"أميال غالية": رحلة فتاة مغامرة ترسم خريطة جديدة للعالم العربي

الاثنين 15 أبريل 201910:22 ص

في عرض فرقة زقاق المسرحيّة الجديد (أميال غالية) من كتابة مايا زبيب، وإخراج عمر أبي عازار، يلتزم النص بمتابعة حكاية الشخصيّة الأساسيّة، التي يحمل عنوان العرض اسمها (غالية). لهذا النصّ دوافع دراماتورجيّة واضحة، وهي تناول واقع المرأة العربيّة في منطقة العالم العربي.

ومن هنا تأتي فكرة (الأميال) الكلمة الثانية في عنوان العرض، وهي تدلّ على الرحلة التي ستقود غالية إلى عدة بلدان وقضايا اجتماعيّة وسياسيّة في العالم العربي: لبنان، فلسطين، سورية، العراق، الخليج العربي، ومصر، كل ذلك في طريق رحلتها إلى أوربا، لكن كم هو قابل للنجاح أن تعالج حكاية شخصية واحدة، عمرها يتراوح بين 16 – 18 سنة، واقع المرأة العربيّة في كلّ هذه المناطق؟ وكم هو من الشاقّ أن تبلغ كاتبة النصّ غاياتها الموضوعاتيّة بتناول تجربة حكاية شخصية واحدة؟ هذه الأسئلة هي التي سيحاول المتلقّي الإجابة عليها من خلال متابعة مجريات المسرحيّة.

غالية فتاة في مرحلة المراهقة من إحدى القرى اللبنانيّة، تعيش تجربة حب مع شاب فلسطيني، تؤدي إلى حملها، هذه هي الحكاية التي تقدمها مسرحية "أميال غالية"  لفرقة زقاق (23 إلى 28 في بيروت) 

الثقافة البطريركيّة في القرية

غالية فتاة في مرحلة المراهقة من إحدى القرى اللبنانيّة، تعيش تجربة الحب مع شاب فلسطيني، يؤدّي التواصل الجنسي بينهما إلى حملها بجنين. تعاني غالية من ضغوط الأهل بفرضهم عليها زواجاً لا ترضى عنه. عمّها يمثّل السلطة الذكوريّة العائليّة، التقليديّة والاجتماعيّة، ويستعمل العنف لفرض سلطة العادات والتقاليد البطريركيّة على العائلة.

خالتها هي الشخصية الوحيدة المتمرّدة في تاريخ العائلة، والتي رفضت الكثير من عروض الزواج وبقيت تدافع عن استقلاليتها، لتكتشف غالية في بداية المسرحية أنها بدأت تتراجع عن مواقفها المتمرّدة، وأخذت تلين أمام الضغط الاجتماعي، فتشكّل هذه الحادثة أحد الدوافع التي تشجّع غالية على الهروب إلى بيروت.

هكذا ترتسم الثقافة الضاغطة بالعادات والتقاليد على المراهقة الحالمة بالحب. تُطرد مدرّسة الرقص والغناء من القرية، تتراجع الخالة التقدميّة عن آرائها، الأم تضغط على الابنة لتقبل بعرض الزواج من ابن الخوري، والعمُّ يمارس العنف للتحكّم بمصير الإناث في العائلة، وأخيراً غياب حبيبها الشاب الفلسطيني الذي أصبحت تحمل جنينه، إثر ذلك، تقرّر غالية الهروب من القرية والتوجّه إلى المدن، ومنها إلى أوربا، حيث تنتظرها حياة أفضل، من حقها أن تعيشها على حدّ تعبيرها.

تهرب غالية مع شاب من الضيعة يمتلك سيارة، ولأنه يعرف بهروبها فهو يُخضعها للاغتصاب مقابل مساعدتها. خلال أحداث المسرحية ستتكرّر حالات الاغتصاب وسيولي الإخراج العناية بتجسيدها مسرحياً، باختيارات دقيقة من الممثلين في أدائها.

في المدينة

تقول مدرّسة الغناء والرقص التي رحلت عن قريتها ولجأت إلى المدينة: (هنا في صيدا لا أحد يعرفني، فأنا براحة أكبر، أشجّعك يا غالية على الاستمرار في رحلتك وملاحقة الحلم الذي تريدين فأنت فتاة مميزة)، هذه هي أقوال مدرّسة الغناء والرقص التي أثّرت في شخصية غالية، لكن المدينة ستعامل غالية كما تعامل كل الغرباء، ستتعرّض لمواقف بشعة عديدة، كالابتزاز، السرقة، الاعتداءات والتحرّشات الذكورية، العلاقات الاجتماعيّة في المدن ليست أرحم على غالية منها في القرية التقليديّة.

المخيم الفلسطيني

تقود الأحداث غالية إلى عالم المخيم، مخيم صبرا وشاتيلا في بيروت، ومن هنا نتلمّس محاولة كاتبة النص عكس الحياة النسائيّة في عوالم وثقافات متعدّدة، مخيّمات اللجوء الفلسطينيّة في لبنان واحدة منها. هناك نتعرّف على واقع اقتصادي واجتماعي مُهْمَل، فيصرّ النصّ على توصيف المخيم وأوضاعه الاقتصاديّة، المستوى الخدمي والمعيشي المتدنّي فيه، والعلاقات الاجتماعيّة القائمة على فرض القوّة وسلطة الزعيم.

إحدى المصائر النسائيّة التي تتعرّف عليها غالية في المخيم، هي امرأة تستمدّ قوّتها من مدى ارتباطها بالزعيم، تخدمه طيلة يومها ليهملها في نهاية المطاف، لكنها تبقى منتشية بخدماتها له وبقربها منه، مصيرٌ تراه غالية غير مقبولٍ لنموذج أقوى امرأة في المخيم، فتستمرّ في رحلة انتقالها.

مسرحيّة (أميال غالية): رحلة ستقود غالية الشابة إلى مغامرات ومخاطر في عدة بلدان في العالم العربي: لبنان، فلسطين، سورية، العراق، الخليج العربي، ومصر، كل ذلك في طريق رحلتها إلى أوربا

المحطة السوريّة: العنف والدعارة

ستقودنا أحداث المسرحيّة بطريقة مبرّرة أحياناً وأقلّ إقناعاً في أحيان أخرى، إلى عدد من البلدان العربيّة المجاورة، سورية ستكون المحطّة الأولى، رحلة غالية ستقودها إلى حمص، حيث تكتشف حجم الخراب، الموت، ومقدار العنف. تقدّم المسرحيّة مشهداً يمثّل الحال السوري من خلال طقس عزاء، نسمع الكورس في الجنازة يردّد: (اليوم يوم عرسك يا أمير، دموعي سكابا وفرحي كبير، دمّك على إيدك حنّة وأمك رتّبتلك السرير، ورد وحبق وجرجير)، وحيث ينتشر العنف تنتشر الدعارة، وهي عوالم أخرى أرادت مؤلّفة النصّ لشخصيتها الرئيسيّة أن تعايشها.

قصّة حبّ جديدة تنشأ في حياة غالية في تلك المرحلة مع شاب، عرفت معه التواصل والأحاديث والرحلات المشتركة، فكانت علاقة مبنية على التجربة ومختلفة عن الحبّ الأول الذي اتسم بطابع المراهقة، ومع أيمن، ستقود الأحداثُ غالية للتوجّه إلى العراق، حيث هناك من يساعدهم على الانتقال إلى أوربا، لكن طريق السفر سيحمل لغالية موت حبيبها الثاني، أيمن، على يد متشدّدين إسلاميّين، كما صوّرتهم المسرحية، قاموا بقتل أيمن للحصول على ساعته وماله.

في بغداد، تمنح غالية جسدها إلى مزوّر شهادات السفر القادرة على إيصالها إلى أوربا، لكنه يخادعها وينقلها إلى أحد بلدان الخليج العربي على البحر الأحمر، ومن هناك تتمكّن بمساعدة صديق يدعى (صدقة) من الوصول إلى القاهرة. يوجّه العرض تحيّة للنساء المصريات اللواتي شاركن في مظاهرات ميدان التحرير، اللواتي تعرّضن للعنف والاغتصاب واستمرّين بالنزول إلى الساحات والشوارع، ويشير إلى ما قدمنه من تضحيات وتحمّل للصعوبات، في سبيل الدفاع عن مشاركتهن السياسيّة وأداء أدوارهن الاجتماعيّة، بعدها تنتقل إلى ليبيا بنغازي لتغادر من هناك على متن عبّارات الموت إلى جزيرة لامبيدوزا، في رحلة الانتقال إلى أوربا.

الحمل والإجهاض

منذ الأحداث الأولى للمسرحيّة وغالية تحمل جنيناً في بطنها من علاقة جنسيّة مع حبيبها الأوّل، وبالتالي، يصبح سؤال الاحتفاظ بالجنين أو الإجهاض سؤالاً مستمرّاً ومتكرّراً طوال أحداث المسرحية. أرادت كاتبة النص وسم شخصية غالية بالتمرّد، وهنا يثير الاهتمام اختيارها أن تحافظ غالية على الجنين الذي في بطنها، كما أنها تقدّم المساعدة لفتى عابر قابلته في صور، تحميه من اعتداءات البالغين وتصحبه معها في بعض مراحل الرحلة، وهي إحدى حكايات المسرحيّة التي تشكّل إطالة لا تضيف إلى الحكاية الأصليّة أيّ أبعاد، سوى وصف شخصية غالية بالأموميّة.

رغم المحاولات المتكرّرة لا تصل غالية إلى قرار الإجهاض، ولذلك يحمل المشهد الأخير في المسرحيّة، والذي تركب فيه غالية عبّارة عبور البحر إلى أوربا، مشهد ولادة غالية في القارب، لتنتهي المسرحيّة بالإضاءة على جسدها في منتصف المسرح في وضعيّة الولادة.

هذه هي حكاية المسرحيّة بخطوطها العريضة، التي تمّ سردها هنا للتمكّن من التطرق إلى التقنيات السرديّة والإخراجيّة والتمثيليّة التي استُعملت في هذا العرض.

النصّ – الحكاية

تبدو رغبة النصّ في الإحاطة بالواقع السياسي والإجتماعي العربي من خلال قصّة شخصية واحدة، مغامرةً صعبةً لكنها ليست مستحيلة، لكن الاعتماد على شخصية أنثوية مراهقة بين 16 – 19 سنة لا يبدو خياراً عملياً يسمح بمناقشة المواضيع التي أراد النصّ التطرّق إليها، كان يمكن التطرّق إلى حال المرأة في الواقع السياسي والإجتماعي العربي من خلال شخصيّةٍ أكثر وعياً وعمقاً من حيث الإشكاليات التي تعانيها، فشخصية غالية المراهقة التي تبدو دوافعها مرتبطة بالحبّ والإنجاب، بدائية أمام الموضوعة الكبرى التي تريد أن تعالجها المسرحيّة، وهي واقع الحال العربي وتسيّد الثقافة الذكوريّة.

هذه الخيارات من كاتبة النص ليست بعيدة عن تاريخ طويل من السينما المصريّة والعربّية، حيث المرأة التي قادتها علاقة الحب الأولى إلى الحمل، ومن ثمّ إلى الصراع مع الوسط الإجتماعي والثقافي الذي تعيش فيه، فإنتاجات السينما العربيّة مليئة بحكايات عن نساء يقاسين من الهجران، والتورّط في الحب والإنجاب، والخوف من الفضيحة والعار، حكايات موجودة بكثرة في تاريخ الحكايات العربيّة عن المرأة في الأدب والسينما.

تقتصر شخصية غالية على البعد العاطفي والأمومي، فلا أحلام لها إلا الحصول على الحبّ والإنجاب، لا يتمّ التركيز على رغبتها في تعلّم الغناء والرقص مثلاً، ما يظهرها ساذجة في التعامل مع الواقع الكثيف التعقيد من حولها، والكثير من العبر والدروس لا تؤثر في شخصية غالية، فتصرّ على فكرة واحدة: الخلاص هو بالعبور إلى أوربا، دون أن تتوضّح أحلامها ورغباتها التي تريد تحقيقها من الحياة الممنوحة لها.

وإن كانت الناقدة روان عز الدين قد كتبت عن غالية بأنها: (بطلة تراجيديّة تواجه تاريخاً من الهزائم)، فإن الشخصيات التراجيديّة يُشترط بها أن تمرّ بتحوّل داخل أحداث المسرحّية، وتنتقل من الاستلاب إلى الوعي، أو من الجهل إلى الاكتشاف، إلا أن شخصية غالية تنطلق بوعي يلازمها طيلة المسرحيّة، ولا تحمل النهاية لها أي اكتشاف أو تغيّر في وعيها للعالم من حولها، كما أنها لا تمتلك رأياً واضحاً حيال الأزمات والجدليات الأخلاقيّة التي تعايشها خلال رحلتها.

لا شك أن المسرحية لا ترسم واقع المرأة العربّية من شخصية غالية فقط، فالشخصيات النسائيّة الأخرى، العابرة في رحلة غالية، تلعب دوراً كبيراً في تصوير الواقع النسوي في المنطقة التي تعالجها الحكاية، تنويعات على شخصية المرأة تحضر بكثرة لكنها أيضاً منمّطة بطريقة أو بأخرى، بكلّ ما يتعلق بمأساة النساء.

يبرع الإخراج المسرحي في التعامل مع تجسيد هذه الحكاية التي يقترحها النصّ كعرض مسرحي، يتطلّب التنقل بين عدد كبير من الأماكن والشخصيات، وعبر العديد من الحكايات والأحداث المسرحيّة. لقد تمكنت الخيارات المسرحيّة من تجسيد الطبيعة الروائيّة للنص، وتمكّنت من تقديم متع متعدّدة للمتلقّي: خلق مستويات متعدّدة للمشهد المسرحي الواحد، كثافة المطلوب استيعابه من قبل الجمهور في المشهد الواحد، تغيّر استعمال الفضاء المسرحي بحسب متطلّبات وسير أحداث الحكاية، التبدّلات والتنويعات في أداء الممثلين بين القصّ المباشر، الحوار، الغناء، والأداء التمثيلي (جنيد سري الدين، مايا زبيب، وريم مروة). تميّزت كذلك الممثلتان (لميا أبي عازار، رائدة طه) بالتجسيد المتنوّع والخاص للشخصيات، مؤديتان مسرحيتان على مستوى عالٍ من المهارة والخصوصيّة في الحضور المسرحي.

تمّ في العرض أيضاً توظيف مثمر للموسيقى الحيّة (سيمونا عبد الله إيقاع، ليال شاكر كمان)، فكان للعنصر الموسيقي دور في السرد، في بناء الجو المسرحي العام والتأثير على المتلقي، ودور في تجسيد عناصر الفرجة التي تتضمنها المسرحيّة، مثل اللحظات التراجيديّة، طقوس الحب والموت والجنازة والفرح، كلها تقنيات حضرت في الفرجة المسرحيّة من قبل الخيارات الإخراجيّة.

أكّد العرض مجدّداً على تناول فرقة زقاق لموضوعات إشكاليّة، في الواقع السياسي والاجتماعي الراهن، كما أكّد على تنامي الخبرة الإخراجّية، والتنويع في إيجاد الحلول المسرحيّة والسرديّة، والخصوصيّة والتقنيات المميّزة التي يحملها أعضاء الفرقة على المستوى التمثيلي والأداء المسرحي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard