مَاذا تَقُول "انتِخَابَات الصّحفيين" عن عِلاقَة المَصرِيِّين بِالسُّلطَة؟

الثلاثاء 9 أبريل 201911:15 ص

أظهرت الانتخابات الأخيرة بنقابة الصحافيين المصريين على مقعد النقيب، ترسيخ فكرة انتخاب مرشّح الدولة، حتى على مستوى النخبة المثقّفة، إذ ذهبت أصوات الأغلبيّة لضياء رشوان، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، الجهة المنوط بها الدفاع عن النظام أمام الإعلام الأجنبي، بعدما أظهر الرجل كراماته للنظام مبكّراً، بالوعود التي أغدقها قبل خوض سباق المنصب، أمام مرشّح أقلّ ارتباطاً بأجهزة الدولة عنه، هو رفعت رشاد.

فاز رشوان، الذي ينتمي إلى جريدة الأهرام الحكوميّة أيضاً، 2810 صوت من أصل 4823، انتخابات فاز بها المرشّح القادم من الدولة والمدعوم من أجهزتها أيضاً، فحصل على زيادة كبيرة في "بدل التكنولوجيا" الذي يتقاضاه الصحفيون شهريّاً من قبل الحكومة، لتقفز قيمته من 1680 جنيهاً إلى 2100.

"ظروف اقتصادية صعبة، ومافيش بديل"

تقول الصحافيّة الاقتصاديّة إيمان عوف، التي خسرت معركة عضوية مجلس النقابة: إنَّ انتخابات الأعضاء تحسمها التقاليد والتربيطات القديمة، فيما يفوز بمقعد النقيب، الشخص الذي يتمتّع بعلاقات جيدة مع الحكومة لزيادة البدل، لذا نطلق عليه مرشّح الدولة.

وجرت العادة أن يربط الصحفيون في مصر أصواتهم على مقعد النقيب بزيادة "البدل الشهري"، إلَّا أنَّ تلك العادة أصبحت ضرورة ملحّة في ظلّ الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة الصعبة التي تعيشها مهنة الصحافة في مصر، كما تقول عوف لرصيف22.

وترى عوف أنَّ اتجاه الصحافيين لانتخاب مرشّح السلطة هو خيار إجباري، لعدم وجود منافس يحمل رؤيةً مختلفةً، ففي الانتخابات الأخيرة لم يستطع المرشّح الآخر، رفعت رشاد، كسب أصوات التيار المستقلّ بالجمعية العمومّية، كونه غير مهتمٍّ بقضايا استقلال المهنة والدفاع عن معتقليها.

جرت العادة أن يربط الصحفيون في مصر أصواتهم على مقعد النقيب بزيادة "البدل الشهري"، إلَّا أن تلك العادة أصبحت ضرورة ملحّة في ظلّ الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة الصعبة وغياب البديل، كما تقول عوف لرصيف22.

الحزب الوطني.. "ظل حزب ولا ظل حيطة"

الأمر لا يقتصر على انتخاب الأشخاص المحسوبين على الدولة فحسب، فيوجد من يستمدّ قوَّته من السلطة نفسها من خلال الالتحاق بحزبها الحاكم، كما كان يحدث في عهد الحزب الوطني المنحلّ الذي أطاحت به ثورة 25 يناير 2011.

يقول أحمد إبراهيم، وهو شاب ثلاثيني يعمل في مجال المبيعات، إن حيازته بطاقة الحزب الوطني قبل 25 يناير، كانت بمثابة بطاقة إثبات الشخصية في الطرق العامّة، فلم يكن يضطرّ لإظهارها في كمائن الشرطة كسائر المواطنين.

يتذكّر إبراهيم هذا الموقف جيداً، حينما كان يستقلّ عربة في منطقة شبرا وطُلب منهم إظهار البطاقات الشخصيّة في أحد الكمائن، ليكتشف قيمة بطاقة الحزب الحاكم في دولة الرئيس الأسبق حسني مبارك، إذ طلب منه أمين الشرطة أن يكتفي بإظهار بطاقة الحزب.

"أن تكون عضواً بالحزب الوطني في مصر ما قبل 2011 فأنت من المرضي عنهم في هذا البلد، فكنت تستطيع من خلاله الحصول على وظيفة بالواسطة وتصنع لنفسك مكانةً وسط دوائرك الشعبيّة".

وعلى مدار ثلاثة عقود، احتكر الحزب الوطني الذي أسّسه الرئيس الراحل أنور السادات في 1978، كحزب حاكم يرأسه رئيس الجمهوريّة، الحياةَ السياسيّةَ وجمع بين السلطات التنفيذيّة والتشريعيّة، حيث كانت تُدار مصر من خلال كوادر هذا الحزب، تحت إشراف الرئيس الأسبق حسني مبارك، وهو ما جعله منظومة فاسدة دفعت المصريين إلى الثورة على قيادته في 25 يناير.

حاول الشاب الثلاثيني الانخراط في أحزاب مدنيّة متنوّعة في سنوات الانفتاح السياسي التي تلت ثورة يناير، لكنه لم يشعر بالمكانة التي حظي بها حينما كان ينتمي لحزب الحكومة، يقول: "صرت شخصاً عادياً بلا كارنيه أو محسوبيّة أو علاقات وهو ما أفتقده مع الحزب الوطني".

مصطفى سرور سعى للانضمام إلى الحزب الوطني قبل سقوطه ببضعة أيام، للأسباب ذاتها، رغم إنه لم يكن موالياً لحكومة حسني مبارك، لكنه آثر اختصار الطرق من أجل العمل بمهنة الصحافة، عن طريق العلاقات التي يتيحها لك كارنيه العضويّة.

"وعدني قيادي محلّي بالحزب بتعييني في إحدى المؤسّسات الصحفيّة الحكوميّة إذا انضممتُ للحزب الوطني من خلال لجنة الإعلام، سِرتُ في هذا الطَّريق لكنَّه لم يكتمل، حيث اندلعت الثورة وخلعت الحزب والنظام".

لم يندم سرور، الذي يعمل الآن في إحدى الصحف الخاصّة، على طريقة تفكيره التي كادت تجعله مباركيّاً، فيقول إنها كانت الطريقة المثاليّة لظروف البلاد، فكانت الملاذ الوحيد الذي يسلكه الجميع للاحتماء بالسلطة والانتفاع منها.

هنا المنوفيّة.. أبناء الدولة وأعداء المغامرة

تُجسّد محافظة المنوفيّة الإقليمية العلاقة النموذجيّة للاحتماء بالسلطة في مواجهة تحديات الواقع، ويظهر ذلك في أشكال متعدّدة، حيث يتنافس أهلها من أجل الفوز بوظيفة حكوميّة أو الالتحاق بالكليات العسكريّة.

تتفرّد المحافظة، التي يبلغ عدد سكانها 4 مليون نسمة، بخصائص مغايرة عن أي مجتمع ريفي أو صعيدي، ويُلاحظ فيها زيادة نسبة المتعلمين، والملتحقين بالجامعة، والساعون إلى الوظائف الحكومية بدلا من امتلاك أراضٍ زراعية، وفلاحتها.

يقول عاطف السيد، موظف حكومي، إن "طبيعة المواطن المنوفي هي الميل إلى الاستقرار وعدم المغامرة، فهو فلّاح يرمي البذور وينتظر زرعه إلى النهاية، كما هو الحال في علاقته بالوظيفة، يتعلّم جيداً وينتظر فرصته للترقّي، لذا لا يغامر كثيراً في اختياراته للرؤساء أو النواب، فيختار مرشّح الدولة الذي اعتاد الحفاظ على الاستقرار".

السيد يعمل في أحد القطاعات الزراعيّة الحكوميّة بمحافظته منذ 10 سنوات، وهو المسار الذي يسلكه البعض حال فشله في الوصول لمحطة بعيدة في التعليم، أو اجتياز اختبارات الكليات العسكريّة للالتحاق بالقوات المسلّحة، يقول: "في بيت كلّ منوفي شخص يريد أن يصبح ضابطاً أو قاضياً، وإذا فشل مثلي، يلتحق بالميري (الوظيفة الحكوميّة) إعمالاً بالمثل الشعبي إن فاتك الميري إتمرمغ في ترابه".

يُرجع عاطف تلك الظاهرة إلى فقر الموارد في محافظته، فيلجأ الأغلبية إلى التعليم تحقيقاً لمثل منوفي قديم: "شريطين على كمّي أحسن من فدانين جنب أمي" وهو ما يعكس انتشار ثقافة التحاق الشباب بالجيش والشرطة، مقارنة بالزراعة وامتلاك الأراضي كحال المحافظات الريفيّة.

سياسياً، يُترجَم التحاق الأغلبيّة بالوظائف العسكريّة أو الشرطيّة والوظائف الحكوميّة الرفيعة، بالدعم اللافت لأبناء المحافظة للمرشّحين المحسوبين على الدولة، ففي رئاسيات 2012 صوّت أكثر من مليون شخص لصالح أحمد شفيق أمام منافسه الإسلامي محمد مرسي، وسُميَت بلد "المليون شفيق"، وهو ما تفعله جماهيرها في أي انتخابات قد تظنّها تهدّد شبح استقرار الدولة المتعارف عندهم.

ويتحدّر كثرٌ ممن حكموا مصر أو تقلّدوا مناصب رفيعة فيها من المنوفيّة، أبرزهم الرئيس الراحل محمد أنور السادات، والأسبق محمد حسني مبارك، والرئيس المؤقت، بعد عزل الجيش لحكم مرسي، عدلي منصور، فيما يتبوّأ آخرون مناصب رفيعة بالقضاء والسلك الدبلوماسي، ما يعكس العلاقة الوطيدة بين المحافظة والدولة.

"الاستقلال الاقتصادي للناس=حرية سياسية"

تعكس تلك الظواهر والمشاهد رسوخ فكرة الدولة عند المصريين، فهم يؤمنون بأهميتها في التنظيم والحماية، كونها الحكومة الأقدم في التاريخ، منذ أن خاضت حكومات الفراعنة النزاع على حقوقهم على نهر النيل، لذا فهم يؤمنون طول الوقت بأن الدولة ستحميهم من الكوارث، وهي الراعية لاستقرارهم وبقائهم، حسبما يقول الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكيّة.

ويفسّر صادق طبيعة علاقة المصريين بحكامهم بقوله: "المصريون من الشعوب المرنة في التأقلم مع السلطة عبر التاريخ، فالشعوب التي غيّرت الدين واللغة هي نفسها التي تقدّس الحكام ويهابونها ولا يجدون أزمة في السخرية منهم في الوقت نفسه، في حالة التضييق على حريتهم وقوت يومهم".

وبالنسبة لصادق، فإن اندلاع الثورات في مصر لا تكون لتغيير الأنظمة بشكل راديكالي، بل لإصلاحها وإعادة الأمور إلى نصابها اقتصادياً وترشيد السياسة، بدون أي شعارات رأسماليّة أو اشتراكيّة أو ديمقراطيّة، فالدولة التي تحكمها النخبة الأمنيّة منذ الخمسينيات لن تبيع له سلعاً أخرى غير الأمن والاستقرار.

ويختم صادق: "هو ما يفسّر لك مشهد الرأي العام المؤيّد للدولة وأجهزتها ورجالها في الانتخابات منذ 2013، حيث تسيطر هواجس السقوط السوري والليبي واليمني على عقول المصريين، فيستبعدون أي سيناريوهات بديلة قد تجرّهم إلى متاعب تجرّعوها في فترة المرونة السياسيّة فيما بعد 25 يناير.

" منذ عهد جمال عبد الناصر، لم يكن من السهل أن تطوّر وضعك الطبقي، في ظل البنية الاقتصاديّة المشوّهة، بدون أن تكون مرتبطاً بالدولة وفاعلاً في نظامها السياسي"

لكن الباحث السياسي محمد سالم له وجهة نظر مختلفة، يرى أنه لا يمكن فصل الاختيار السياسي عند المصريّين دون ربطه بالموارد الاقتصاديّة للدولة، فالحريّة السياسيّة مرتبطة كليّاً بالحريّة الاقتصاديّة التي يحصل عليها الأفراد، سواء على مستوى الوظائف، أو توزيع الثروات، وهو ما يؤثّر بالضرورة على اتجاهات تصويتهم.

ويُرجع سالم أسباب رغبة قطاعات كبيرة في الالتحاق بالوظائف الميري، إلى الأنماط الاقتصاديّة التي صاحبت المصريين منذ عام 1952، فلم يكن من السهل أن تطوّر وضعك الطبقي، في ظل البنية الاقتصاديّة المشوّهة، بدون أن تكون مرتبطاً بالدولة وفاعلاً في نظامها السياسي.

وشهدت فتر الخمسينيات أوج مراحل الانخراط في الوظائف الحكوميّة، التي كانت بمثابة وسيلتهم الوحيدة للترقّي الاجتماعي، بعد الاستغناء عن نمط امتلاك الأراضي الزراعيّة، وانتهاء أسطورة الدولة الزراعيّة، ليتحوّل الفلاّحون إلى عمّال بالقطاع الإداري في الدولة.

فيما شهدت فترة السبعينيات وبدايات الثمانينيات انقلاباً في العلاقة، بعدما اتبع الرئيس الراحل أنور السادات، نمط الانفتاح الاقتصادي، والتحرّر من تركة الدعم في الوظائف والخدمات مدفوعة الأجر، وهو النمط الذي سار عليه الرئيس الأسبق حسني مبارك في إطار تحويل نمط الدولة إلى النيوليبراليّة.

"النظام الاقتصادي في مصر، هجين، لا ليبرالي قائم على الاقتصاد الحرّ، ولا اشتراكي قائم على اقتصاد مركزي، فالانحيازات مختلفة في عهد مبارك والسادات عن فترة ناصر، وهو ما انعكس على تصويت الناس في المراحل المختلفة، فكلما شعر المصريون بالتحسّن اقتصادياً صوّتوا لصالحها" يقول سالم لرصيف22.

ويرفض سالم تعميم حالة ارتباط الناس بالدولة موضّحاً: "لا نستطيع الجزم بأن تصويت الناس مرتبط طول الوقت بالدولة، فالمصريون الذين انحازوا إلى سعد زغلول وحكومة حزب الوفد في العشرينيات، لم يكن انحيازهم حينها للملك حاكم البلاد، وكذلك الأغلبيّة التي حقّقتها جماعة الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي بعد ثورة 25 يناير في البرلمان والرئاسيّات، وما سبقها في برلمان 2005 حينما حصد الإخوان 77 مقعداً أمام الحزب الوطني، كلها مؤشّرات أن النتيجة ليست محسومة للدولة في أغلب الأوقات".

برأي سالم، ارتباط الناس بالسلطة على مستوى الوظائف والدعم السياسي في الصناديق، سيتحكّم فيه النمط الاقتصادي المتبع، ومدى الاستقلاليّة الاقتصاديّة للشرائح الاجتماعيّة التي تُحدث تغييراً في المجتمع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard