فلسطينيو الداخل وانتخابات الكنيست... بين جدوى المشاركة وخيار المقاطعة

الاثنين 8 أبريل 201907:07 م

تجري انتخابات الكنيست الإسرائيلي الـ21 في التاسع من أبريل الجاري، وتُعقد قبل سبعة أشهر من موعدها الأصلي، وتتنافس فيها 40 قائمة سياسية، منها قائمتان عربيتان أساسيتان تتشكلان من أربعة أحزاب سياسية عربية، وذلك بعد فشل هذه الأحزاب في الحفاظ على القائمة المشتركة التي جمعتها في الانتخابات السابقة، لأول مرة، وحظيت بشعبية عالية.

ومع انفراط عقد القائمة المشتركة قبل الانتخابات القادمة، تشكّلت قائمتان عربيتان، تتكون الأولى منهما من "التجمع الوطني الديمقراطي" و"القائمة العربية الموحدة" (الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية)، والثانية من "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" و"العربية للتغيير" بقيادة أحمد طيبي.

في الانتخابات السابقة، فازت "القائمة المشتركة" بـ13 مقعداً من أصل 120 مقعداً في الكنيست، ما جعلها بمثابة الكتلة البرلمانية الثالثة بعد كتلة "الليكود" برئاسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو و"المعسكر الصهيوني" برئاسة يتسحاق هيرتسوغ وتسيبي ليفني.

وشكلت نسبة المصوتين العرب الفلسطينيين في إسرائيل 64% في الانتخابات السابقة. وتشير دراسة أعدها عضو الكنيست عن "الجبهة الديمقراطية" أيمن عودة، إلى أن أعلى نسبة تصويت بين العرب كانت عام 1951، حين بلغت 91%، وأقل نسبة كانت عام 2001 حين سجّلت 19%، وذلك يعود إلى المرحلة السياسية التي تلت فشل المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية في قمة كامب ديفيد الثانية، وبالأساس إلى أحداث الانتفاضة الثانية التي قُتل فيها 13 فلسطينياً من مواطني إسرائيل، في أحداث ما يُسمى بـ"هبة أكتوبر"، عام 2000.

وفلسطينيو الـ48، أو فلسطينيو الداخل، هم الفلسطينيون الذين يعيشون داخل "الخط الأخضر"، أي خط هدنة عام 1948، وهم الذين بقيوا في قراهم ومدنهم بعد النكبة، أو هجّروا من بيوتهم وبلداتهم الأصلية لكن بقيوا ضمن حدود دولة إسرائيل، وكانوا قد حصلوا على الجنسية الإسرائيلية، ويصل عددهم إلى حوالي 1.84 مليوناً، أي حوالي 20% من مجموع سكان إسرائيل.

والآن، عشية انتخابات الكنيست، تتنوّع آراء هذه الشريحة من الفلسطينيين بين ضرورة التصويت أو المقاطعة، وبالأساس يُثار بينهم تساؤل حول جدوى المشاركة في الكنيست.

مقاطعة الانتخابات لعدم شرعنة الاحتلال

مقابل نشاط الأحزاب المشاركة في انتخابات الكنيست في القرى والمدن، وسط الناخبين العرب، تنشط حملة مقاطعة الكنيست، وهي حملة تستند إلى فكرة أن "المشاركة في الانتخابات هي اعتراف بشرعية دول الاحتلال التي أقيمت على حساب الشعب الفلسطيني وأدت إلى تهجيره عام 1948".

حراك الانتخابات هذا، ما بين الدعوة إلى المشاركة وبين المقاطعة، يحضر أيضاً على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة فيسبوك.

رأفت آمنة جمال، معلم لغة عربية وشاعر مقيم في حيفا، سيقاطع الانتخابات. يقول لرصيف22 إن "المقاطعة ليست جسماً بديلاً للكنيست، أو حركة سياسية بديلة للأحزاب، والدعوة إلى المقاطعة موجهة إلى أبناء شعبنا الذين ينتخبون في الكنيست وكذلك للأحزاب العربية، والمقاطعة لا تدعو إلى تفكيك الأحزاب وإلغائها أو إلى نبذ القيادات حتى وإن اختلفنا حولهم ونقدناهم بشدة، بل إلى التلاحم معاً كأبناء شعب واحد يعيش تحت الاحتلال والقمع بفعل هذا البرلمان الذي يسن قوانين عنصرية".

ويضيف: "المقاطعة ليست حركة تقول للشعب: انضم إلينا وسنحميك من القوانين. هي فكرة للتطبيق لنحمي أنفسنا من شرعنة الاحتلال وتقديم خدمة له بتسويق ديمقراطيته الزائفة".

وبرأيه، "السؤال الأجدر هو: هل حَمَت الأحزاب العربية التي تخوض الانتخابات منذ سنوات طويلة الشعب من القوانين الجائرة؟ وكيف ستحميه لاحقاً؟ لقد خدعت الأحزاب العربية الناس حين توحدت ضمن قائمة مشتركة كانت تتشدق بضرورة زيادة التمثيل العربي في الكنيست من أجل إسقاط اليمين والعنصرية والقوانين التي تضربنا كفلسطينيين، وحصلوا على 13 عضواً، ولكن ما النتيجة؟ صفر. والدليل هو تفكيك القائمة المشتركة".

ومن ذلك، يخلص إلى أن "الشعب يستطيع حماية نفسه، بدءاً من عدم مشاركته في دعم هذا البرلمان الذي لا ينفصل عن كونه لدولة احتلال".

في سياق الاحتدام بين المشاركين والمقاطعين للانتخابات، يطرح عادة المشاركون على المقاطعين السؤال التالي: "ما هو البديل الذي تطرحونه للكنيست؟"، عن هذا السؤال المتكرر، يجيب رأفت: "أولاً، المقاطعون ليسوا هم مَن يُرتقَب أو يُنتظَر منهم تقديم البديل. الأحزاب نفسها تقول إن الكنيست ليس المنصة وهو مجرد وسيلة".

ويضيف: "تحدثت الأحزاب في السابق عن الشارع، وعن ضرورة خلق نضال جماهيري شعبي في الشارع، ولكن، أين هي الأحزاب من الشارع؟ لماذا لا تدعم ذلك؟ قبل أن نتحدث عن بديل، علينا أن نتساءل: مَن نحن؟ هل نحن مواطنون إسرائيليون ضجروا من الكنيست أم فلسطينيون في بلادهم المحتلة؟".

ويتابع: "إذا أعدنا تعريف أنفسنا في هذا السياق سنصل إلى جواب واحد هو أنه علينا أن نناضل في الشارع، وأن نتكاتف معاً بتنوع الشعب الفلسطيني من المحزبين والمستقلين، لنشكل قوة فلسطينية واحدة خارج الكنيست".

فبرأيه، "فرّغ الكنيست النضال من مضامينه الحقيقية! والقائمة المشتركة بالنسبة للأحزاب ولناس كثيرين كانت بديلاً لشرذمة الأحزاب، ولكنها ظلت بديلاً داخل مؤسسة احتلال والدليل أنها لم تحقق أي إنجاز يُذكَر".

 وبشكل عام، لا تصل المطالبة المطالبة بمقاطعة الكنيست إلى مقاطعة انتخابات السلطات المحلية، فهنالك مستقلون وكذلك حركات سياسية تطالب بمقاطعة الكنيست، ولكنها تترشح لانتخابات السلطات المحلية، من منطلق كونها إطاراً خدماتياً للسكان.

التصويت كخطوة عملية في المواجهة اليومية

 في منشور لها عبر فيسبوك، كتبت الباحثة نجمة علي، والتي تقوم بإكمال أطروحة الدكتوراه في المركز الوطني لدراسات السلام والصراع في نيوزيلندا حول الفلسطينيين في إسرائيل وحول العلاقة المركبة بين المواطنة والقومية في ظل الصراع المستدام، أنها مع التصويت، وذلك "لأني إنسان عملي وواقعي، ومقتنعة بأن الوقت لم يكن أبداً لصالحنا ولن يكون"، ولأن "الانتظار عدو كبير، والجلوس جانباً في ظل عدم وجود مشروع سياسي، هو عدو أكبر".

وتقول نجمة علي لرصيف22: "التصويت هو أداة أساسية كي نكون فاعلين سياسياً، ولا يوجد إطار آخر"، وتضيف: "أعتقد أن الفلسطينيين في الداخل هم أكثر عملية من باقي فئات الشعب الفلسطيني، وإمكانية الحلم الحاضرة في حياة الفلسطينيين في الداخل تحولت إلى مساحة عقلانية وعملية، لأنهم في مواجهة يومية مع كل شيء".

وتتابع: "ليست صدفة أن يصدر الأدب المقاوم من الداخل، لأن الأحلام ذهبت إلى الثقافة الفلسطينية. من تجربتي عندما ألتقي بفلسطينيين يعيشون في أماكن أخرى، أحسدهم على إمكانية الحلم والأمل، أعتقد أن فلسطينيي الداخل شهود في مواجهتهم اليومية على مشروع يواصل الاتساع، على شوارع تُبنى وأراضٍ تُسرق. هذه المعركة اليومية على كل شيء، على البيوت والبنايات، تحتاج إلى خطوات عملية للمواجهة".

وحول جدوى المشاركة، ترى نجمة أن السؤال هو "أي آليات علينا أن نتخذ؟ الأقل أم الأكثر عنفاً؟ وما هو الثمن؟". وتجيب: "في المواجهة العسكرية نحن الخاسرون. من المهم أن نكون أذكياء ونرى كيف يمكن أن يكون لنا كمجموعة خطاب سياسي قوي، وليس حزبياً، وأن نعرف محدوديات عملنا السياسي وإلى أي مدى يمكننا أن نصل".

وتضيف: "من ناحية العدد، نحن أقلية، ومن المهم استيعاب قدرتنا، وفي العمل السياسي هنالك ما يُسمّى بالوزن النوعي، ومن الضروري إدراكه واستثماره في اللعبة السياسية. لا يمكن أن نكون في الحكومة، وكي نكون في المعارضة، يجب أن نستخدم الوزن النوعي، أمام أي حكومة كانت، يسارية أو يمينية، والوزن النوعي قادر على إضعاف ما يُسمى بالبلوكات، لأن طريقة التصويت هي نسبية، ومع التصويت أكثر هنالك إمكانية لإضعاف البلوكات الصهيونية أكثر، على مستوى القوانين والقرارات السياسية وغيرها".

وتتابع: "الدور الذي لعبته الأحزاب العربية في فترة أوسلو، العملية السلمية المزيفة، حين قامت بترجيح الكفة لصالحها، هل كان ذلك تواطؤاً؟ كلا، إنما معركة سياسية. أما الجانب الآخر المهمش من قبل الأحزاب العربية فهو دورها في التغيير على المستوى المعيشي. نحن بلا أماكن عمل وهنالك ازدياد في العنف المجتمعي، وأسباب كثيرة تجعلنا نرغب في ترك البلاد. الانتماء يحتاج إلى حياة مريحة، ‘الزعتر’ مهم والشوق له كذلك، لكن في نهاية اليوم نريد حياة كريمة".

فلسطينيو الداخل وخيار مقاطعة انتخابات الكنيست... البعض يقول: "الانتماء يحتاج إلى حياة مريحة، الزعتر مهم والشوق إليه كذلك، لكن في نهاية اليوم نريد حياة كريمة"
مقابل نشاط الأحزاب الفلسطينية المشاركة في انتخابات الكنيست لكسب أصوات فلسطينيي الداخل، تنشط حملة مقاطعة لهذه الانتخابات تستند إلى فكرة أن "المشاركة فيها هي اعتراف بشرعية دول الاحتلال"

وفي ما يتعلق بالمشروع الوطني الفلسطيني، ترى نجمة أن ليس هنالك من مشروع عام. "نحن في موت سريري"، تقول، وتتابع: "نحن في أزمة كبيرة، ولذلك لا يمكن أن نقف جانباً. أكثر مَن يمكن أن يغيّر هو مَن يملك أملاً، وفي قراءة الواقع من الداخل، نعرف أن هنالك سياسات تخريب وتجهيل تُمارس على الفلسطينيين. القيم اختلفت، الهم العام لم يعد مسيطراً، الفردانية أصبحت أكثر قوة، وهذا ليس له علاقة بالحياة في إسرائيل إنما في العالم في السياق النيوليبرالي. نحن في فترة خصخصة الأفكار لا الاقتصاد فقط، وهذا أسوأ ما يمكن أن يكون، لأنه عندما لا يعجبني شيء، أقف على جنب بلا محاولات خلق أي بديل، وهذا خطر، المجتمع سوف يغرق بدور الضحية، وهذا سهل جداً، والمعادلة الثانية هي أن نواصل المواجهة، ومع مواصلة المواجهة يُخلق جدل سياسي".

وتجدر الإشارة إلى أن نسبة عدم التصويت في انتخابات الكنيست لا تنبع كلها بالضرورة من مقاطعة مبدئية، وبالتالي، من الصعب معرفة نسبة المقاطعين لأسباب سياسية أو بسبب اللامبالاة، إلا أنه على ما يبدو، لم يعد الجدل بين الأحزاب أو القوى السياسية المشاركة في الكنيست هو الطاغي وسط فئة الشباب تحديداً، وربما صار الجدل بين المقاطعة أو المشاركة يحظى بحيّز أكبر.

المشاركة جزء من الصراع مع إسرائيل

في حديث مع الباحث والناقد أنطون شلحت، وفي إجابة عن السؤال حول ازدياد شريحة المطالبين بالمقاطعة، وما هو تقييمه لذلك، قال: "واضح أن هناك صعوداً في قوة الحركة الداعية إلى مقاطعة الانتخابات الإسرائيلية من طرف فلسطينيي الداخل، وهو صعود مُبارك وملفت ويمنح الحراك السياسي زخماً".

ويضيف: "مشكلتي الوحيدة مع حركة مقاطعة الانتخابات أن صوتها يخمد بعد أن تضع الانتخابات أوزارها بما يحيل إلى أن المقاطعة تشكل برنامجها الأقصى. حان الوقت لأن تكون المقاطعة وسيلة لا غاية، والقصد وسيلة لمشروع وطني توافقي يصوغ طريق تحقيق الفلسطينيين في الداخل لتطلعاتهم القومية. وهذه الوسيلة مهمة في موضوع الثقة بالقيادة، والأمر الواضح الوحيد في ما يخص هذه الثقة هو أن القيادة مطالبة بالإصغاء إلى دوافع الواقفين وراء حركة المقاطعة وتطوير خطابها".

على المستوى الشخصي، يؤيد أنطون شلحت المشاركة في انتخابات الكنيست، "لكن ضمن حدود مسبقة الاختيار والأدلجة"، حسب تعبيره. ويضيف: "في طليعة ذلك رؤية أن هذه المشاركة هي جزء من معركتنا المتعلقة بالصراع مع إسرائيل، أو بالأحرى إدارة الصراع معها، وليست المعركة كلها، كما تفعل بعض القوى والأحزاب. ويجب أن نحدد هذه المسألة لأن اعتبار المشاركة في انتخابات الكنيست الهدف الأسمى والوحيد لبعض الأحزاب والقوى الطفيلية تتسبب بإهمال العمل الوطني والمجتمعي في صفوف فلسطينيي 1948 إلى حد كبير، وبصورة جزئية تؤدي إلى تشجيع عملية أسرلة هؤلاء الفلسطينيين".

وبرأيه، فإن "وجود أعضاء فلسطينيين في الكنيست الإسرائيلي يساهم في الدفع قدماً بسيرورة عولمة قضيتهم، خصوصاً إثر إقدام إسرائيل على سن قانون القومية العنصري في يوليو 2018".

لا يرى أنطون شلحت أن سؤال جدوى المشاركة اليوم، في ظل ازدياد المد اليميني الصهيوني، يختلف عن سؤال المشاركة في الكنيست عموماً، وذلك "نظراً إلى أن حالة العداء لحقوق الفلسطينيين متأصلة في الكنيست منذ إقامة إسرائيل وكذلك في صلب الفكر الصهيوني الذي وقف وما يزال يقف وراء إقامتها".

ويشير إلى أنه "من ناحية عملية، لم يعد هناك اليوم في المشهد السياسي الإسرائيلي شيء اسمه يسار، والمشهد يحتوي مكوناً يمينياً شبه جارف، ومكوناً وسطياً يفتقر في جوهره إلى إيديولوجيا أو رؤية معينة، ومكوناً هزيلاً جداً يسمي نفسه يسار، لا توجد بينه وبين مصطلح يسار أي صلة أو علاقة، إذ لم يكن هذا اليسار مناقضاً لليمين في ما يخص تعامله مع الفلسطينيين في الداخل".

وبعد إشارته إلى أن هناك مَن يعتقد أن اليسار الإسرائيلي بشكل عام لم يكن حركة اجتماعية أصيلة، وإنما كان "معسكر سلام"، يقول: "حتى ‘معسكر السلام’ هذا لم يعد قائماً في إسرائيل في الوقت الحالي"، مضيفاً أن "سؤال الجدوى من أهم الدوافع التي تستدعي تحجيم المشاركة في الكنيست وردفها بخطوات أخرى مستحقة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard