كأن الأمهات يعشنَ في الجنّة ولا يعكر صفو حياتهن شيء

السبت 6 أبريل 201904:00 م

"عبرتُ الحدود إلى جمهوريّة الأمومة فوجدتها مملكة، مملكة بريّة"*. مملكة مقدّسة، معزولة، متفسّخة، كجلود بطون الأمهات، مملكة تحكمها النساء، تفوح برائحة الولادة والحليب. مملكة لا يتلاحق فيها الليل والنهار ولا يجريان إلى مستقرٍّ لهما... نوعيّة أخرى للوقت ولتلاحق الساعات: رضاعة، تنظيف، حبّ، رضاعة، تنظيف، حبّ، حبّ، حبّ، تنظيف ورضاعة. دورة منفصلة تماماً عن الأوقات المعتادة لباقي المواطنين الصالحين في أشغالهم اليوميّة. في كلّ يوم، تدفع الأمهات بعربات الأطفال أمامهن في الحرّ والقرّ، في شوارع الأمومة الواسعة والمقفرة. الهواء البارد يحزُّ الأثداء الممتلئة بالحليب، كالسهام.

بعضهن يقفن تحت راية مملكة الأمومة يحاولن غناء نشيدها الوطني، لا يعرفن الكلمات. يركعن في محراب الأمومة، يردّدن الصلوات تِلْوَ الصلوات، متضرّعات لربّات الولادة والحليب والتروما. لا جواب. يخرجن من المستشفى، يعطيهن الأطباءُ الأكفاء العربات ويقولون لهن ادفعن، ادفعن قُدُمَاً إلى الحياة! لكن لا خرائط في المملكة.

كلها أفكار راودتني في عيد الأم هذه السنة، إذ أن في الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع، يُقال الكثير عن التمييز ضدّ النساء، والظلم والعنف اللواتي يتعرّضن له، العازبات، المطلّقات، الأرامل، المتحرّرات والمثليّات. على التلفزيونات اللبنانيّة في البرامج المسائيّة، يسلّطون الضوء أسبوعيّاً على مشكلة حضانة الأطفال بعد الطلاق، حيث تُحرم الأمهات من أبنائهن. لكن من الملاحظ غياب الحديث عن معاناة الأمهات المتزوّجات، وكأنهن بانتسابهن إلى نمط عيشٍ عائلي تقليدي، قد حظين أيضاً، ببطاقة انتساب إلى الجنّة، حيث لا يعكر صفو حياتهن شيء. لا كلام عن الأحكام القاسية التي تطلق على الأمهات من المجتمع، والتمييز اللواتي يتعرضن له في الوظيفة والدوام والراتب، إلى قياس خصورهن وكيفية تربيتهن لأبنائهن.

هذا العام، في الواحد والعشرين من آذار/ مارس الماضي استفزّني الكمّ الهائل من العواطف التي أُغدقت على الأمهات، والقداسة التي أُسبغت على دورهن، وكأن الأم كائن ملائكي هبط من الجنة ولا ينتمي إلى هذه الأرض ولا يحسّ بمعاناتها وشجونها. يُشِيْدون بتضحيات الأمهات، لكن لا أحد يتكلّم عن الصعوبات اليوميّة التي تواجههن، والتمييز اللواتي يتعرّضن له، ليس من الرجال فقط، بل من باقي النساء أيضاً، من الأمهات الأخريات.

ما يلي مجموعة مواقف تواجهها الأمهات يومياً في المدينة التي أعيش فيها. نبدأ من الثياب، إذ نجد أن هناك شكلاً محدّداً أو uniform خاصّاً يتوقّعه الناس للمرأة الأم، لباس للعمل في مصنع الأمومة ذي الدوام الغريب. عادة ترتسم صورة الأم في المخيّلة العامة، أنها امرأة ترتدي بنطلون جينز واسع وعريض بخصر عالٍ جدّاً، غير مواكب للموضة وغير مثير، "Mama jeans" يدعى بالإنكليزيّة، معه أيضاً كنزة لا حجم ولا شكل محدّد لها، رماديّة أو كحليّة اللون، بنطلون وكنزة يجرّدان الجسد الأمومي من كلّ أنوثته، تكتمل هذه الصورة النمطيّة بشعر مُشَعَّث، أظافر قصيرة وغير مطلية وهالات سوداء حول العينين. هكذا هي الأم الجيّدة التي تسهر وتتعب على تربية طفلها/تها. الأمّ التي تهتمّ بمظهرها هي حتماً أم لا تهتمّ بطفلها جيداً، هذا هو حكم المجتمع!

لا أحد يعترف بالعزلة التي تحسّ بها الأمهات في البيوت

تحدّثني صفاء، الأم الجديدة، عن تجربتها حين دخلت لشراء فستان من أحد محلات الألبسة الراقية، في أكبر شوارع التسوّق في المدينة. لديها عرس عليها حضوره بعد شهر، وطبعاً كلّ الفساتين الجميلة المكدّسة في خزانتها لم يعد باستطاعتها لبسها. لقد مضى شهران على ولادتها بعملية قيصريّة ولكنها لا زالت تبدو منتفخة وكأنها حامل في شهرها السابع. الجرح مكان العملية ما زال يؤلمها، ما زال زهرياً جدّاً، يكاد ينزف إن لمسته. تشتكي للقابلة القانونيّة التي تزورها في المنزل وللطبيب، الاثنان لا يوليانها أيّة أهميّة، يقولان إن هذا الجرح "يجب" ألا يؤلم أكثر من عشرة أيام. "من غير المعقول أنه ما زال يؤلمك!" تقول القابلة، بنبرة من يقول: "يا لك من مدلّلة"، وتضيف: "هاتي الطفل لكي أزنه لنرى إن كان يرضع جيداً".

في المحل، تأتي إحدى البائعات، لها قامة عارضة أزياء وبالكاد تبلغ العشرين من العمر، ترمق البائعة صفاء من فوق إلى تحت باستهجان وكأنها تقول: "ماذا يفعل هذا المخلوق السمين في هذا المكان المليء بالموضة والجمال؟" كأنها تدنّسه. والأنكى من ذلك، نظرة القرف التي تحدج عربة الطفل بها، وكأن الطفل النائم في العربة بسلام، يلوّث المكان… لو جاءت زبونة أخرى منفوخة بالبوتوكس مع كلبها لاستقبلتها بكل ودّ واحترام، ولنزلت على ركبتيها لمداعبة الكلب، قبل أن تسأل "أمّه" إن كان يريد أن يشرب أو إن كانت هي تريد كأساً من الشامبانيا، لمساعدتها على تحمّل عناء قياس الكثير من الثياب.

تكتفي بالطلب من صفاء بحزم مغلّف بكياسة كاذبة، أن تركن عربتها بعيداً عن المدخل والثياب، يُفضّل في الزاوية البعيدة عن نظر من قد يدخل المكان من الشارع، تتنفّس البائعة بارتياحِ مَنْ تخلّص من شيء مربك ومحرج أثناء يوم عمل عادي، كانت تحبّذ لو لم ينقطع بقدوم هذه السيدة الكبيرة الحجم، قطعاً مقاسها فوق الـ 38 تقول لنفسها: "يا للهول!".

لا تتعرّض الأمهات فقط للتمييز حين يذهبن للتبضع، ولكن أيضاً عليهن إدارة العلاقات مع الصديقات، التي تصبح شائكة ويشوبها التوتر في أحيان كثيرة. الأمهات يشعرن بالعزلة وبأنهن مستثنيات من مناسبات عديدة، فقط لأنهن أمهات، كأن حيواتهن توقفت عند لحظة الإنجاب، ويجب أن يعشن حياة تقشّفٍ وعزلةٍ من أجل المولود الجديد.

تروي غالية، وهي أم لطفل عمره سنة واحدة، قصتها مع صديقة عمرها آنا، وتقول إن صداقتهما تحوّلت، وأصبحت متوترة منذ أنجبت طفلتها الأولى. ذات مساء، تتصل بها آنا التي تزوّجت كنسياً من رجل هندي، ولكن حفل الزفاف الهندوسي سوف يقام في مدينة غويا في الهند.

- هل وصلتك الدعوة عزيزتي؟

- نعم جميلة جداً، وأحببت اختيارك للغرف الجميلة والرحلات في المنطقة على هامش العرس، دعيني أتحدّث مع زوجي في المساء لنرى إن كان بإمكاننا الحضور.

- عزيزتي غالية لا تهتمّي، توقعت أن تعتذري عن الحضور لأنه لديك طفل، لم أتوقع أساساً أن تتمكني من المجيء.

تودّ غالية لو قالت: "لكنني لم أعتذر عن الحضور، أنا لم أكلّم زوجي بعد بشأن سفرةٍ إلى الهند، وأنا بإمكاني السفر مع زوجي وطفلي، ولماذا تفترضين أنه ليس بإمكاني السفر، لماذا تفترضين بأن حياتي انتهت فقط لأنني أصبحت أمّاً؟"، ولكن غالية تجد نفسها صامتة لا تقول شيئاً وهي المرأة القويّة عادة.

يُقال الكثير عن التمييز ضدّ النساء، والظلم والعنف اللواتي يتعرّضن له، العازبات، المطلّقات، الأرامل، المتحرّرات والمثليّات.  لكن يُلاحظ غياب الحديث عن معاناة الأمهات المتزوّجات، وكأنهن بانتسابهن إلى نمط عيشٍ عائلي تقليدي، قد حظين أيضاً، ببطاقة انتساب إلى الجنّة.

كأن الأم كائن لا ينتمي إلى هذه الأرض ولا يحسّ بمعاناتها وشجونها. يُشِيْدون بتضحيات الأمهات، لكن لا أحد يتكلّم عن الصعوبات اليوميّة التي تواجههن، والتمييز اللواتي يتعرّضن له، ليس من الرجال فقط، بل من باقي النساء أيضاً.

إن تذمّرت الأمهات من التعب، فسرعان ما يجدن جيشاً من النساء لا يتورّعن عن تقديم محاضرة جاهزة، بأن الأطفال نعمة يجب على الأم ألا تكفر بها، وأنها إن تذمّرت، قد يحدث مكروه لطفلها بسبب نكرانها للهبة التي منحها الله.

لا أحد يعترف بالعزلة التي تحسّ بها الأمهات في البيوت، الجميع في أعمالهم، وهن محبوسات، حرفيّاً، مع أطفالهن في المنازل، خصوصاً في ظلّ الطقس البارد والمثلج، لا يستطعن حتى التنزّه خارجاً مع أولادهن ومشاهدة الحياة في الشارع. في المساء يخرج الجميع ويتواعدون وهن لا، إما لأن ليس لديهن من يعتني بالطفل، أو لأنه لم تتمّ دعوتهن أساساً. الناس يفترضون مسبقاً بأن ليس بإمكانهن الخروج، ولكن الزوج يتلقّى الدعوات والاتصالات من أصدقائه كالمعتاد وكأن شيئاً في حياته لم يتغيّر، كأنه لم يصبح أباً، يتابع حياته كالسابق. يفترض الناس بأن الوالد يخرج كالعادة، وأن العناية بالأطفال هي من مسؤوليات الأم وحدها!

تروي صفاء موقفاً آخر، تخبرني أنها وبينما كانت مع صديقتها إنجي في صف تدليك ورياضة الرضّع، تُذهل لمعرفتها بأن آنّا نفسها، قد حضرت عيد ميلاد جوليا، صديقتهن المشتركة، حيث أقامت حفلةً صاخبةً حضرها أكثر من عشرة من زمرتهنّ، ولكن لم تتمّ دعوة صفاء ولا إنجي، حيث شعرت صفاء أن المسألة هي بمثابة تمييز عنصري ضدّهن كأمهات، وقرّرت أن تتصل بجوليا.

- عيد ميلاد سعيد متأخّر يا جوليا، ولكن هل يمكنني أن أفهم لِمَ لم تتم دعوتنا أنا وإنجي؟

- عزيزتي، صراحة أخفينا الأمر عنكنّ حتى لا نجرح مشاعركنّ، فأنتن بالتأكيد لا تستطعن الحضور.

- من قال إنه ليس بإمكاننا الحضور؟ لماذا قرّرت عنّا؟ ثم إن الأصول تقول بأنك توجّهين الدعوة، وكلّ شخص أدرى بظروفه، يؤكّد الحضور أو يعتذر.

- ولكن عليكن إرضاع أطفالكن...

- نعم ولكن لأطفالنا آباء وجدّات يعتنين بهم إن قرّرنا الذهاب لعشاء عيد ميلاد لمدّة ساعتين، أنا لا أقول إنه بإمكاننا السهر والرقص إلى الثالثة فجراً، ولكن بإمكاننا المشاركة بالعشاء وقضاء وقت معك، تقول صفاء بعتب واضح.

- وفي هذه الأثناء سيرضع أطفالكنّ من القنينة، أنا مع الرضاعة الطبيعيّة، ضدّ حليب البودرة للأطفال. في آخر مؤتمر لوزارة الصحّة الألمانية عن صحّة الأمهات والأطفال، توصل الأطباء إلى خلاصة بأن الأطفال المولودين بعملية قيصريّة واللذين يتغذون بالحليب الاصطناعي، هم عرضة أكثر بعشر مرّات للإصابة بالسرطان.

- عن أي دراسات تتحدّثين؟ هذا لا يعقل أن يكون صحيحاً. وزارة الصحّة تريد عصر نفقاتها، لذلك تقوم بنشر بروباغندا شرسة ضدّ العمليات القيصريّة لأنها تكلّف الخزينة.

بنفس الوقت، تمنّت صفاء لو كانت لديها الجرأة الكافية لتقول: "قبل أن تحاضري بأساليب الولادة والرضاعة، عليك أن تكوني أمّاً أوّلاً!"، أو أن تقول: "من غير اللائق أبداً أن تقولي لأمّ قد أنجبت لتوها بعملية قيصريّة غير اختياريّة، بل طارئة، بأن ابنك لديه احتمال أكبر بعشر مرّات أن يمرض بالسرطان!".

إن تذمّرت الأمهات من التعب الذي يعانين منه وقلّة النوم مع الأطفال الرضّع، فسرعان ما يجدن جيشاً من النساء الأكبر سنّاً، من جدّات وأمهات لا يتورّعن عن تقديم محاضرة جاهزة، بأن الأطفال نعمة يجب على الأم ألا تكفر بها، وأنها إن تذمّرت، قد يحدث مكروه لطفلها بسبب نكرانها للهبة التي منحها الله. منظومة اجتماعيّة كاملة تتكفّل بتعليم الأمهات أن يبتلعن الشكوى أو الغضب، فالكلّ يتعب في أعماله ويحقّ له التذمّر، أما الأمهات فلا، فالوظيفة المقدّسة في مصنع الأمومة لا تسمح بوقت للراحة.


هوامش:

* من ديوان الشاعرة النسوية البريطانية ليف بيري، جمهورية الأمومة، ص|:1

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard