من الجماعي وصولاً إلى الفردي...كيف تغيّرت ثقافة الاستحمام بين الأمس واليوم؟

الاثنين 8 أبريل 201905:00 م

لا يمكن لأحد أن يزور الأحياء الشعبيّة والحارات القديمة، سواء كان ذلك في مصر أو سوريا أو تركيا، من دون أن يتحمّس لفكرة الدخول إلى "الحمّامات العامة" وعيش هذه التجربة ولو لمرّةٍ واحدةٍ في العمر.

هذه الحمّامات الشعبيّة التي تفوح منها رائحة الصابون البلدي والعطور والأغاني التراثيّة والقهقهات العالية، تجذب الزائرين على اختلاف أجناسهم وطبقاتهم الاجتماعيّة، للانغماس في تجربةٍ فريدةٍ من نوعها، يتجرّد فيها الناس من خجلهم ويخلعون ثيابهم أمام بعضهم البعض، من أجل تنظيف أجسادهم وغسل أرواحهم.

غير أنه في وقتنا الحاضر، وفي ظل الرفاهية وحياة "اللوكس" التي يؤمّنها العصر الحديث، بات وجود الحمّامات الشعبيّة يتقلّص شيئاً فشيئاً، وتتحوّل مع الوقت من حاجةٍ أساسيّةٍ في الحياة البشريّة إلى "مَعْلَمٍ سياحي" يقصده الناس من أجل التقاط الصور والتباهي على "السوشال ميديا"، غافلين عن هذه الممارسة وفائدتها الكبيرة على الصحة الجسديّة والنفسيّة.

تاريخ الحمّام

بالرغم من أننا ننظر اليوم إلى الحمّام على أنه ممارسة شخصيّة، تنطوي على الكثير من الخصوصيّة والحميميّة، إلا أنه في الماضي كان "الحمّام العام" الذي يُعرف أيضاً بـ "الحمّام الاستشفائي"، متواجداً بكثرةٍ في المدن الحيويّة في الشرق الأوسط، قبل ظهور السباكة الحديثة.

هذه الممارسة يمكن إرجاعها إلى الحقبة الرومانيّة، حيث كانت الحمّامات الشعبيّة منتشرة على نطاقٍ جغرافيٍّ واسعٍ، يمتدّ من أوروبا إلى شمال أفريقيا وشرق البحر الأبيض المتوسط.

فعلى مرّ التاريخ، لعبت الحمّامات الشعبيّة دوراً كبيراً في تعزيز النظافة في ثقافة بعض المجتمعات، بالإضافة إلى أنها كانت بمثابة فرصة لتسهيل عملية التواصل بين الناس، وللتباحث في الأمور الحياتيّة المختلفة، ومقصداً لتناول الطعام، والقراءة ومناقشة الأوضاع السياسيّة، أي القيام بالكثير من الأنشطة الغريبة، وفق ما كشفته بعض الأدلّة التي عثر عليها العلماء: قارورة عطر، منظّفات الأظافر، قوارير زيوت، أطباق، أما المثير للجدل فكان العثور على مبضعٍ وأسنان، مما يشير  إلى ممارسات طبيّة كانت تحدث داخل هذه الحمّامات.

وبشكلٍ عام، تميزت الحمّامات الرومانيّة بهندستها الفريدة من نوعها، فكانت تضمّ غرفة استقبال، تقود إلى غرفةٍ ساخنةٍ تسمّى "كالداريوم"، وإلى غرفةٍ باردةٍ تسمّى "فريجيداريوم"، وبالتالي كان الزوّار ينتقلون من غرفةٍ إلى أخرى، حيث تؤدي التغيّرات في درجات الحرارة، إلى تحفيز تدفّق الدم في أجسادهم والتخلّص من السموم.

وبالرغم من أن ظاهرة الحمّامات العامة قد انحسرت في الغرب، إلا أنها استمرّت على مدى قرونٍ عديدةٍ في شرق البحر الأبيض المتوسط.

وفي حين أن الحمّامات البيزنطية في المنطقة قد احتفظت بالعديد من الأمور التي كانت تميّز الحمّامات الرومانيّة، بما في ذلك الديكور والأرضيّات الفسيفسائيّة، فإن الحمّامات الأمويّة قد اختلفت نوعاً ما عن سابقاتها، بحيث تمّت إزالة الغرفة الباردة، وتوسيع غرفة الاستقبال على حساب غرف الحمّام التي أصبحت أصغر.

وقد حرص الخلفاء الأمويون على بناء حمّاماتٍ فخمةٍ في قصورهم الخاصّة، وهو أمر يُمكن رؤيته بوضوح في قصر العمرة في الأردن، الذي يعود تاريخه إلى أوائل القرن الثامن، حيث تمّت تغطية جدران الحمّامات بلوحاتٍ تُظهر قيام نساء عاريات بالاستحمام.

وبحلول فترة العصور الوسطى، أصبحت الحمّامات العامة جزءاً مهماً من الحياة الاجتماعيّة، كما أن عدد ونوعيّة الحمّامات كانت تُعدّ من السمات الأكثر إثارة للإعجاب في المدن، إذ كان المؤلّفون يذكرون الحمّامات التقليديّة، إلى جانب المساجد والحدائق، خلال وصفهم للمدن الجميلة والمزدهرة.

بمعزل عن المواقف والآراء المختلفة من هذه الحمّامات العامة، وتأرجحها بين الحياء وغياب الحشمة، وبين التحرّر الجسدي والنفسي من جهة أخرى، يعتبر الباحثون أن الحمّامات في تلك الفترة كانت تعتبر أماكن للتسلية والترفيه، حتى أن الأدب يروي قصصاً عديدة عن حفلات الأكل والشرب التي كانت تقام داخل هذه المساحات.

طقوس الاستحمام

من الحمّامات العامة في روما القديمة وصولاً إلى خدمات المنتجعات الحديثة، اعتنق البشر طقوس الاستحمام في جميع أنحاء العالم.

هناك عدد لا يحصى من الأسباب الكامنة وراء طقوس الاستحمام، والتي تتخطّى مسألة النظافة والتخلّص من الأوساخ وتلامس المفهوم الروحاني.

فقد ارتبطت ثقافة الحمّام ارتباطاً وثيقاً مع مفهوم التطهّر في العديد من الحضارات والأديان، ففي آسيا القديمة، كانت هذه الممارسة عبارة عن طقوس دينيّة يُعتقد أن لها فوائد طبيّة متعلّقة بتطهير النفس والجسد، فتشير التقاليد الإندونيسيّة مثلاً إلى أن الاستحمام في الأنهار المقدّسة يساهم في غفران الخطايا.

وفي سياقٍ آخر، ساهمت الحمّامات العامة في التركيز على التنشئة الاجتماعيّة، إذ شكّلت مساحةً للاختلاط ولممارسة الرياضة والاسترخاء، وكلّ ذلك بتكلفةٍ منخفضةٍ، تناسب جميع الميزانيات.

غير أن الحمّامات العامة لم تعد تحظى بنفس الشعبيّة التي كانت تحظى بها في السابق، وهو ما يبرّر سبب ندرتها في العصر الحديث.

ارتبطت ثقافة الحمّام ارتباطاً وثيقاً مع مفهوم التطهّر في العديد من الحضارات والأديان

والحقيقة أن عادة ممارسة الاستحمام الجماعي قد انقرضت تقريباً في العالم، بعد أن انغلق كل فردٍ داخل حوض الاستحمام الخاصّ به في المنزل، لينظّف نفسه بمفرده، وبطريقةٍ تهدف إلى تنظيف جسده، بأسرع وقت وبأعلى كفاءةٍ ممكنة.

وعليه يعتبر موقع Quartz أن تراجع شعبية الحمّام العام هو أحد أعراض التحوّل العالمي، من المجتمعات التقليديّة الصغيرة إلى المدن الحضريّة الضخمة التي تسكنها شبكات فضفاضة من الناس.

وبالرغم من أن هذا التحوّل حمل فوائد استثنائيّة، مثل توافر الخدمات والسلع، إلا أنه ساهم في في المقابل في تفشّي الوحدة واللامبالاة، وظهور اضطراباتٍ نفسيّةٍ جديدة كالاكتئاب والذعر والقلق الاجتماعي.

جوهر الحمّامات العامة

تلعب الحمّامات الشعبيّة دوراً رئيسياً في الدمج بين الأشخاص وجعلهم يجتمعون في مكانٍ واحد، يتيح لهم الاتصال الجسدي المباشر، والذي نفتقده بشدة في وقتنا الحاضر.

تراجع شعبية الحمّام العام ساهم  في تفشّي الوحدة واللامبالاة، وظهور اضطراباتٍ نفسيّةٍ جديدة كالاكتئاب والذعر والقلق الاجتماعي

من هنا يعتبر الموقع أن إعادة إحياء الحمّامات العامة، يمكن أن يكون وسيلة لتجنب الشعور بالوحدة التي تعزّزه المدن الكبرى المعاصرة، وهي الميزة التي لا يمكن أن تقدمها المنتجعات الفاخرة وصالونات التجميل التي تَعِدُ الميسورين بالشباب الأبدي، كما أنه لن يتمّ التغلّب على الوحدة في حمامات السباحة المثاليّة في المدن الكبرى في العالم، بل في الحمّامات العامة الرخيصة والمتاحة للجميع.

وفي حين أن العديد من الأشخاص باتوا يلجؤون أكثر فأكثر إلى اليوغا وغيرها من الممارسات، التي تعمل على "تصفية" الذهن وتحرير الجسد في عصر السرعة والضغوطات اليوميّة، فإن الحمّام العام يمكن أن يوفّر مساحةً مماثلةً للتركيز على الجسم، إنما بشكل جماعي، ما يعزّز التفاعل الاجتماعي بين الأفراد:" التواجد المادي مع بعضنا البعض يجعلنا أكثر وعياً بأنفسنا، وبالأشخاص من حولنا، ككائناتٍ بيولوجيّةٍ حيّة".

هذا وغالباً ما يغيب عن ذاكرة البعض أن الحمّامات العامة في روما قد خصّصت مساحةً لجميع الناس، من مختلف الطبقات الاجتماعيّة، ليستحمّوا جنباً إلى جنب.

ففي جميع أنحاء الإمبراطوريّة، لعب الحمّام الشعبي دوراً كبيراً في تكريس مفهوم الديمقراطيّة وربط الشعوب، وفي هذا الصدد تكشف المؤرّخة "ماري بيرد" أنه حتى الإمبراطور، الذي يحيط نفسه بالحراس والعبيد، كان يستحمّ مع عامة الناس.

التواجد المادي مع بعضنا البعض يجعلنا أكثر وعياً بأنفسنا، وبالأشخاص من حولنا، ككائناتٍ بيولوجيّةٍ حيّة

وبالإضافة إلى مساهمة الحمّام الشعبي في تعزيز الديمقراطيّة، يشير الموقع إلى أن استكشاف أجساد الآخرين ولمسها وشمّ رائحتها، هي طريقة مهمّة لفهم أجسادنا الخاصّة، بعيداً عن الأجساد غير الحقيقيّة والمعدّلة بالفوتوشوب التي تفرضها، في الكثير من الأحيان، وسائل الإعلام المختلفة.

فالعيش في مجتمعٍ ارتبط فيه العري بالأفلام الإباحيّة التي ترسّخ مفهوم الجسد المثالي، يجعل الكثير من الأشخاص ينفرون من أجسامهم المشعرة، وبطونهم المترهّلة، وأثدائهم الغريبة، في حين أن بعض الدول كالدنمارك والتي تعتبر العري في الحمّام هو قاعدة وفي بعض الحالات شرطاً إلزاميّاً، فإن الاستحمام مع الآخرين يعيد تشكيل الشعور الأساسي بالتنوّع، ويكسر المقاييس والمعايير الصارمة لما يُعرف بـ "الجسد الطبيعي".

دعوة لإعادة احياء الحمّامات الشعبية

يكشف موقع "Quartz" أنه وفي حال تقرّر بناء نموذج مستقبلي من الحمّامات الشعبيّة، يُعيد إحياء دورها الاجتماعي ويركّز على جوانبها الأكثر جاذبيّةً، فإن ذلك سيقف بوجه ظاهرة تآكل الأماكن العامة، إذ أن هذه الحمّامات يمكن أن تكون بمثابة مكتبات، أو مسارح، أو مساحات لاستضافة المناقشات الفلسفيّة، أو مسابقات الشطرنج، وقد تُخصّص لهذه الحمّامات أيضاً المساحات الخضراء الواسعة، بما يشبه حمّامات المغرب العامة الشهيرة، بهدف جلب سكان المناطق الحضريّة إلى النباتات والزهور.

استكشاف أجساد الآخرين ولمسها وشمّ رائحتها، هي طريقة مهمّة لفهم أجسادنا الخاصّة، بعيداً عن الأجساد غير الحقيقيّة والمعدّلة بالفوتوشوب

ومن الناحية السياسيّة، يمكن لهذه الحمّامات العامة أن تكون جزءاً من مخططٍ أوسع لبناء أنماطٍ اقتصاديّةٍ مستدامة.

ففي العام الماضي خلال مؤتمر التغير المناخي الذي انعقد في باريس، وافقت الدول المشاركة على التخلّص التدريجي من الغلّايات الغازيّة واستبدالها بوسائل صديقة للبيئة، وبالرغم من أن الغلّايات الغازيّة لا تلوّث بنفس درجة السيارات والطائرات، فإن الالتزامات الفرديّة للغسيل هي جزء من عبءٍ كبيرٍ على كوكب الأرض، وبالتالي يمكن للحمّامات العامة التي تعمل بالطاقة الشمسيّة أن تخفف من هذا العبء.

وفي النهاية، اعتبر الموقع أنه "من البديهي أن نتجاهل ببساطة الحمّام العام كشيءٍ من الحنين الكلاسيكي، إلا أن الحمّام المشترك، هو سمة شبه عالميّة، وله معنى يتجاوز حدود النظافة الشخصيّة"، مشيراً إلى أن هناك أسباب براغماتيّة لإعادة احياء هذه الممارسة، كما أن التنوّع الأنثروبولوجي يوحي بأنه قد يكون هناك حاجة أساسيّة لهذا الفنّ البشري القديم والعميق".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard