نسويّات في قلب الحراك الجزائري... "إذا لم يكن الآن الوقت المناسب للتغيير، فمتى؟!"

السبت 6 أبريل 201906:38 م

22 فبراير... البداية

كانت أميرة قرشي (20 عاماً) في جامعتها في الجزائر العاصمة عندما تحركت التظاهرات لأول مرة ضد العهدة الخامسة. شغف أميرة بالسياسة منذ صغرها جعلها تخلع رداء الخوف وتنضم إلى مسيرات الطلاب، بل عملت بجهد على إقناع فتيات كلية علوم الإعلام والاتصال التي تدرس فيها بالمشاركة في المسيرة المتجهة إلى قصر الرئاسة.

قررت قوات أمن الجامعة غلق الأبواب في وجه الطلاب المتظاهرين، ظناً منها أن ذلك سيوقفهم، ولكن حماس الطلاب الذين لا تتعدى أعمارهم الـ22 عاماً للمشاركة في رسم مستقبل جديد لبلادهم دفعهم إلى القفز من على أسوار الجامعة. كانت أميرة قرشي وصديقاتها من بينهم. اضطر الأمن إلى فتح الأبواب.

تجمَّع الطلاب خارج مبنى الجامعة واتجهوا في مسيرة نحو قصر الرئاسة، وعلى بعد 400 متر منه، قامت قوات الأمن بإلقاء قنابل الغاز المسيل للدموع نحوهم لتفرقتهم. لم ييأس الطلاب، وتوجهوا إلى شارع ديدوش مراد في وسط العاصمة لينضموا إلى بقية المتظاهرين.

في نفس اليوم، وعلى بعد 425 كيلومتراً من جنوب شرق الجزائر العاصمة، كانت كوثر عثماني (18 عاماً) تنتظر انتهاء صلاة الجمعة في ولاية باتنة، لتنضم إلى احتجاجات الثوار ضد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، وهو ما جرى. لاحظت أن مشاركة النساء في الحراك شبه معدومة في ولايتها، إذ تكاد تكون الفتاة الوحيدة في الميدان.

تبرّر كوثر عدم مشاركة النساء في اليوم الأول بخوفهن من ألا تكون الاحتجاجات سلمية، وبأن تُقابَل بحملة من الاعتداءات من قبل الأمن. ولكن في تحركات الجمعة التالية، شارك معظمهنّ.

نسويات شابّات

رغم سن أميرة وكوثر الصغير، إلا أنهما مهمومتان بقضايا المرأة، بسبب اعتيادهن على النشاط في الجماعات النسوية، سواء على أرض الواقع أو على مواقع التواصل الاجتماعي. النقاشات التي شاركتا فيها جعلتهما تدركان أهمية دور النساء في المجتمع وجعلتهما تطالبان بحقوق المرأة أينما كانت.

لم يكن الوضع السياسي في الجزائر قبل الحراك يسمح للنسويات بالخروج إلى الشارع كثيراً للمطالبة بحقوقهن، إلى أنْ سنحت لهن الفرصة في هذه المرحلة.

خلال الأسبوع الأول للحراك، اجتمعت أميرة وصديقاتها لإعداد لافتات وشعارات نسوية، ومناقشتها، واتفقن على موعد للخروج إلى الشارع ووجهة السير.

قامت أميرة برفع شعارات نسوية منذ الأسبوع الثاني، للمطالبة بإسقاط قانون الأسرة والمساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات، ولكن تلك اللافتات والشعارات لم تُعجب الشباب الموجودين في الحراك فقاموا بتمزيقها والاعتداء على الفتيات.

ومن أهم المواد التي تطالب النسويات بتعديلها في قانون الأسرة المادة 46 التي تمنع التبني، والمادة 11 التي تُلزم المرأة بإحضار "وليّها" لعقد زواجها، والمادة السابعة التي تسمح للقاضي بتزويج الفتاة قبل سن الـ19 عاماً، لمصلحة أو ضرورة، والمادة 61 التي تنص على ألا تخرج الزوجة المطلقة أو المتوفى زوجها من المسكن العائلي، ما دامت في عدة طلاقها، إضافة إلى مواد أخرى ومواد في قوانين أخرى أبرزها المادة 309 من قانون العقوبات التي تمنع الاجهاض.

نظّمت الفتيات مسيرات خاصة بهن، ولكنهن لم يتخلصن من تنمّر الشباب عليهن، لأنهم يرون أن المطالبة بإسقاط قانون الأسرة ليس وقته، ما جعل أميرة تتساءل: "متى وقته إنْ لم يكن اليوم؟".

تقول أميرة قرشي لرصيف22: "مطالبنا لا تتعارض مع المطلب العام، وهو: نريد الجزائر حرة ديمقراطية. ولكن هذا المطلب لا يمكن تحقيقه بدون تحرير المرأة الجزائرية، لهذا نطالب بإسقاط قانون الأسرة، لأنه ظالم للجزائريات ورجعي".

بدورها، تُطالب كوثر عثماني بالعدل والمساواة بين الجنسين، علاوة على تعديل قانون الأسرة ليناسب المرأة الجزائرية في عصرنا الحالي، وتقول لرصيف22: "تعديل هذا القانون مطلب إنساني قبل أن يكون نسوياً، لأنه يقمع المرأة وحريتها باسم الدين والسلطة، ويجب أن نشارك في وضع قوانين تحمينا في مجتمع ذكوري لن ينصلح حاله بين يوم وليلة".

الجمعة 8 مارس

في الثامن من مارس، في يوم المرأة العالمي، كان حضور النساء في الحراك الجزائري قوياً للغاية، على عكس الأسبوعين السابقين، ما جعل الناشطة النسوية آمال حجاج وصديقاتها النسويات يركّزن تفكيرهنّ على ما يردنه من الحراك الشعبي كنساء يقمن بشكل دائم في الجزائر.

اجتمعت آمال حجاج وصديقاتها في جمعيتهن النسوية "نساء جزائريات يطالبن بحقوقهن"، في الجزائر العاصمة، ليناقشن مطالبهن النسوية، وقمن بتأسيس تجمّع نسوي مكوّن من نسويات من جمعيات مختلفة في 22 مارس، وأطلقن عليه اسم "نساء جزائريات من أجل التغيير نحو المساواة".

عملت السيدات على كتابة البيانات باسم هذا التجمّع وترجمتها إلى أربع لغات وأرسلنها إلى الصحافة للتنديد بالنظام والمطالبة بحقوقهن المشروعة والمتمثلة في إسقاط قانون الأسرة، وإقرار قوانين مدنية عادلة للمرأة الجزائرية.

تقول الناشطة النسوية آمال حجاج لرصيف22 إنه "بالإضافة إلى المطالبة بالتغيير الجذري للنظام وكل ما هو تابع له، فإننا كنسويات نطالب بديمقراطية تشمل حقوقنا، فنحن إنْ كنّا شريكات في تغيير النظام، فيحق لنا التقرير في ما هو آت".

وأضافت: "إننا عبر التاريخ شاركنا في ثورات التحرير سواء في انتفاضة أكتوبر عام 1988، أو تحرير الجزائر من الإرهاب الإسلامي إبان العشرية السوداء، إلا أن الذكورية السائدة خانت المُجاهدات النسويات ولم تترك لهن المجال بعد الاستقلال في الحياة السياسية، حتى القوانين والعادات والتقاليد الجزائرية لم تُنصف كثيراً السيدات، لذا يجب على السيدات الجزائريات الإصرار على مطالبهن في هذا الوقت ولا يجب الالتفات بأي شكل من الأشكال إلى جملة ‘مش وقته’".

"مطالبنا لا تتعارض مع المطلب العام، وهو: نريد الجزائر حرة ديمقراطية. ولكن هذا المطلب لا يمكن تحقيقه بدون تحرير المرأة الجزائرية"... نسويات الجزائر يدفعن الحراك نحو المطالبة بتغيير شامل
"نحن مواطنات جزائريات مقيمات في الجزائر، يهمّنا ما يحدث في وطننا، فهذه الأحداث ستؤثر مجرياتها في حياتنا ولذلك يجب علينا أن نؤثر فيها نحن بدورنا"... ماذا تريد نسويات الجزائر من الحراك؟

وأكدت أن مطالبهن لا تتوقف فقط على إسقاط قانون الأسرة بشكل كامل، لأنه ظالم بحق النساء ويحاول أن يُقرر ما هي أقصى حدود حريات المرأة، بل تشمل إقرار قوانين مدنية تحقق العدالة والمساواة بين الجميع، دون أي إقصاء أو تمييز، بالإضافة إلى قوانين تجرّم العنف ضد النساء.

كما تطالب النسويات الجزائريات بالعمل على تغيير المفاهيم المجتمعية التي تولّد نظرة دونية للنساء، وبأن تتمكن السيدات في كل مكان في الجزائر من تحديد مصيرهن بدون وصي عليهنّ.

الجمعة 29 مارس

ميلور وحياة مجبار هما جزائريتان تنشطان في العمل النسوي منذ عام 2014، من خلال صفحة "بركات Enough-DZ" على فيسبوك (حذفها الموقع بسبب تبليغات ضدها)، لتشجيع النساء على المطالبة بحقوقهن.

ولكن الفتاتين أرادتا نقل النضال إلى الميدان، فاتفقتا في الأسبوع الأخير من مارس على الجلوس مع النسويات اللواتي يعرفنهن لتحديد مطالبهن، وهي إلغاء وتعديل 12 مادة من قانون الأسرة في الوقت الحالي، وبعد الاحتجاجات يتم إلغاء ذلك القانون وإقرار واحد جديد بمشاركة السيدات.

والقانون الحالي تم وضعه في 9 يونيو 1984 ، والبلاد آنذاك كانت تمرّ بظروف اقتصادية صعبة جداً والنساء لم يكن لديهن نفس الحضور في الميدان السياسي والاجتماعي مثل اليوم.

شرعت ميلور بتنظيم اللافتات، وغالباً ما استخدمت تلك التي تنادي بها على صفحة "بركات" منذ أعوام.

حددت الفتيات الساعة الثامنة من صباح الجمعة 29 مارس، حين يكون الشارع خالياً من المتظاهرين، كون التجمعات تبدأ بعد صلاة الجمعة، للخروج إلى الشوارع ولصق اللافتات التي تنادي بإسقاط قانون الأسرة تحت شعار "يسقط قانون العار"، واتخذن من الجزائر العاصمة ومدينة بجاية (300 كيلومتر شرق العاصمة) ميداناً لنشاطهنّ.

على عكس الحال في الجزائر العاصمة، لم تسر الأمور بشكل جيد في بجاية، فبعض الشباب المتظاهرين لم تعجبهم الملصقات، خاصة تلك التي تصوّر رجلاً وامرأة على وشك تقبيل بعضهما وتندد بالمادة التي تمنع زواج المسلمة بغير المسلم، وتلك التي تعترض على المادة التي تمنع الأم المطلقة من الحفاظ على أبنائها، وقاموا بضرب الفتيات ضرباً مُبرحاً وتمزيق الملصقات، وتكويرها واللعب بها.

تقول ميلور لرصيف22 إن النسويات في الجزائر يشاركن في تظاهرات الجمعة منذ بدايتها، وتشير إلى أن منع أشكال التظاهر السلمي والاحتجاج والتجمع في الجزائر العاصمة منذ عام 2001 هو السبب في أنهنّ لم يخرجن قبل الحراك الحالي، إذ حاولن تنظيم عدة احتجاجات سلمية وفي كل مرة كانت أجهزة الأمن تمنعهنّ.

وتروي أنه في أغسطس 2018، حاولن تنظيم وقفة سلمية ودقيقة صمت على روح فتاة كانت تبلغ الثامنة من العمر حين تم اختطافها واغتصابها ثم قتلها ولكن الشرطة منعتهنّ من التجمع في وسط العاصمة وتعاملت معهن بخشونة.

وتضيف: "نحن في الحراك الشعبي منذ بداية يوم 22 فبراير والعديد من الشخصيات النسائية والنسوية شاركن في تصميمه، إذ تناضل السيدات في الميدان السياسي منذ سنوات طويلة، وبعضهن كن ضد العهدة الثالثة والرابعة لبوتفليقة، ولذلك فإن تواجد النساء بصفة عامة والنسويات بصفة خاصة في الحراك السياسي والشعبي في الجزائر ليس وليد البارحة".

وتتابع: "نحن مواطنات جزائريات مقيمات في الجزائر، يهمّنا ما يحدث في وطننا، فهذه الأحداث ستؤثر مجرياتها في حياتنا ولذلك يجب علينا أن نؤثر فيها نحن بدورنا".

في الأسابيع الأولى من الحراك، كانت النسويات تمشين مع الحشود التي تبدأ من أمام البريد المركزي ثم تطوف في الشوارع الأساسية للعاصمة، مثل شارع ديدوش مراد وموريس أودان وحسيبة بن بوعلي وساحة أول ماي.

ولكن في الثامن من مارس، ارتأت النسويات أن يوماً مثل "اليوم العالمي للمرأة" يفترض إيلاء أهمية أكبر لوضع النساء في الجزائر، لأنه تم تهميشهن تماماً، وتغييب مطالبهن أمام المطالب الشعبية الأخرى التي لا تهتم بترقية وضع النساء في الجزائر.

تعرّضت معظم النسويات لتحرشات ومضايقات وسخر شباب كثيرون من لافتاتهنّ وطالبهم آخرون بإخفائها بحجة أن الوقت ليس مناسباً للمطالبة بحقوق النساء ويجب أن يتوحد الجميع خلف راية واحدة، بل تعرّضن لما هو اسوأ... للضرب المبرح.

حتى الأنشودات النسوية لم يستطعن إطلاقها، لأن صوت الحشود غطى على أصواتهنّ، وهنّ قلة مقارنة مع آلاف الرجال المحيطين بهنّ.

استقالة بوتفليقة

مساء الثالث من أبريل تقدّم بوتفليقة باستقالته، بعد مرور عشرين عاماً قضاها في الحكم. ولكن ذلك لم يوقف تظاهرات المحتجين الذي خرجوا بأعداد قياسية في "الجمعة السابعة" في الخامس من أبريل للمطالبة بسقوط كل رموز "النظام" وبعدم تحكمهم بالمرحلة الانتقالية.

تقول آمال حجاج لرصيف22: "لم نخرج للثورة ضد بوتفليقة فقط، فالجميع يعرف أنه ليس فعالاً منذ سنوات، ولكننا نزلنا إلى الشوارع لتغيير النظام بكل مكوناته جذرياً".

أما الناشطة النسوية ميلور فتؤكد أن نضال النسويات لم يكن ضد بوتفليقة فقط، بل ضد العقلية الذكورية السائدة في المجتمع الجزائري لذلك فإن نضال الشعب الجزائري بشكل عام قد يكون أسهل وأقصر من نضال النساء النسوي الذي لن يتوقف حتى تتم الاستجابة لجميع مطالبهنّ.

وتضيف أن النسويات الجزائريات لديهنّ الكثير من المطالب و"لا نستطيع تحديد أولوياتنا بدقة لأن بلداً يضم أكثر من 20 مليون امرأة بخلفيات وثقافات وأنماط معيشية وعقليات مختلفة، صعب جداً أن تكون لدى نسائه نفس المطالب".

لكنها تحسم "أن النسويات شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً ومن جميع الفئات العمرية يتفقن على ضرورة تجب معالجتها في أقرب وقت وهي قانون الأسرة الحالي المجحف في حق الجزائريات والمقيمات في الجزائر والنساء غير المقيمات في الجزائر والمتزوجات من مواطنين جزائريين".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard