عن شغف عبد الناصر وأنور السادات بالتمثيل المسرحيّ والسينمائيّ

السبت 6 أبريل 201903:21 م

على خشبة مسرح (برنتانيا) وفي الحفل السنوي لمدرسة النهضة يوم 19 كانون الثاني/ يناير 1935 وبحضور ورعاية وزير المعارف، أحمد نجيب الهلالي، وحضور ساعي البريد "البوسطجي" عبد الناصر حسين، قُدّمت مسرحية يوليوس قيصر لشكسبير، وكان من أدّى دور البطولة فتى أسمر كان معجباً بفولتير وروسو وتشارلز ديكنز والكواكبي والأهم أنه كان مولعاً بيوليوس قيصر، كان هذا الفتى "المشخّصاتي" هو جمال عبد الناصر، والذي يبدو أنه أتقن الدور جيّداً إلى درجة أن جيلبرت سينويه يحكي في كتابه (البكباشي والملك) أن والد جمال كاد يهبّ لإسعاف ابنه لمّا رآه يسقط بطعنة بروتس، فهل كانت هذه اللحظات تعكس خشية الأب على ابنه أم أن ناصراً أتقن الدور وصاغه كما ينبغي.

مع عبد الناصر تغيّرت صورة البطل الجماهيري، فقد كانت طيلة فترة حكم الأسرة العلويّة مكرّسة لتظهر صورة الفتى الوسيم كأنور وجدي، رجلٌ ببنية قويّة وثغر شهواني وبشرة بيضاء وشعر ناعم، غير أنّ الصورة التي رسّخت "عقدة الخواجة" تبدّلت، صار الشاب الأسيوطي مأثرة الحسن الجديدة.

مع عبد الناصر تغيّرت صورة البطل الجماهيري

على عكس ما ألفه المصريون عن صورة الملك فاروق المحافظ أمام الكاميرات والذي يتحدّث الفصحى بتؤدة وضجر، برزت صورة الرئيس الأسمر الذي يتحدّث العامّية، وكأن الحكم مع عبد الناصر آل إلى صنعة تأخذ من المسرح ما تشاء، حركات وإيماءات في حضرة الحشود، قبضةٌ مضمومة توضع أسفل الذقن، ويدين طليقتين ونظرات تتنقّل من زاويةٍ إلى أخرى دونما حساب.

كانت رتبة البكباشي تعني في قاموس الجندية التركيّة "قائد الألف" بيد أن ما أراده قائد الألف هنا هو أن يصبح قائد الملايين، كما كان قيصر، لكن بفارق وهو أن البكباشي احتاط لقدر يوليوس فلم يقل عبارة شكسبير الأثيرة في ختام المسرحيّة "حتى أنت يا بروتس"، إذ أن بروتس ناصر كان عبد الحكيم عامر والذي خرّ منذ مدّة طويلة صريعاً.

الإعلان المفقود لأنور السادات

في دار الكتب بالقاهرة اختفت نسخة من مجلة تحوي إعلاناً تضمّن ردود بعض المشاركين في مسابقة وجوه جديدة تظهر في فيلم جديد لمنتجة سينمائية تدعى أمينة محمد، إلّا أن نسخة المجلّة اختفت "وكأن يداً مجهولةً امتدت إليها فنزعتها" بحسب ما أورده محمد حسنين هيكل في (خريف الغضب)، تضمّن الإعلان وصفاً للمتقدّم إلى المسابقة يقول فيه: "قوامي نحيل وجسمي ممشوق وتقاطيعي متناسقة، إنني لست أبيض اللون ولكنني أيضًا لست أسوداً، إن وجهي أسمر ولكنها سمرة مشربة بالحمرة"، حمل هذا الإعلان المفقود إمضاء "أنور الساداتي" وهو الاسم الصريح لأنور السادات.

إبان توليه رئاسة تحرير صحيفة الجمهورية كتب السادات مقالاً عن تجربته في عالم التمثيل التي امتدت أبعد من الاختبار، والتصقت به حتى لحظة وفاته التي بدت وكأنها مشهد ختاميّ من مسرحيّة طويلة، إذ أنه روى بالتفصيل ما لم يذكره في سيرته الذاتيّة (البحث عن الذات)، حيث تحدّث عن اختبار التمثيل الذي انتهى إلى أن تختار المنتجة شخصين من المتقدمين وتطلب من البقية صورتين إحداها "بروفايل" والأخرى "فاس" فهم السادات أن لا مكان له في عالم التمثيل السينمائي، فقصّة الصورة ما هي إلّا طرد مبطّن أو "زحوله" وفق تعبيره. لم يحظ السادات بفرصة التمثيل في فيلم "تيتا وونج" الذي عُرض في العام 1937 لأول مرّة في سينما "أمريكان كونوجراف" بالقاهرة، غير أنّ شغف السادات المتواصل بالتمثيل دفعه إلى تقمّص شخصيات ابتدعها من وحي خياله إبان فترة هروبه من السجن، فكان سائق سيارة (لوري) يتحدّث كبقية السائقين ويدخن سجائر الهوليود على طريقتهم، وحين عمل حمّالاً كان يرتدي زيّاً ينتقيه بعناية ويصنع مكياجه التنكّري بنفسه متكيّفاً مع الأدوار التي يمثّلها.

مَسّرحَ السادات لغته الخطابية. أقحم مفردات جديدة في لغة السياسة المصريّة

تأثُّر السادات بالضبّاط الألمان بلغ مراحل الافتتان، وهو الذي أفشى مسألة تأثره بهتلر في كتابه البحث عن الذات حين تناهي إلى مسامعه أن هتلر بدأ صعوده بالزحف من ميونخ إلى برلين، فقرر وهو ابن الثانية عشر الزحف من ميت أبو الكوم إلى القاهرة، استمر وله السادات بالألمان فتابع سيرة جنرالاتهم، إلى درجة أنه حلق شعره بالكامل تأسّياً بصورة الضابط الألماني المثالية ووضع على عينه السليمة "مونوكول" أسود اللون كالتي يضعها الضبّاط المتضررون على أعينهم المعطوبة، وكان يتأبط عصا الماريشاليّة أثناء سيره، حدث هذا عندما كان برتبة ملازم ثانٍ في الكلية الحربيّة، بيد أن ما لازمه حتى لحظة وفاته كانت البزّة الألمانية الفضّية اللّون ذات السترة الضيّقة المهيبة.

مَسّرحَ السادات لغته الخطابية. أقحم مفردات جديدة في لغة السياسة المصريّة، مفردات حصرية عاش بها وماتت معه، فالسيناريو المعدّ بعناية هو الجزء الثاني الذي يلي المكياج، بصوتٍ جهوريّ أخّاذ تحدّث عن "الديمقراطية ليها مخالب"، وعن وظيفته بوصفه "كبير العيلة" وعن "أخلاق القرية" التي يجب الاهتداء بها، كما حرّف كلمات كاستبدال عبارة الثناء "برافو" إلى "براوه"، يروي السادات حادثة تفيد المعنى المراد قوله هنا وهو أنه في صغره توجّه إلى حانوت شعبيّ حيث طلب إلى البائع في حضور رجال آخرين علبة كبريت لكنه قال: "أنا عاوز كسفريت" ضحك الرجال وهم يصحّحون المفردة إلى كبريت غير أنه أصرّ على أن اسمها كسفريت!

على عكس ما ألفه المصريون عن صورة الملك فاروق المحافظ أمام الكاميرات والذي يتحدّث الفصحى بتؤدة وضجر، برزت صورة الرئيس الأسمر الذي يتحدّث العامّية، وكأن الحكم مع عبد الناصر آل إلى صنعة تأخذ من المسرح ما تشاء.

إبان توليه رئاسة تحرير صحيفة الجمهورية كتب السادات مقالاً عن تجربته في عالم التمثيل التي امتدت أبعد من الاختبار، والتصقت به حتى لحظة وفاته التي بدت وكأنها مشهد ختاميّ من مسرحيّة طويلة، إذ أنه روى بالتفصيل ما لم يذكره في سيرته الذاتيّة.

من ناصر إلى السادات يمكن رصد التبدّلات التي أحدثها الزعيمان في شكل الرئاسة العربيّة عبر جعل الرئاسة أقرب إلى طقسٍ مستلٍّ من شاشات السينما وخشبات المسارح.

الرئاسة كطقس سينمائيّ

من ناصر إلى السادات يمكن رصد التبدّلات التي أحدثها الزعيمان في شكل الرئاسة العربيّة عبر جعل الرئاسة أقرب إلى طقسٍ مستلٍّ من شاشات السينما وخشبات المسارح، أبعد من الزعيمين المصريين، كان بورقيبة في تونس يُدخل المؤثرات المسرحيّة على أحاديثه المفتوحة ويُمسرح الأجواء من حوله في خطاباته المتلفزة، ربما كانت حالة "التمثيل" عند بورقيبة والإيماءات المسرحية الحادّة التي أتقنها جزءاً من وله أسبق بالتمثيل منذ أن كان يتغيّب عن دروس الفرنسية لشغفه بالتمثيل والمسرح، غير أن شكل التمثيل والأجواء المسرحية بنسختيها (الناصرية الساداتية) كانتا الأكثر طغياناً وقابليةً للتصدير إلى عوالم عربية متصلة، إذ سنشهد ظهور صدّام حسين ومعمر القذافي اللذان حوّلا الشكل المصري القادم مع "ثورة يوليو" إلى شكلٍ بات يجمع رداءة التمثيل والتهريج وتبديل الثياب مع أو من دون مناسبة ليتحوّل ما أريد له أن يكون مسرحاً إلى ما يمكن وصفه على أنه "سيرك" مبتذل.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard