كيف حررتني الصّورة من خوف المرتفعات

الأربعاء 10 أبريل 201905:33 م

في رأسي تتحدّث إليّ أمور كثيرة بسببه، صوتها عالٍ، ضجيجها لا متناهٍ، لا أستطيع النوم معها، خاصّةً إذا ما داهمني على حين غرّة، رغم كل المهدّئات التي أتناول، لا أعرف منذ متى وهو يرافقني -رغماً عنّي- بل متى كانت البداية أصلاً لهذا المُتنمّر، الكريه، المتربّص بي في كلِّ خطوة أخطوها نحو الأعلى؟!

كرهت، وأنا ابن الأرض، السماءَ، رغم حبّي الشديد لنوت - إلهة السماء في الديانة المصريّة القديمة- وزاد كرهي لها مع تقلّب نظري فيها، بعد كل فعلة يفعلها بي.

أعرّفكم يا من تقرؤون هذه السطور، برفيق الصبا، صانعي لنفسه، خالد الذكر "الخوف من المرتفعات Acrophobia"، الحي الساخر، والمُبتزّ الدائم الذي أدركني منذ الصغر.

أعلم تماماً أن الخوف هو الشعور الناجم عن الخطر أو التهديد المتصوَّر، لوجود خطرٍ ما على الجسم أو الحياة عموماً، وأعلم أيضاً، أنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتوتر، رغم الفارق الذي بينهما، إلا أنهما، من حين لآخر، يجتمعان سوية ليتفقا عليّ، ويمارسا شيئاً من ساديّتهما التي كلّما حاولت أن استجمع شتات نفسي كي أضع حدّاً لها، فشلت، ومع تكرار فشلي، هربت.

"الخوف من المرتفعات Acrophobia"، الحي الساخر، والمُبتزّ الدائم الذي أدركني منذ الصغر.

أزعجني ذلك العبث، ولم يبارحني مطلقاً الصداع الذي خلّفه فيّ، ملعقة سكر كاملة كانت في فنجان قهوة، كنت قد كفرت بها وبأمور كثيرة، وطلبت العون، إلى أن وجدتني متلبساً بكثرة النظر والتطلّع إلى صهريج المياه المرتفع، الواقع في القلب من مدينة أطسا، الذي شيّده المستعمِر الإنجليزي في أربعينيّات القرن الماضي، ويبلغ ارتفاعه 48 متراً تقريباً، حسب المرويّات المتداولة لخدمة مرفق المياه بالمدينة، والتي عرفت بالبحث أنها تعني، في الخط القبطي، البلدة الصغيرة الجميلة، إحدى مدن التقسيم الإداري للفيّوم والتي تُعدّ واحدة من أقدم مدن العالم الحاضر.

راودتني أفكار متعدّدة، حتى اتخذت قراري وصعدت سلالمه الهوائيّة الدوّارة لمواجهة الرُهاب المتسلّط، القابض على قلبي، ولازمتني في رحلتي موسيقى العبقري راجح داوود في فيلم "أرض الخوف" (1999)، لا أعرف لماذا؟ لكني وجدتها خير أنيس لي في تجربتي كما هي في حياتي.

لاحظت أثناء صعودي أنه لا يوجد شرخ واحد ولو صغير في قاعدة الصهريج الخرسانيّة، أو في ركن من أركانه أو حتى أعمدته ودعاماته، شامخ هو، متحدٍّ ثابت للزمن وعوامله لمدّة تزيد على 70 عاماً، ولوهلة قارنت بين ما يفعله ممارسو البناء والتشييد اليوم، تحت بند المواصفات القياسيّة والكود المصري، وممارسو الأمس حتى وإن كانوا مستعمرين.

أعلم تماماً أن الخوف هو الشعور الناجم عن الخطر أو التهديد المتصوَّر، وأعلم أيضاً، أنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتوتر، رغم الفارق الذي بينهما، إلا أنهما، من حين لآخر، يجتمعان سوية ليتفقا عليّ.

راودتني أفكار متعدّدة، حتى اتخذت قراري وصعدت سلالمه الهوائيّة الدوّارة لمواجهة الرُهاب المتسلّط، ولازمتني في رحلتي موسيقى راجح داوود في فيلم "أرض الخوف"... فقد وجدتها خير أنيس لي في تجربتي كما هي في حياتي.
يقال إن أولئك الذين لديهم خوف قليل من السقوط، لديهم القدرة على تحمّل المرتفعات، ما يلي محاولة توثيق صغيرة، ومشاهد ولقطات حصريّة أوليّة لمدينة أطسا (البلدة الصغيرة الجميلة) من أعلى مبنى فيها.

هذا الأمر معه رأيت أيضاً زحفاً عمرانياً خانقاً، يحتلّ بكتله الخرسانيّة مساحات زراعيّة، بل ويتوغّل فيها بنهمٍ باحثاً عن كلّ ما هو أخضر ليقتله. أمرٌ مُحبطٌ هو، واصلت معه الصعود حتى بلغت القمّة، والتقطت أنفاسي، وملأت عيني بتلك المشاهد الفريدة لمدينتي التي أراها لأوّل مرّة في حياتي بعين أخرى، مكثت حتى ملّت الشمس منّي وغربت، وجلست في حضرة الليل وصحبة أضوائه لفترة متأخّرة، وأعترف أنني الآن أدرك أن هزيمة شيء من خوفي هي أمر محبّب لي، طالما تقت إليه.

يقال إن أولئك الذين لديهم خوف قليل من السقوط، لديهم القدرة على تحمّل المرتفعات، ما يلي محاولة توثيق صغيرة، ومشاهد ولقطات حصريّة أوليّة لمدينة أطسا (البلدة الصغيرة الجميلة) من أعلى مبنى فيها، صهريج المياه المشهورة به:












* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard