زواج القاصرات لا يزال مُباحاً في الأردن "لِما تقتضيه المصلحة"

الخميس 4 أبريل 201907:17 م

لا تستطيع قيادة السيارة لأنها دون السنّ القانونية (18 عاماً)، لكن يُمكنها دخول عُش الزوجية وفقاً للقانون الأردني.

هذا الواقع في الأردن يكشف ازدواجية التعامل مع القاصر فهي صغيرة على القيادة لكنها كبيرة بما يكفي لتُزوج، نتحدث هنا عن ظاهرة زواج القاصرات التي يراها البعض عُرفاً في المجتمع الأردني تخشى القوانين تغييره فيما ينفي آخرون أنها عرف ويحملون عوامل خارجية مسؤولية تفشيها.

لا تستطيع قيادة السيارة لأنها دون السنّ القانونية (18 عاماً)، لكن يُمكنها دخول عُش الزوجية وفقاً للقانون الأردني.

لكن مُنظمات أردنية وعالمية تحاول تغيير واقع تزويج القاصرات في الأردن بالضغط على مجلس الأمة بشقيه (النواب والأعيان) لإقرار التعديلات المُقترحة على قانون الأحوال الشخصية في جلسة مشتركة يعقدها المجلس الاثنين المقبل، أهمها: تعديل الفقرة (ب) من المادة رقم 10 في القانون والمُتعلقة بتزويج الفتيان والفتيات في "حالات الاستثناء".

تنصّ الفقرة (أ) "يشترط في أهلية الزواج أن يكون الخاطب والمخطوبة عاقلين وأن يتم كل منهما ثماني عشرة سنة شمسية من عمره"، وتنصّ الفقرة (ب) "يجوز للقاضي وبموافقة قاضي القضاة أن يأذن في حالات خاصة بزواج من أكمل 15 سنة شمسية من عمره وفقاً لتعليمات يصدرها لهذه الغاية إذا كان في زواجه ضرورة تقتضيها المصلحة ويكتسب من تزوج وفق ذلك أهلية كاملة في كل ما له علاقة بالزواج والفرقة وآثارهما" دون تحديد من يندرج تحت ما تقتضيه "المصلحة".

وتُطالب مُنظمات المجتمع المدني في الأردن حالياً برفع سن الزواج في حالات الاستثناء إلى من أكمل السادسة عشرة سنة شمسية بدلاً من الخامسة عشرة لحماية القُصّر من تبعات الزواج المبكر من الناحية الصحية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية، معتبرةً أن الأساس هو "تطبيق الأصل القانوني في ألا يتم الزواج قبل 18 عاماً".

وأشارت المنظمات بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الأردنية (بتراء) إلى أنه إذا كان لا بد من الاستثناءات فهي "حالات محدودة وليست بأعداد كبيرة"، وهو ما يتناقض مع أرقام عقود الزواج التي كانت فيها الفتيات القاصرات طرفاً، و بلغت 52 ألفاً و659 بين عامي 2013 و2017 وفقاً للتقارير السنوية الصادرة عن دائرة قاضي القضاة.

تغيير نصّي بلا تغيير فعلي

في ديسمبر 2018، وافق مجلس النواب الأردني على رفع سن الزواج في حالات خاصة من "إتمام" الـ 15 عاماً إلى "بلوغ" الـ 16 عاماً، وأصبحت المادة المعدلة تنص على أنه "يجوز للقاضي (...) أن يأذن في حالات خاصة بزواج من بلغ 16 سنة شمسية من عمره وفقاً لتعليمات يصدرها لهذه الغاية…"

تقول اللجنة الوطنية لشؤون المرأة، وهي المرجعية الوطنية المعنية بالمرأة في الأردن، إن التعديل لم يُحدث أي تغيير على المادة الخاصة بتزويج القاصرات، وإن التغيير جاء في جملة واحدة، كانت تصف عمر من يسمح لهم بالزواج بـ"أكمل الخامسة عشرة" لتصبح "بلغ السادسة عشرة"، وهو ما يُبين أن لا نية لرفع سن الاستثناء بالزواج.

تقول جمعية معهد تضامن النساء الأردني، وهي مؤسسة مدنية معنية بقضايا المرأة في بيان أرسلت نسخة منه لرصيف22 إن الإرادة السياسية للحكومة ومجلس الأمة التي تعبر عن رفضها لتزويج القاصرات لا بد أن تترجم إلى أفعال من خلال تعديلات تشريعية ضرورية للقضاء و/أو الحد من الزواج المبكر.

ولفتت إلى ضرورة تغيير كلمة "بلغ" وتعويضها بـ "أتم" لإيقاف الجدل الذي سبق أن حسمه مجلس الأعيان في ديسمبر 2018.

الفقر يبيع الفتيات

تقول الإعلامية والناشطة الأردنية عروب صبح لرصيف22 إن زواج القُصّر في الأردن ليس عادة عشائرية مثلما يعتقد كثيرون، لافتةً إلى أن مُعظم الدراسات التي أُجريت تُشير إلى علاقته بالوضع الاقتصادي.

وبيّنت أن زيادة نسبة زواج القاصرات الذي بلغ عدده نحو 52 ألف زيجة من 2013 حتى 2017 يعود إلى ما يعانيه اللاجئون السوريون من أوضاع اقتصادية صعبة، مُعتبرة أنه السبب الرئيسي لهذا النوع من الزواج. وبلغ عدد السوريين في الأردن المُسجلين لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في شهر نوفمبر الماضي 673,538 وكان 18% منهم يسكنون في مخيمات اللجوء.

تابعت عروب "مجلس النواب يرفض التعديل للإبقاء على ما يعتبره مجالاً شرعياً ودرءاً للمفاسد التي لا علاقة لها بالأسباب الواقعية التي يستعمل فيها الاستثناء في تزويج القُصّر"، على حد قولها، مؤكدةً تأييدها إلغاء الاستثناء والحفاظ على 18 سنة كحد أدنى لسن الزواج.

"كما تُزوَّج القاصر في عمر الزهور، فإن طلاقها يكون كذلك"...تصريحٌ تؤكده جمعية تضامن بكشفها عن طلاق 817 قاصرة أردنية خلال عام 2017، منهن 334 لم يكمل زواجهن العام الأول.

عدوى الزواج المبكر في الأردن

تقول المُستشارة التعليمية الأردنية ربى محمود لرصيف22 إن أحد عوامل انتشار زواج القاصرات في الأردن هو دخول جنسيات أُخرى إلى المملكة، من بينها السورية "دون أن نوجه الاتهام إليها"، على حد تعبيرها، مُعتبرة أن "الزواج المُبكر" في سوريا أمر طبيعي.

ولفتت إلى أن انخراط المجتمع السوري في الأردني، نقل عدوى "الزواج المبكر".

انخراط المجتمع السوري في الأردني، نقل عدوى "الزواج المبكر".

وأشارت إلى أن أحد عوامل زواج القاصرات أيضاً هو "رفع يد الأهل" عن الفتاة من الناحية المادية خاصة إذا كان لدى الأب عدد كبير من الأطفال.

وقُدرت نسبة الفقر في الأردن بـ 14.4% عام 2010 في آخر دراسة رسمية أجرتها الحكومة الأردنية.

ولم تنكر ربى وجود عشائر أُردنية ترى "زواج القاصرات" أمراً طبيعياً، لافتةً إلى أنها لا تُسميه كذلك لاعتبارها أن زواج الفتيات عند بلوغهن أمر طبيعي، مُشددة على أن الأمر تغيّر في الفترة الحالية.

وتوافقها نائلة حسن واضعة إصبعها على جرح آخر بقولها لرصيف22: "أحد أسباب زواج القاصرات في الأردن الخوف من بقاء الفتاة بدون زواج حتى سن متأخرة"، وهو ما ينقلنا إلى موضوع آخر يخافه المُجتمع الأردني، وهو ما يُسمى بـ "العنوسة".

أين المصلحة؟

وتعليقاً على عبارة "إذا كان في زواجه ضرورة تقتضيها المصلحة" في الفقرة (ب) من المادة 10، تقول عبير حسن لرصيف22 إن ذلك "الاستثناء" يندرج تحته الكثير من العوامل، أبرزها الفقر.

واستنكرت استخدام كلمة "مصلحة"، مُتسائلةً: "هل من المصلحة بيع ابنتي وحرمانها من حق التربية والرعاية والدراسة بسبب سوء أحوالي الماديّة؟"

كما تزوَّج القاصر في عمر الزهور، فإن طلاقها يكون كذلك.

أضافت "كما تزوَّج القاصر في عمر الزهور، فإن طلاقها يكون كذلك لعدم توافر مقومات الزواج"، مُعتبرةً أن كل ما يسعى له الزوج هنا هو "اغتصاب في إطار شرعي".

تصريحُ عبير تؤكده جمعية تضامن بكشفها عن طلاق 817 قاصرة أردنية خلال عام 2017، منهن 334 لم يكمل زواجهن العام الأول، وفقاً لمسح السكان والصحة الأسرية (2017-2018) والصادر عن دائرة الإحصاءات العامة.

وأظهر المسح أن واحدة من بين أربع زوجات قاصرات تعرضت للعنف الجسدي من قبل أزواجهن، وكن الأكثر تعرضاً للعنف الجسدي من قبل أزواجهن وبنسبة وصلت إلى 24.9% منهن، تلتها الفئة العمرية (40-49 عاماً) بنسبة 21.6%، والفئة العمرية (25-29 عاماً) وبنسبة 21.4%، والفئة العمرية (30-39 عاماً) وبنسبة 20.4%، وأخيراً الفئة العمرية (20-24 عاماً) وبنسبة 17.5% عام 2017.

29 حالة زواج مبكر يومياً

شهد الأردن عام 2017 نحو 213 عقد زواج يومياً من ضمنها 29 حالة لزواج مبكر (زواج في الفئة العمرية 15-18 عاماً)  أخفت ملامح الطفولة وأدخلت القُصّر عالم "الكبار". وشهد العام ذاته تسجيل 71 حالة طلاق (بالرضا وعن طرق القضاء) من بينها 15 حالة طلاق مبكر.

وفي بيانات كشفتها جمعية تضامن لرصيف22، هُناك علاقة قوية بين الزواج المبكر والانقطاع عن التعليم، رغم أن تعليمات الإذن بالزواج لمن هم دون 18 عاماً تنص على ضرورة أن لا يكون الزواج سبباً في انقطاع الزوجة عن التعليم.

ولفتت تضامن إلى أن هناك نحو 10 آلاف قاصرة مهددة بالحرمان من التعليم سنوياً.

خطر "وفيات الأمومة"

تقول منظمة الصحة العالمية إن 830 امرأة تموت يومياً بسبب الحمل والولادة. ويضع الزواج المبكر الفتيات القاصرات أمام خطر التعرض لمضاعفات الحمل والوفاة بسببه، إذ تؤكد المنظمة أن المراهقات يواجهن أكثر من النساء الأكبر سناً أخطار الوفاة بسبب "الأمومة"، أثناء الحمل أو الولادة أو في غضون 6 أسابيع بعد الولادة.

انتهاك الطفولة دفع منظمة "هيومن رايتس ووتش" لتدعو في بيان نشرته الأربعاء إلى تغيير قانون الأحوال الشخصية على أن يشمل إنهاء زواج الأطفال كلياً ويكون الحد الأدنى لسن الزواج 18 عاماً دون استثناء وتوفير المساواة الكاملة للمرأة في الزواج والطلاق والميراث.

واعتبر نائب مديرة قسم الشرق الأوسط في المنظمة مايكل بَيْج أن "زواج الصغيرات يسلب طفولتهن ويعرض صحتهن وتعليمهن للخطر"، قائلاً إن على البرلمان انتهاز هذه الفرصة لوقف "الممارسة التعسفية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard