القَمَر: مَعشُوق الآلِهَة وَسَاحِر النِّساء في مِصر والسُّودَان

الثلاثاء 9 أبريل 201906:51 م

كانت سارة الكبير، وهي فتاة سودانيّة، تركض مُحاولةً الوصول إلى منزلها قبل آذان المغرب، مُتجاهلة اتصالات العائلة الغاضبة عبر هاتفها النقّال، كانت حريصة ألَّا يُطل عليها الهلال وهي خارج المنزل.

بحسب عادات قبيلة "السكوت"، التي تسكن في أسوان والنوبة جنوب مصر، وشَمَال السّودان، ترتدي العروسُ بعد عقد القران حُليّاً من الذَّهب على هيئة جنيه إنجليزي، لا تنزعه سوى بعد ظهور هلال الشهر القادم في السماء.

تحكي سارة لـرصيف22: "يجب أن ترى العروسُ الهلالَ رأي العين من النافذة أو من فوق سطح المنزل، وهذا ما فعلت قبل أن أخلع الجنيه".

تُفسّر سارة السبب، وتقول: "يمنع هذا التقليد "المشاهرة"، وهي كلمة تعني منع الإنجاب أو تعسّره".

تتماثل العادات بين قبائل شمال السودان: الجعل، والشوايقة، والمحسّ، والسكوت، ولا تزال حريصة لتمريرها عبر الأجيال، بحسب رواية سارة.

ويظهر الخوف من "المشاهرة" في عادات الصعيد بجنوب مصر أيضاً، تحكي رضوى محمد -اسم مستعار- 33 عاماً، مصريّة من سوهاج، أنها ربطت خيطاً حول معصمها ومعصم وليدها بعد الولادة مباشرةً، في عادة مشابهة للجنيه الإنجليزي في السودان.

تقول رضوى: "فككت العقدة عندما نظرت إلى هلال الشهر الجديد، وأنا أحمل الرضيع خوفاً من وفاتي أو وفاة المولود، رغم عدم إيماني بذلك، ورفضت تكراره مع مولودي الثاني، فالحارس هو الله".

علاج مشكلات الخصوبة له نصيب أيضاً، تحكي فاطمة، 45 عاماً: "أنه في الريف المصري تقوم "الداية"، وهي السيدة المسؤولة عن القبالة وصحّة المرأة في القرية، بإحضار أعواد ذرةٍ خاليةٍ من البذور، تصنع لها قاعدة طينيّة، و تشعلها كشمعة على ظهر المرأة التي تأخّرت في الإنجاب، ثم تطفئها بإناء فخاري، تستمرّ العملية طوال ثلاثة أيام قمريّة".

كذلك تقوم الداية بـ"الحلقمة" للمواليد، تشرح فاطمة: "تضع الداية إصبعها في حلق الطفل وتحرّكه بقوة، كعلاج للأطفال ولتقوية صحّتهم، يتمّ ذلك أيضاً، خلال الأيام القمريّة فقط، من خلال كلّ شهر".

كانت إلهة القمر أنثى تُرمَز للخِصب والوَفرَة، فليس مُستغرَباً أن ترتبط عادات الإنجاب والخُصُوبَة بالقَمَر، وأن تبقى آثارها حتى الآن، فمراحل تطوّره، مثل الدورة الشهريّة للنساء، تكتمل خلال 28 يوماً.

الدورة الشهرية واكتمال القمر

القمر ظلَّ دوماً سبباً للتساؤل والحيرة في تاريخنا البشري، إلا أن تغيّر أطواره، واختفاءه أحياناً، شكَّلا لغزاً عند الإنسان البدائي، فعَبَدَه إنسان الحضارات القديمة، واستأثر بمخيّلة الشعراء، فشبَّهوا حبيباتهم به، ويقولون في مصر عن الفتاة الجميلة "قمر 14"، ولم ينته سحر القمر حتى بعد أن تغيّرت وجهة نظرنا عنه بعد الاكتشافات العلميّة.

قديماً، في الميثولوجيا الإغريقيّة والرومانيّة، كانت إلهة القمر أنثى تُرمَز للخصب والوفرة، فليس مستغرباً أن ترتبط عادات الإنجاب والخصوبة بالقمر، وأن تبقى آثارها حتى الآن، فأطوار القمر تكتمل خلال 28 يوماً مثل الدورة الشهريّة للنساء.

ربّات القمر "سيلين" عند الإغريق، و"لونا" عند الرومان، هنَّ تجسيد للقمر ذاته، لكن مع مرور الزمن ظهرت نسخٌ مستحدثةٌ منهن، "ديانا" ربّة القمر والخصوبة والإنجاب، يماثلها في الإغريقية "أرتيمس"، وبسبب ارتباط ظهور القمر وضوئه بنجاح الصيد والفوز بالطريدة ليلاً، أُضيف الصيد إلى مهام آلهة القمر أيضاً.

وكانت النساء تتوسّلن لربّات القمر لينجبن، ويلدن بسلام، كذلك ليحفظن المواليد، ويحمين الأطفال من الشرور والأمراض الفتّاكة.

وكان القمر مذكّراً ومؤنثاً في ذات الوقت عند قدماء المصريين، في البدء كان "خونسو" إله القمر والخصوبة، ثم ظهرت "إيزيس" إلهة الأمومة والخصوبة، ثمّ ما لبثت أن ارتبطت بالقمر هي أيضاً.

وأقيمت مراسم عبادة ربّات القمر  قديماً في معبد "فيلة" بأسوان، أمَّا "خونسو" فخُصِّص له جزء من معبد الكرنك في الأقصر، كلاهما بالقرب من أجداد سارة ورضوى وفاطمة، مما يدفعنا للتساؤل: هل عادة "المشاهرة"، وعلاج العقم كانت في العصور الغابرة طقوساً مقدّسة لعبادة القمر والآلهة المرتبطة به؟.

زغرودة امرأة فرحانة للقمر  الحزين

مَثَّل الخسوف رعباً للقدماء، لم يعرف سببه حينها بالطبع، فسُمّي الخسوف اختناقاً، سببه حزن القمر، بقي الأمر في العادات المصريّة، وتعود المرأة مجدّداً لحلّ المشكلة، تضيف رضوى: "في الصعيد يتجمّع الناس في الشوارع بالدعاء والغناء، أثناء الخسوف، كذلك يقتنع البعض بأن القمر لن يعود الى وضعه الطبيعي حتى تُزغرد امرأة لم يحزن قلبها من قبل، أي لم يتوفّ عنها والدتها ووالدها".

يرون خسوف القمر اختناقاً، لأنه حزين، وتعتقد نساء القرية أنَّه لن يعود إلى طبيعته حتى تُزغرد امرأة فرحانة، لم يذق قلبها الأحزان

يحكي عزت أحمد -اسم مستعار- ل"رصيف 22" أنه منذ 15 عاماً وهو في الرابعة عشر من عمره، شهد خسوف القمر في الصعيد، ويقول: "يعتقد الجيل الأكبر في القرية، أن الخسوف يرتبط بيوم القيامة ونهاية الزمان، فيحضر الفتية الصغار ومعهم كل ما يُمكنه إحداث ضجيج وصخب، كصفائح المياه المعدنيّة والبلاستيكيّة، وصفائح المعلبات، ويطرقون عليها فيما يشبه قرع طبول الحرب، وينشدون؛ إحنا عبيدك يارب، والأمر بإيدك يارب".

يشير محمد خالد -اسم مستعار-، 35 عاماً إلى أن الحديث عن القمر وعاداته، يُثير الفتن، إذ تُعدّ كفراً وضرباً من الشعوذة، ويقول لـ "رصيف 22": "رغم انتشار العلم، لاتزال بعض العادات المرتبطة بالقمر قائمة، ولا يزال الأزهر مقصّراً في تغيير العقول".

"مجتمعات حوض البحر المتوسط عُرفت بعبادة الإلهة الأنثى، وكانت رمزاً للقمر، بينما المجتمعات الرعوية البدوية كان الإله فيها ذكرا، والقمر ذكرا"

وتقول الدراسات أنّ الإيمان بالقمر، يعود إلى الأديان الوثنية القديمة وطقوسها، مثل عادة قرع الأواني أثناء الخسوف في قرية عزت، حيث تُحاكي بوضوح طقوس الأديان الغابرة المتعلقة بالقمر المكتمل، وخسوف القمر، والتي لا يزال وثنيو العصر الحالي يمارسونها في الغابات وتحت ضوء القمر.

ولعبادة القمر، أثر على  المسيحية والإسلام؛  "إيزيس" إلهة القمر، حضرت بقوَّة في الوجدان الديني العالمي خلال فترة المسيحية الأولى، وتتشابه قصة الموت والبعث في المسيحية مع قصة "إيزيس" و"أوزوريس"، وسرعان ما أطلق على مريم العذراء؛ ألقاب إيزيس الشهيرة مثل؛ أم الرب، وملكة السماء، حتى الأيقونة الشهيرة للعذراء والمسيح، سبقتها بها إيزيس وابنها حورس في رسومات شهيرة غزت العالم عن طريق البحر المتوسط، بقيت عبادة إيزيس رائجة حتى أُغلق معبدها بعد صمود طويل في عام 550 ميلادية.

إسلامياً، يرى شاكر فضل الله النعماني، في كتابه "الله الإله القمر"، لعبادة القمر  جذوراً في الإسلام، وينقل النعماني عن كتاب "الأسطورة والتراث" لسيد القمني، أنَّ مجتمعات "حوض البحر المتوسط" التي كانت زراعيّة بحكم جغرافيّتها، عُرفت بعبادة الإلهة الأنثى التي كانت رمزاً للقمر أو تجسيداً له، تماشياً مع دور الأنثى في الخصوبة والولادة.

على عكس المجتمعات الرعويّة البدويّة، التي كان الإله فيها ذَكَرَاً، عبد الناس القمر في هيئة مذكّرة، ففي شبه الجزيرة العربيّة، عَبَدَ الحضارمةُ القمر باسم "سين"، والحميريّون باسم "عم"، والسبأيّون باسم "مقة".

انتقلت القبائل الحضرميّة، وأشهرها خزاعة، بعد انهيار سد مأرب إلى مكّة، ونقلوا إلههم "سين"، ودينهم معهم بطبيعة الحال، وعُبد "سين" في حضارة الرافدين القديمة كذلك.

 "استسلامنا للعادات القديمة لا ينبع عن اقتناع، بل عن فرحة، فمشاركة تقاليد الماضي مع كبار العائلة، تضيف بهجة وحميميّة على تفاصيل الحياة"

يُضيف النعماني، أن الباحثة "ثريا منقوش"، تربط إله القمر "مقة"، باسم "مكّة" مثلما ينطق أهل اليمن القاف كافاً الآن، أيضاً بحسب منقوش، العادات اليمنيّة للحجّ لإله القمر "مقة"، تتشابه مع عادات الحجّ للكعبة، رغم عدم وجود دلائل واضحة من قبلها عن ذلك.

لكن، شعائر الحجّ وأبرزها السعي بين الصفا والمروة، وصوم الأيام القمريّة، تتشابه مع عادات دينيّة قديمة، كما يفسر النعماني.

بحسب وليد منسي، في كتابه "المسكوت عنه الجذور الوثنيّة للأديان التوحيديّة"، والذي يستعين به النعماني في بحثه أيضاً، أن قرون الثور كانت تُرمَز للإله القمر، لارتباط الثّور بالخُصُوبَة والهِلال قبل أن يُصبح بدراً، ونلحظ تبجيل القمر متخفيّاً في الشعائر الآن، فالهلال يعلو المآذن، ويتوسّط الأعلام، ويُرمَز للدين الإسلامي.

ولكن سارة الكبير  تنفي أن يكون احتفالها وبنات قريتها بالقمر وتقلُّباته له علاقة بالعقائد والتعبُّد، تقول: "استسلامنا للعادات القديمة لا ينبع عن اقتناع، بل عن فرحة، فمشاركة تقاليد الماضي مع كبار العائلة، تضيف بهجة وحميميّة على تفاصيل الحياة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard