيازهم للشعب، رغم أنهم يعلمون أن خياراتهم باتت صفرية، ومحصورة في أن تنجح الثورة كي لا تنصب لهم المشانق.

البداية... ما الجديد؟

كيف وصل المتظاهرون إلى هذه النقطة؟ منذ 19 ديسمبر الماضي، يخرج السودانيون بقيادة "تجمع المهنيين السودانيين"، وهو كيان نقابي ينظم الاحتجاجات، ويسيّرون مواكب احتجاجية في الخرطوم والولايات تطالب برحيل البشير ونظامه القريب من استكمال عقده الثالث في الحكم.

وأتى تحرّك المتظاهرين في البداية نتيجة سلسلة أزمات اقتصادية متلاحقة انعكست على الشعب وأدت إلى رفع أسعار السلع والخدمات بصورة غير مسبوقة، وزيادة معدلات التضخم، وانخفاض حاد في سعر العملة المحلية، عدا مشاكل جدية في توفير الخبز والوقود وحتى السيولة النقدية، ثم تطور ليطالب برحيل النظام.

ويوم السبت، في السادس من أبريل الحالي، أطل الجيش بقوّة على المشهد، عقب تسيير المتظاهرين مواكب باتجاه مقر إقامة البشير، في وسط الخرطوم، للمطالبة بتنحيه وتسليم مذكرة للقوات المسلحة تطالب بدعم الحراك، بالتزامن مع ذكرى انتفاضة السادس أبريل 1985، عندنا انحاز الجيش لصالح الشارع وخلع الجنرال جعفر النميري عن سدّة الحكم.

تحدّى المتظاهرون بطش السلطات وحالة الطوارئ المفروضة منذ 22 فبراير، وواجهوا درجات الحرارة التي زادت عن الـ40 درجة مئوية، ووصلوا إلى مقصدهم في أضخم تظاهرة يشهدها الحراك السوداني، وأغراهم نجاحهم بإقامة اعتصام دائم أمام مقر قيادة الجيش، في ساحة بالقرب من مجمع مباني يضم أيضاً وزارة الدفاع ومقارّ أمنية، وهو اعتصام لا يزال قائماً ويشارك فيه بضعة آلاف.

إثر بسط المحتجين سيطرتهم على كل الساحة أمام مباني القيادة، وضغطهم على قادة الجيش لاتخاذ موقف مساند للتظاهرات، انعقد مجلس الدفاع والأمن بالسودان بقيادة البشير، وهو مجلس يضم قيادات وزارات الدفاع والأمن والداخلية والخارجية، واعتبر أن الاعتصام تحوّل إلى مظهر أمني خطير يتطلب الحسم.

بناءً على ذلك، شنّت قوات أمنية وشبه نظامية هجمات على المعتصمين، أسفرت عن مقتل عدد من المتظاهريين (تتراوح الأعداد بين سبعة وعشرين)، كما أسفرت عن مقتل جنديين. وكان اللافت في المشهد تدخّل جنود سودانيين لحماية المتظاهرين.

ومنذ السبت نفّذ عناصر تابعون لجهاز الأمن والمخابرات، وآخرون قيل إنهم يتبعون لقوى عسكرية غير رسمية، عدة محاولات لفض الاعتصام ولكن المتظاهرين صمدوا فيما لم تتدخّل ضدهم قوات الجيش المتواجدة في المكان واكتفت بحراسة المقر الرئاسي.

هكذا، تختلف القوى العسكرية النظامية حيال التعاطي مع اعتصام المتظاهرين، ووصل خلافها حد الاشتباك المسلح، ما ينذر بأن حالة الاستقطاب الحالية يمكن أن تقود إلى سيناريوهات خطيرة.

الجيش والسياسة في السودان

تكوَّن الجيش السوداني في حقبة الاستعمار البريطاني باسم "قوة دفاع السودان"، وبعد الاستقلال تحوّل إلى "القوات المسلحة السودانية".

عبر تاريخه، خاض الجيش السوداني، ولا يزال يخوض، غمار حروب أهلية كثيرة. ورغم عقيدته القتالية القائمة على الدفاع عن الوطن والابتعاد عن شؤون السياسة، إلا أنه تورّط مرات عدة في انقلابات عسكرية نجح منها أربعة فقط، ووصل البشير إلى سدة الحكم عبر أحدها، بتحالفه مع الإسلاميين، عام 1989.

كما انحاز الجيش السوداني لانتفاضتين شعبيتين أطاحتا بنظام الفريق إبراهيم عبود، في أكتوبر 1964، ونظام الجنرال جعفر النميري عام 1985.

وفي الأيام الماضية صدرت دعوات له من المعارضة للالتحام مع الشعب. فقد دعاه تجمع المهنيين السودانيين إلى قيادة مفاوضات تبحث ترتيبات الانتقال السياسي، كما دعته "قوى إعلان الحرية والتغيير" إلى دعم خيار الشعب السوداني في التغيير والانتقال إلى حكم مدني ديمقراطي، كما اقترح زعيم حزب الأمة القومي، وهو حزب المعارضة الرئيسي، الصادق المهدي "تسليم السلطة لقيادة عسكرية مختارة مؤهلة للتفاوض مع ممثلي الشعب لبناء النظام الجديد المؤهل لتحقيق السلام والديمقراطية".

يشكو النقيب المتقاعد محمد الأمين من أن البشير عمد منذ وصوله للسلطة إلى إبعاد قيادات وضباط الجيش المشكوك في ولائهم للحركة الإسلامية، على نحو ما جرى له شخصياً، أو إرسالهم إلى مناطق القتال في أقاصي البلاد.

ويضيف لرصيف22: "إمعاناً في إضعاف الجيش أُرسل عدد من خيرة ضباطه لخوض معارك آخرين في اليمن، كما جرت تقوية كيانات عسكرية موازية على حساب القوات المسلحة".

ويتحدث الأمين عن "قيادات الجيش المتمرغة في نعيم السلطة"، وعن "ضباطه الصغار المكتوين بأزمات الاقتصاد، في مقابل الامتيازات الضخمة التي يحظى بها عناصر الأجهزة الأمنية والميليشيات".

وبتقديره، فإن وصول الثوار إلى محيط مقرّ القيادة العامة هو محل ترحيب من الضباط وضباط الصف وجنود الجيش، "خاصة في ظل محاولات المليشيات العسكرية فض اعتصام الثوار بالقوة"، ويقول: "القوات المسلحة تعتبر أي تعدٍ على فضائها الجغرافي بمثابة الإهانة، وهو فعل لا يقبله الجندي السوداني مطلقاً، ولذا فالمحتجون آمنون".

أمام الحديث عن ملامح انقسام في الجيش السوداني، خرج الناطق الرسمي باسم الجيش اللواء أحمد خليفة الشامي في التاسع من أبريل ليقول إن التعليمات صدرت بفض الاعتصام وفق القانون، وإن التظاهرات باتت تشكل خطراً على البلاد، محاولاً تبرئة قوات الأمن من المسؤولية عن سقوط ضحايا وتحميله المسؤولية إلى مجموعات وصفها بالمندسة.

وقبله، أعلن وزير الدفاع السوداني، الفريق أول ركن عوض محمد أحمد بن عوف، أن القوات المسلحة لن تسمح بإحداث "شرخ في القوات المسلحة وإحداث الفتنة بين مكونات المنظومة الأمنية بالبلاد".

ولكن الاعتصام لا يزال قائماً والجيش لم يتدخل ضد المتظاهرين ما يوحي بأن التصريحات العلنية تخالف ما يجري في الواقع.

يستبعد الأمين حدوث انشقاق في الجيش ويقول لرصيف22 إنه "برغم ما حاق بالجيش من محاولات أدلجة لصالح الإسلاميين، فإن الولاء للكيان أكبر مما عداه، ولن يفرّط الجيش في وحدته، حتى لو قضى الأمر بإبعاد القيادات العليا التي تقف ضد وحدته".

ورجّح الأمين أن انحياز صغار الضباط العلني للثورة سيحمل القيادة على اتخاذ مواقف جديدة تعبّر عن ضمير الشعب، ولكنه اعتبر أن ذلك رهن بتماسك المعتصمين الذين "إنْ تقهقهروا سيجعلون من ظهر حماتهم العسكريين هدفاً لرصاصات ومليشيات الموالين للنظام".

موقف قوات الدعم السريع

أمام ما يحصل في الجيش، يرجّح البعض أن تمارس قوات الدعم السريع دور حسم الأمور لصالح النظام وفضّ الاعتصام السلمي بالقوة، هي المتهمة بأنها وراء انتهاكات خطيرة في إقليم دارفور المضطرب، ووراء قتل المتظاهرين إبان "هبة سبتمبر 2013"، حين خرج السودانيون للتنديد بالغلاء وسقط منهم نحو 185 قتيلاً.

بدأت قوات الدعم السريع كمليشيا قبلية تخوض حروب النظام في إقليم دارفور، ثم تحوّلت لاحقاً إلى قوات نظامية ذات مهام تتصل بحماية وتأمين الحدود، ويقودها الجنرال محمد حمدان دقلو الشهير بـ"حميدتي".

يتحدث مراقبون عن انقسام داخل الجيش السوداني بين قيادات عليا مستفيدة من النظام تعلن تأييدها للبشير، وبين ضباط من رتب وسطى وصغيرة يعانون كما باقي فئات الشعب وينحازون إلى مطالب المتظاهرين
انحاز الجيش السوداني لانتفاضتين شعبيتين أطاحتا بنظام الفريق إبراهيم عبود، في أكتوبر 1964، ونظام الجنرال جعفر النميري عام 1985... فهل يفعلها مجدداً ويدعم مطالب المتظاهرين السودانيين؟

وبعد أن كانت هذه القوات تتبع لجهاز الأمن والمخابرات، صارت بموجب قانون تتبع للجيش، وتُعَدّ القوام الرئيسي للقوات السودانية المقاتلة إلى جانب "التحالف العربي" في اليمن.

لكن حميدتي يرفض محاولات تلويث سمعة قواته، وينفي علاقته بأحداث سبتمبر. والآن يبدو أنه يرفض حمل وزر دم المتظاهرين، فقد خرج في التاسع من أبريل ليقول: "تظاهرات سلمية حضارية محمية بالقانون والدستور، ما عندنا بيها علاقة".

يعتبر المحلل الاستراتيجي هيثم موسى أن حميدتي "رجل بسيط ويتسم بالصدق الشديد"، مذكّراً بأنه سبق أن هاجم نائب الرئيس السوداني أحمد هارون ووصفه بالمجرم الذي يستحق السجن، و"عليه لا بدّ من النظر بجدية إلى تصريحاته الذاهبة باتجاه التبرؤ من التعاطي العنيف مع التظاهرات".

ويقول موسى لرصيف22 إن هناك محاولات كثيرة لتحميل حميدتي وزر قتل وترويع المتظاهرين عبر الدفع بمنتمين إلى النظام في أثواب الدعم السريع لتأدية مهام قذرة.

ويضيف أن تصريحه المعلن غير كافٍ، و"ينبغي على الرجل اتخاذ مواقف أكثر عملية، والانحياز إلى صف زملائه من ضباط القوات المسلحة الداعمين لتحرك الجماهير أمام القيادة العامة".

موقف الأمن والشرطة

تندرج أجهزة الأمن والشرطة في السودان ضمن قائمة الأجهزة النظامية الموالية للبشير.

يقول الناشط السياسي المرابط في ميدان الاعتصام محمد المختار لرصيف22 "إن سوس الأدلجة متوغل في هذه المؤسسات المتخصصة في الدفاع عن النظام بكافة الأساليب، من قتل وتعذيب كما جرى مؤخراً في حادثة اغتيال المعلم أحمد الخير داخل زنازين الأمن".

ويضيف أن الأمن بدلاً من أن يقتصر دوره على جمع وتحليل المعلومات، نجده يمتلك شعبة قتالية مزودة بأسلحة حديثة، هي "هيئة العمليات" التي تقاتل معارضي النظام في أطراف البلاد، و"يمكن أن تفعل ذلك في قلب المدن".

وبدورها، تحاول الشرطة في العلن عدم تحمل مسؤولية "المهمة القذرة" التي يطلبها النظام، فقد نقلت وكالة أنباء السودان عن الناطق الرسمي باسمها اللواء هاشم علي قوله في التاسع من أبريل إن توجيهات صدرت لقوات الشرطة "بعدم التعرض للمواطنين والتجمعات السلمية".

الخوف من دور لـ"كتائب الظل"

تمتلك الحركة الإسلامية السودانية قوات عسكرية موازية للقوات النظامية مثل "قوات الدفاع الشعبي" و"الأمن الشعبي"، وقوامه مجموعات من طلاب وخريجي حزب المؤتمر الوطني الحاكم.

وكما لعبت هذه القوات دوراً مفصلياً في الانقلاب على النظام الديمقراطي عام 1989، لعب لاحقاً دوراً لا يقل أهمية في تثبت النظام الحالي على كرسي الحكم، مهما كان الثمن.

ومع بداية التظاهرات، حذّر نائب الرئيس السابق والقيادي في الحركة الإسلامية وذراعها السياسي حزب المؤتمر الوطني، علي عثمان طه، من أن "هناك كتائب ظل كاملة يعرفونها موجودة تدافع عن النظام... حتى إذا اقتضى الأمر التضحية بالروح".

يشير متظاهرون إلى أن هذه القوات كانت مسؤولة عن قمع الحراك منذ بداياته، ومسؤولة عن حوادث القتل والضرب والقمع وترويع الآمنين.

ويلفت الناشط محمد المختار إلى أن كتائب الظل هذه، وأفرادها يعملون وهم ملثمين، تقف وراء قنص المحتجين في الميدان، وتعمل على إعاقة وصول المعتصمين إلى مكان الاعتصام عبر نصب كمائن التفتيش.

وبرأيه، فإن هذه القوات "على استعداد لتحويل ميدان الاعتصام إلى رابعة سودانية"، في مقارنة مع حادثة فض اعتصام الإخوان المسلمين بعنف شديد في ميدان رابعة العدوية في مصر.

وأكثر ما يخشاه محمد المختار هو تكرار سيناريو 2013 عندما نفت كل القوات النظامية مسؤوليتها عن قتل المتظاهرين وألقت باللوم على قوات مجهولة تستقل سيارات دفع رباعي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard