تونس... جدل حول كيفية التعاطي مع العائدين من مناطق النزاعات

الأحد 21 أبريل 201904:26 م

تطالب عائلة المواطنة التونسية وحيدة الموجودة حالياً في سجن معيتيقة في ليبيا برفقة ابنها الطفل المصاب براء، السلطات التونسية بتسلم ابنتهم من نظيرتها الليبية وإعادتهما إلى أرض الوطن.

تقبع وحيدة وابنها في السجن المذكور، بين 14 امرأة و22 طفلاً تونسيين، وتعتبرهم السلطات الليبية ودائع لديها بعد مقتل أو سجن أزواجهم المنتمين إلى تنظيم داعش، وتطالب السلطات التونسية باستلامهم، وفق تصريح شقيق وحيدة، الناشط في جمعية إنقاذ التونسيين العالقين بالخارج منصف عبيدي.

يقول عبيدي لرصيف22 إن شقيقته كانت تعمل بعقد قانوني في مستشفى مصراتة وسافرت سنة 2013 إلى ليبيا برفقة زوجها الذي كان يعمل في البداية بصورة عادية، إلى أن عرفت أنه انتمى أواخر عام 2015 إلى تنظيم داعش.

ويضيف أنها ألحت على زوجها عدّة مرات للعودة إلى تونس لكنه رفض وابتزها بابنها وطلب منها العودة بدونه فرفضت إلى أن اقتنع لاحقاً بالمغادرة. وفي الثاني من مارس 2016 وهم في طريقهم من مصراتة إلى صبراتة استهدفتهم مجموعة مسلحة فقتل زوجها وأصيب طفلها براء.

خضع براء لأربع عمليات جراحية بإشراف منظمة الصليب الأحمر الدولي في انتظار الخامسة التي عليه أن يجريها عاجلاً خارج ليبيا، لافتقارها للتجهيزات الطبية اللازمة.

يتهم عبيدي السلطات التونسية بأنها "تماطل" منذ ثلاث سنوات في استرجاع شقيقته وطفلها "دون أي سبب مقنع".

"إذلال وإهانة"

راسلت أسرة وحيدة مختلف مؤسسات الدولة التونسية، على غرار وزارات الخارجية والداخلية والمرأة وحقوق الإنسان ورئاستي الجمهورية والحكومة والقطب (الجهاز) القضائي لمكافحة الإرهاب، وطالبت بتسلم ابنتهم وطفلها، دون تلقي أيّة إجابة، حتى بالرفض. "تم تجاهلنا تماماً وهو ما أعتبره نوعاً من الإذلال والإهانة"، يقول عبيدي.

ويشير المتحدث إلى وجود تصريحات رسمية من ثلاث جهات رسمية تتحدث عن عدم ارتكاب النساء والأطفال التونسيين المعتقلين أي جرم، منها واحد للناطق الرسمي باسم قوات الردع الليبية أحمد بن سالم طالب فيه السلطات التونسية بتسلم الأطفال والنساء التونسيين "لخلوهم من أي جرم سوى أنهم زوجات أو أبناء دواعش".

كما يشير إلى أن شقيقته عبّرت في لقاء مع جريدة الشروق الجزائرية عن رغبتها في العودة إلى تونس مع ابنها لقناعتها ببراءتها وقالت إنها مستعدة لكل شيء، "وإنْ ثبت ارتكابها لأي جرم فلتعاقب قانونياً لأنه لديها ثقة في العدالة التونسية".

قانون مكافحة الإرهاب

وفق "قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسيل الأموال" الصادر في السابع من أغسطس 2015، فإن المصطلح الرسمي الذي يصف هذه الحالات ليس "العائدين من بؤر التوتر" بل "العائدين من مناطق النزاع المسلح".

بلغ عدد هؤلاء العائدين نحو ألف شخص من مجموع 3000 يقاتلون في "مناطق النزاع المسلح" كسوريا والعراق وليبيا، وفق تصريح رئيس "اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب" مختار بن نصر في 15 فبراير الماضي.

استُحدثت اللجنة المذكورة سنة 2016 بموجب قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسيل الأموال، ومن بين مهامها المساعدة على وضع البرامج والسياسات التي تهدف إلى منع الإرهاب، وإعداد دراسة وطنية تشخص ظاهرة الإرهاب وتمويله وتقييم مخاطره وسبل مكافحتها.

حاول رصيف22 أخذ معلومات إضافية من بن نصر، لكنه أجاب في اتصال هاتفي: "تم اتخاذ قرار في رئاسة الحكومة بعدم الإدلاء بتصريحات بهذا الشأن باعتبار قرب الموسم السياحي في البلاد، والوقت غير ملائم للحديث حول هذه المسألة".

وكانت النيابة العمومية في القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، وهو جهاز قضائي أحدث بموجب قانون مكافحة الإرهاب ويتعلق عمله بالجرائم الإرهابية والجرائم المرتبطة بها، قد طالبت في فبراير الماضي بسجن أربعة إرهابيين تونسيين مصنفين خطيرين جداً تسلمتهم تونس، بطلب منها، من سوريا.

"قرار دولي"

في جلسة استماع عقدتها لجنة الأمن والدفاع في البرلمان التونسي، في 18 فبراير الماضي، أوضح مختار بن نصر أن "استلام السلطات التونسية للإرهابيين العائدين من بؤر الإرهاب والقتال ليس بقرار جديد، بل هو موقف دولي تم إقراره منذ فترة"، مؤكداً أن السلطات التونسية "طالبت الدول بتسليمها مَن تعلقت بهم قضايا إرهابية وهم محل تتبع قضائي"، ومشيراً إلى أن العائدين "سيعرضون على القضاء الذي سيحدد مصيرهم حسب ما يفرضه القانون".

عن طرق عودة هؤلاء، يقول رئيس اللجنة التونسية لمكافحة الإرهاب إن من بينهم مَن يعودون إلى البلاد بطرق سرية، وآخرون تتسلمهم السلطات التونسية في إطار رسمي من بعض الدول الأجنبية، موضحاً أن مجموعات من المقاتلين تعود بمفردها بفعل "تقلص مساحات العمل الإرهابي في سوريا والعراق مع انهيار تنظيم داعش".

في هذا الإطار، يوضح الخبير في الجماعات الإرهابية علية العلاني لرصيف22 أن الأجهزة الأمنية التونسية لديها قاعدة بيانات مفصلة حول عدد المقاتلين وهوياتهم، وتحصل باستمرار على معلومات إضافية من التحقيق مع مجموعات عادت من مناطق النزاع وأدلت باعترافات.

ويضيف أن هنالك عناصر استلمتهم تونس بطلب منها، فيما هنالك مَن عاد بمفرده، وهم في السجن وبعضهم عبّر عن ندمه في حين أنكر آخرون المشاركة في عمليات إرهابية ولكن اتضح العكس.

بدوره، أشار الناطق الرسمي باسم القطب القضائي لمكافحة الإرهاب سفيان السليطي، في 26 فبراير الماضي، إلى أن العائدين مطلوبون للعدالة وصدرت بحقهم أحكام غيابية، وعملية ترحيلهم تتم بالتنسيق مع عدة أطراف خارجية.

مصير العائدين

ينص الفصل 33 من قانون مكافحة الإرهاب على "أنه يُعَدّ مرتكباً لجريمة إرهابية ويعاقَب بالسجن من ستة أعوام إلى 12 عاماً وبخطية من عشرين ألف دينار إلى خمسين ألف دينار كل مَن يتعمّد السفر خارج تونس لارتكاب إحدى الجرائم الإرهابية المنصوص عليها في هذا القانون أو التحريض عليها أو لتلقي أو توفير تدريبات لارتكابها".

فور وصول العائدين من مناطق النزاع المسلح، يتم الاحتفاظ بهم على ذمة التحقيق والتحقق من انضمامهم لتنظيمات إرهابية أو مشاركتهم في أنشطة إرهابية.

يوضح المحامي وسام عثمان في هذا الشأن لرصيف22 أنه بحال غلبت الشبهة على ارتكابهم جرائم إرهابية، تُوجّه إليهم التهم ويُحالون على القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، وبإمكان وزير الداخلية وضعهم تحت الإقامة الجبرية.

وهذا ما ذهب إليه السليطي في تصريح قال فيه "إنه يتم إيقاف المرحّل حال وصوله إلى المطار بتونس بسبب صدور مناشير تفتيش ضده ثم يحال على مصادر التفتيش لتأذن النيابة العمومية إثر ذلك بالاحتفاظ به ويقضي مدة 15 يوماً في الاحتفاظ يقع بعدها فتح قضية ويحال الموقوف على السجن".

"ائتلاف حاكم مرتبك"

تشكك أطراف عدّة في مدى جاهزية الدولة التونسية للتعامل مع العائدين من مناطق النزاع المسلح، في ظل الخطر الذي يمثلونه على بقية المساجين العاديين.

عضو التيار الشعبي المعارض زهير حمدي يعتبر أن الحديث عن إعادة تأهيل العائدين من مناطق النزاع المسلح وإدماجهم لا يمكن أن يكون حلاً، وبرأيه فإن "تطبيق القانون بصرامة وتكفل القضاء بهم هو الخيار الأمثل للتعاطي مع هذا الملف".

ويشدد حمدي في حديثه لرصيف22 على ضرورة التعاطي مع العائدين على أساس "أنهم حالة مَرَضية نظراً لفظاعة الجرائم التي ارتكبوها، لا التعاطي معهم كأفراد عاديين".

من جانبه، يشكك عضو الجبهة الشعبية المعارضة عبد المؤمن بالعانس في قدرة الائتلاف الحاكم (حركة النهضة ونداء تونس) على التعامل مع هذا الملف ويقول لرصيف22 "إن هذه الأطراف مرتبكة ولا تعلم إنْ كان الإرهابيون سيعودون أم لا، ربما لأنها تعتبر نفسها غير قادرة على التعاطي مع هذه الوضعية وهو دليل آخر على فشلها في إدارة الأمور".

ويتابع بالعانس أن هناك رغبة من هذه الأطراف لاستغلال هذا الملف كنوع من ابتزاز للدول الأجنبية التي تريد ترحيل العناصر الإرهابية التونسية، للحصول على مساعدات مالية، مشيراً إلى أن "الائتلاف الحاكم يفتقر للإرادة السياسية لمواجهة الإرهاب مواجهة ناجعة".

راسلت أسرة وحيدة، وهي امرأة تونسية انضم زوجها إلى تنظيم داعش في ليبيا وقُتل، مؤسسات الدولة التونسية، وطالبتها بتسلمها وطفلها من ليبيا، دون تلقي أيّة إجابة... "تم تجاهلنا تماماً وهو ما أعتبره نوعاً من الإذلال"، يقول شقيقها
يطالب ائتلاف المواطنين التونسيين بإسقاط الجنسية عن الإرهابيين التونسيين الموجودين في الخارج لأنهم "هم مَن بادروا بالتخلي عنها بتبنيهم علم وجواز سفر وبطاقة هوية تنظيم داعش"... ولكن للدستور التونسي رأي آخر

في المقابل، يرى المحلل السياسي سليم الحكيمي أن النخبة التونسية التي ترفض استعادة العائدين من بؤر التوتر تريد إبقاء تهمة شبكات تسفير الشباب لصيقة بطرف سياسي معيّن وهو التيار الإسلامي المعتدل الممثل في حركة النهضة المشاركة في الحكم.

وأضاف الحكيمي لرصيف22 أن "عودة هؤلاء والتحقيقات معهم والاعترافات التي سيدلون بها ستبرئ حركة النهضة من تهم دعم الإرهاب وتسفير الشباب التونسي للقتال في الخارج وهو ما لا تريده بعض الأطراف السياسية التي تسعى إلى عزل الحركة عن المشهد السياسي في تونس بالضغط عليها من خلال هذا الملف".

ويوضح المدير السابق للمرصد التونسي للشباب وعالم الاجتماع محمد الجويلي لرصيف22 أن أولى الخطوات للتعامل مع العائدين من بؤر التوتر تتمثل في التعاطي الأمني، أي إيقافهم، ثم التحقيق معهم ومحاكمتهم.

ويتبع المرصد لوزارة الشباب والرياضة ويهدف إلى الإصغاء إلى الشباب ورصد مشاغله وتطلعاته ومتابعتها وإجراء البحوث والدراسات الاستشرافية حول قطاع الشباب وتنظيم الاستشارات للاستئناس بها في إعداد المخططات التنموية.

ويرى الجويلي أن تونس تشكو نقصاً في كيفية التعامل مع العائدين من مناطق النزاع، سواء داخل السجون أو خارجها، بعد انقضاء فترة العقوبة، ويقول إن على الدولة أن تضع خطة متكاملة للاشتغال عليهم أساساً في السجون من خلال إعادة تأهيلهم عبر إدخال الشك في معتقداتهم وفكرهم المتطرف بالاستعانة بمختصين من رجال الدين وعلماء النفس والاجتماع.

ويؤكد أنه قبل خروج العائد من السجن لا بد أن يكون قد تخلى تماماً عن فكره المتطرف وأن يتعلم بعض الحرف التي تساعده على الاندماج مجدداً في المجتمع بعد انقضاء فترة العقوبة.

ويشير المتحدث إلى ضرورة عزل العائدين من بؤر التوتر في سجون خاصة بعيداً عن سجناء الحق العام، حتى لا تجري عمليات استقطاب الأخيرين للفكر المتطرف.

أما بعد خروج العائد من السجن، يرى محمد الجويلي ضرورة الإبقاء على المراقبة الأمنية مع تدعيمها ببعض الإجراءات الأخرى كإدخاله في المنظومة الاقتصادية وفي سوق العمل.

ولكن الجويلي يفيد بأنه ليست هنالك إلى الآن استراتيجية واضحة على أرض الواقع للدولة التونسية حول كيفية التعامل مع العائدين من بؤر التوتر ويقتصر الموجود على بعض البرامج أو المبادرات.

جدل سحب الجنسية

يؤكد الناطق الرسمي باسم ائتلاف المواطنين التونسيين سامي حندوس لرصيف22 رفضه لعودة الإرهابيين من بؤر التوتر إلى تونس، ويدعو إلى محاكمتهم في البلدان التي قاتلوا فيها وارتكبوا فيها جرائم إرهابية.

ويتحدث عن دعم الائتلاف لمقترح إسقاط الجنسية التونسية عن الإرهابيين لأنهم "هم مَن بادروا بالتخلي عنها بتبنيهم علم وجواز سفر وبطاقة هوية تنظيم داعش وفكره المتطرف" وعن "ضرورة إيجاد حل بخصوص نص الدستور على منع سحب الجنسية لأن هؤلاء يمثلون خطراً على الأمن القومي".

وتأسس الائتلاف المذكور في 14 ديسمبر 2016 ويضم 40 جمعية من بينها "تونس للجميع" و"حماة الجمهورية" و"تحالف نساء من أجل تونس". ويطالب بما يطالب به آلاف المواطنين على شبكات التواصل الاجتماعي.

وفي تصريحات قديمة، قال رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد إن تونس لم توقع على أيّة اتفاقية بخصوص عودة الإرهابيين وإن حكومته ليست مع عودتهم إلى تونس ولا تسعى بأي شكل من الأشكال لإعادتهم.

ولكن حالياً، يسود نوع من التكتّم حول موقف تونس من هذه المسائل، وربما يعود ذلك إلى غياب سياسة رسمية للتعامل مع الملف.

ومن المواقف الحديثة حول القضية، ما قاله الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في مارس الماضي، من أنه "لا يمكن أن نرفض عودة أي تونسي يريد الرجوع إلى أرضه"، و"عندما يشكل العائدون تهديداً لتونس سنتعامل مع الموضوع".

يوضح المحامي وسام عثمان لرصيف22 أن حق المواطن التونسي في الجنسية مضمون بالدستور الذي منع في الفصل 25 سحب الجنسية من أي مواطن أو تغريبه أو تسليمه أو منعه من العودة إلى الوطن.

ويشير إلى أنه لا يمكن إسقاط الجنسية إلا بتغيير الفصل المذكور و"هو أمر صعب جداً لأنه يحتاج إلى إجراءات صعبة التوفر".

من جهته، أوضح سفيان السليطي في تصريح أن تونس صادقت على عدة معاهدات ومواثيق دولية ما يجعل من مسألة سحب أو إسقاط الجنسية أو المعاملات غير الإنسانية ضد العائدين من مناطق النزاع المسلح أمراً غير مطروح.

ذات الأمر ذهبت إليه نائبة رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب نائلة الفقيه، خلال جلسة استماع أمام البرلمان التونسي في 18 فبراير الماضي، حين أكدت "أن تونس ليس لديها خيار في ما يتعلق بعودة التونسيين من مناطق النزاع المسلح والمتورطين في الإرهاب لأن هذه المسألة تمثل التزاماً دولياً، مشيرة إلى أن الدستور التونسي كذلك يكفل حق كل التونسيين في العودة إلى بلدهم والعيش فيه".

يشار إلى أن الفصل الثاني من قانون مكافحة الإرهاب ينص على "أنه على السلط العمومية المكلفة بتطبيق هذا القانون احترام الضمانات الدستورية والمعاهدات الدولية والإقليمية والثنائية التي صادقت عليها تونس في مجال حقوق الإنسان وحماية اللاجئين والقانون الدولي الإنساني".

نائبا المعارضة بالعانس وحمدي ذهبا بدورهما إلى ضرورة تطبيق القانون التونسي في هذا الشأن. وأكد بالعانس أن "التونسي تونسي إرهابي كان أم لا وهنالك قانون يطبق على الجميع". أما حمدي فاعتبر أن "إسقاط الجنسية لا يمكن أن يحل المشكلة".

وفي صلب هذه النقاشات، تطفو على السطح مسألة عودة الإرهابيين مزدوجي الجنسية، أي مَن يحملون الجنسية التونسية وجنسية أجنبية عربية أو أوروبية. عن هؤلاء، يقول الخبير في الجماعات الإرهابية علية العلاني لرصيف22 إن "الرأي العام التونسي منقسم حول عودة التونسيين، فما بالك بمزدوجي الجنسية؟".

ويشير العلاني إلى أن "الحكومة التونسية ستجد حرجاً كبيراً في قبول مزدوجي الجنسية لأنها في الأصل تجد انتقاداً في قبول العائدين بصورة عامة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard