قانون القوميّة: احتدام بين المقاطعة والمشاركة في انتخابات الكنيست الإسرائيليّ وسط الفلسطينيّين

الجمعة 5 أبريل 201904:17 م

تعود جذور المنظومة الاقتصادية النيوليبرالية في الدولة الصهيونية إلى عام 1977، وتناسبت بدايتها مع ما يسمى في إسرائيل ب"الانقلاب"، حيث تسلم حزب الليكود اليميني زمام الحكم. مع صعود اليمين الصهيوني للحكم، شُرع في تطبيق سياسة اقتصادية نيوليبرالية تشمل خصخصة وتقليص دولة الرفاه الاجتماعي، وقد ترافقت هذه السياسة مع نظام توزيع وتعويضات للمواطنين يهود كلٌ بحسب انتماءاته ، هكذا، مثلًا، انطلقت حركة "شاس" كحزب سياسي ديني يمثّل شريحة محددة (هي شريحة الأرثذوكس الشرقيين) ويتحدث باسمها، يشارك بالانتخابات بهدف تحصيل "حصتها" من نظام التوزيع الجديد، وهذا شأن أحزاب كثيرة حذت حذو شاس، لفهمها مسار التعويض، كحزب نتان شيرانسكي، الذي شكّل مقدمة لتشكيل حزب "إسرائيل بيتنا" بقيادة أفيغادور ليبرمان، أو حزب المتقاعدين، أو حزب المستوطنين، الذي مرّ بعدة دورات حياة، ليتّحد الآن في حزب "البيت اليهودي"، إلخ…

ماذا تفعل الأحزاب العربيّة؟ 

اكتفت الأحزاب العربية بالتمثيل المجرّد، ولم تتمكن من إحراز أي إنجاز يذكر لصالح المجتمع الفلسطيني، وفي المقابل "بيّضت" هذه الأحزاب وجه الاحتلال، وأسبغت عليه سبغة برج الديمقراطية في الشرق الأوسط، وهذا ما عاد بالضرر الشديد على قضيتنا الوطنية. إذ تكفي مطالعة ما يكتبه أنصار التطبيع في الخليج ومصر، بخصوص المشاركة الفلسطينية في الكنيست، لكي ندرك أن العرب في الكنيست، على قلة تأثيرهم في السياسات العامة، يشكّلون بوصلة انعطاف في توجّهات العرب، خصوصًا مثقفي السلطة وأنصار التطبيع المرتزقين. ناهيك عن استخدام إسرائيل للوجود العربي في الكنيست في معارك "الهسبراة" (التوجيه المعنوي الإسرائيلي) في الخارج.

 ناهيك عن استخدام إسرائيل للوجود العربي في الكنيست في معارك "الهسبراة"

أسست منظومة التوزيع والتجزئة هذه لما يسمى بـ "التفاوت" و"عدم المساواة البنيوية" التي تظهر فروقاتها بشكل أساسي في أوساط للعرب الفلسطينيين في أراضي 48، حيث حصلت جميع أطياف المجتمع الصهيوني على مكانتها في سلم المحاصصة من النظام، أما الأعضاء العرب فلم ينجحوا في حماية مصوتيهم وأبناء جلدتهم من نظام الخصخصة النيوليبرالي، ولا من وحشية النظام السياسي الإقصائي، بل وقد سهّلت هذه الأحزاب "احتواء" الجماهير العربية من خلال وجودها بالكنيست، وخمولها في لجنة المتابعة مما أدّى إلى إفقادها قدرتها على التحرّك.

أين تضع الأحزاب العربيّة جهدها؟ 

فكيف حصل ذلك؟ صبّت الأحزاب كل جهدها على معركتين أساسيتين: معركة انتخابات المجالس المحلّية ومعركة الانخراط في الكنيست. ورغم الفارق الشاسع ما بين التجنّد لخدمة المصالح المدنية واليومية للسكان الفلسطينيين في البلدات والمدن الفلسطينية من خلال المجالس المحلية (السلطات المحليّة)، وما بين التجند في تلميع صورة إسرائيل مقابل فتات التمويل الإسرائيلي، ومقابل البقاء تحت ضوء الإعلام من دون تأثير حقيقي على الأرض، إلا أن هدف خوض هاتين المعركتين يتمثل في البقاء في "هامش التأثير" في الوعي.. (نقول هامش التأثير في الوعي، بمعنى هامش الحضور في الذهن، لا هامش التأثير على الأرض)، من جانب الاستعراضات البهلوانية التي قد تكون مسلّية حقًا، لأعضاء الكنيست العرب أمام عنصرية زملاء مهنتهم اليهود.

اللافت في هذين النوعين من المعارك هو أنهما؛ أوّلًا، موسميّان: بحيث أن البنية التنظيمية للأحزاب المشاركة تظل خاملة معظم الوقت، وتكتفي بالمشاركة الرمزية في الاشتباك، وبردود الفعل على المجازر والعنصرية الإسرائيلية، وتنشط قواعد الأحزاب فقط على مشارف الانتخابات. ثانيًا، يكرّسان أسوأ ما في الممارسة السياسية من مظاهر: حيث يشيع التنافس على المناصب بين الأحزاب قبول التحالف مع عملاء السلطة (يحصل في بعض البلدات)، أو التحالف مع قوائم عائلية أو طائفية (وهذا يحصل في معظم البلدات). بدلًا من أن تقوم أحزاب "الحركة الوطنية" بخوض الانتخابات في قوائم مشتركة وطنية تقدمية تحمل الهمّ العام، في مواجهة العائلية والطائفية في عقر دارها (المجالس المحلية)، فإن هذه الأحزاب تتحالف معها في سبيل تهشيم بعضها البعض. وبدلًا من أن تقوم هذه الأحزاب بإعادة بناء المجالس المحلية، على أسس منتخبة وديمقراطية ووطنية، لتعيد، تاليًا، بناء الجسم التمثيلي الأهم للفلسطينيين في مناطق 1948، وهو لجنة متابعة قضايا الجماهير العربيّة، المشكّلة أصلًا من رؤساء المجالس المحلية، فإن هذه الأحزاب تتحالف مع الطائفيين، والقبليين، والعائليين، في معاركها الموسمية، ومن ثم تعود لتشكو من قلة الحيلة، ومن عجز لجنة المتابعة، وتشبعنا لطائميات حول قصر ذات اليد.

اكتفت الأحزاب العربية بالتمثيل المجرّد، ولم تتمكن من إحراز أي إنجاز يذكر لصالح المجتمع الفلسطيني، وفي المقابل "بيّضت" هذه الأحزاب وجه الاحتلال، وأسبغت عليه سبغة برج الديمقراطية في الشرق الأوسط.

إن البنية التنظيمية للأحزاب العربية المشاركة تظل خاملة معظم الوقت، وتكتفي بالمشاركة الرمزية في الاشتباك، وبردود الفعل على المجازر والعنصرية الإسرائيلية، وتنشط قواعد الأحزاب فقط على مشارف الانتخابات.

تجري مقاربة قانون القومية في السياق العربي الفلسطيني أيضًا من خلال الولاء لدولة إسرائيل، وهنا تبرز خطورة المشاركة في الانتخابات. 

ما يحدث اليوم هو أن محاصصة الولاء تعني أن المشاركة في انتخابات الكنيست هي إعلان ولاء لا مجال لتفسير آخر، ليس إعلان ولاء شكلي فقط، إنما واصطفاف تام مع منظومة الاحتلال.

قانون القوميّة ومنظومة توزيع جديدة

المهم "وبلا طول سيرة"، في العام 2009، سئمت المنظومة النيوليبرالية من سياسة التجزئة والتوزيع الصهيونية والتي تكلف الدولة الإسرائيلية الكثير ، حيث عدد حصص التعويض بعدد طوائف المجتمع الاستيطاني "وخذلك" تعويضات على تعويضات، والرأسمالية، كما نعلم، مكرّسة لمراكمة الربح، لا لتوزيعه على المجتمعات! خلقت، هنا، حاجه لمنظومة توزيع ومحاصصة جديدة، يمكننا أن قول بأن قانون القومية قد وُلد هنا، في هذه النقطة.

إن قانون القومية، مبدئيًا، يؤسس لمحاصصة جديدة، تقسم " المواطنين"في اسرائيل بحسب ولائهم للدولة، إذ يحصل الموالون للدولة على "تعويض" يؤسس، بدوره لحالة بنيوية من عدم المساواة. في حين يتم تعريف كل من هو سوى الموالين باعتباره معاديًا للنظام والدولة! مثلًا، يمكننا، بموجب هذا المنطق الجديد تفسير استعمال توصيف "يساري، سمولان" كشتيمة في السياق الإسرائيلي، والمعادون للنظام، بموجب هذا المنطق الجديد، يتم إقصاؤهم سواء أكانوا يهودًا أم عربًا، وهذه حالة تمثل تطورًا نوعيًا في النظام الصهيوني الذي يتحوّل، وبشكل متسارع، إلى نظام فاشي "عالمكشوف"! فنظام المحاصصة هذا ليس موجهًا فحسب ضد العرب الفلسطينيين، بل هو موجّه أيضًا لكل من هو غير موالٍ للنظام، وهذا ما يبرز تشدد النظام وتوجهه نحو الفاشية من دون أقنعة، فارتداء الأقنعة لم يعد ضروريًا هنا!

الكنيست والولاء لإسرائيل 

تجري مقاربة قانون القومية في السياق العربي الفلسطيني أيضًا من خلال الولاء، وهنا تبرز خطورة المشاركة في الانتخابات. لنفترض مثلًا أن "منطق" المشاركة بحسب نظام المحاصصة القديم ينبع من حاجة تمثيل الفلسطينيين و"تحصيل"حقوقهم، (وهو ادعاء ضعيف بنيويًا، وتطبيعي قوميًا ووطنيًا)، إلا أنّه بحسب المنظومة السياسية ممكن نظريًا.

ما يحدث اليوم هو أن محاصصة الولاء تعني أن المشاركة في انتخابات الكنيست هي إعلان ولاء لا مجال لتفسير آخر، ليس إعلان ولاء شكلي فقط، إنما واصطفاف تام مع منظومة الاحتلال! ففي سياق المحاصصة بموجب قانون القومية، تعد المشاركة في الانتخابات ودخول تمثيل عربي للكنيست تمثيلًا للدولة على المسرح الدولي، في هذا السياق هي لا تختلف كثيرًا عن التجنيد للجيش. كما تستخدم على نطاق واسع في محاججة أنصار حملة الـ BDS (مقاطعة إسرائيل) في أرجاء العالم.

إن سؤال المشاركة أو المقاطعة في ظل قانون القومية، إذًا، لم يعد سؤالًا تكتيكيًا حول آليات العمل السياسي، إنما قضية استراتيجية وجودية تتطلب منا أن نحسم موقفنا دون تلعثم. هل ولائنا لدولة الاحتلال أم لشعبنا وامتدادنا الفلسطيني في الضفة وغزة والشتات؟ لم يعد النقاش حول نجاعة المشاركة في الكنيست الصهيوني أو عدمها له أهمية أو تبعات! فالسؤال اليوم لا يدور حول تمثيل "الأقلية" إنما ماهية انتمائها، وهذا من شأنه تفسير احتدام مواجهة الأحزاب المشاركة لحملة المقاطعة الشعبية، من تهجم عنيف على طلاب وحتى تشويه الحملة واتهامها بخدمة اليمين الصهيوني أو أنها تموّل من أطراف مجهولة! علينا اليوم تحديد موقفنا كمجتمع فلسطيني، هو بين خيارين الولاء أو العداء، الولاء لدولة الاحتلال من خلال المشاركة أم العداء من خلال انتمائنا لشعبنا وقضيتنا، لم تعد القضية تحتمل تسويفًا ولا تأجيلًا، بكل بساطة، هذا ما يحتمه قانون القومية، وعلينا أن نسارع إلى حسم موقفنا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard