استقالة بوتفليقة: الجزائريّون يواصلون حراكهم بتروٍ وقلق من مصير مشابه لمصر

الخميس 4 أبريل 201908:27 م

بينما أشاهد عبر التلفزيون نائب وزير الدفاع، رئيس الأركان القايد صالح، مساء الثلاثاء، يضغط مجدّداً لتفعيل المادة 102 من الدستور الجزائري، الذي ينصّ على حالة شغور رئيس الجمهورية، تتصفّح صديقتي حسابها على الفيسبوك، وأمام صمت وتركيز لخطابه، تقول الصديقة: "بوتفليقة استقال"، أرّد في عجل: "وين شفتيها؟!"، تجيبني: "صديقة أخرى تعمل مع وكالة الأنباء الجزائريّة (المنبر الرسمي الإعلامي للدولة) نشرتها الآن على حائطها في فيسبوك". وبعد بحث غير مجدي في الفضائيات الجزائريّة والأجنبيّة، اتصلت بالصديقة الزميلة للتأكد، فأكّدت لي وأن الخبر سيُنشر حالاً. وهكذا استقبلت هذه البشرى وحملتها فوراً إلى قلب الجزائر العاصمة، تحديداً إلى ساحة موريس أودان، حيث احتشد الجزائريون معبرين عن سعادتهم العارمة، وكذلك تجمّعوا في ساحة البريد المركزي، لقد استقال بوتفليقة بعد ستة أسابيع من الحراك الشعبي السلمي فقط.

ونحن في النفق الجامعي، الملقب بـ"غار حراك"، صدحت الأصوات "الشعب يريد يتنحاو ﭬاع" (بمعنى: الشعب يريد أن يخرجوا جميعاً)، فالأمر لا يتعلّق بشخص الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، بل بنظام كامل جثم على قلوب الجزائريين لعشرين سنة، هم من عائلته ومقرّبيه والأحزاب الموالية والمعارضة، وزعيم اتحاد العمّال الجزائريين، وحتى نائب وزير الدفاع قائد أركان الجيش أيضاً، الجزائريون اليوم لا يثقون بأحد، سلاحهم في ذلك التمسّك بحراكهم الشعبي السلمي، حتى وإن استدعى ذلك العمر كلّه، وهو ما ينمّ عن وعي الجزائريين للسياسة الفاسدة التي يسير عليها هذا النظام.

بخصوص نائب وزير الدفاع القايد صالح المحسوب على النظام، إذ جاء به بوتفليقة في 2004، وهي المعلومة التي يعلمها الصغير والكبير من المواطنين، رفضه الشارع وما زال يرفضه، فشعارات "جيش شعب خاوة خاوة" لا يعني البتة القايد صالح، لأنه لا يمثّل الجيش بالنسبة للجزائريين، وأن هذا الشخص واحد من هذه المنظومة التي عاثت فساداً في البلد.

وحاول قايد صالح ترطيب الأجواء مع الشعب، لما دعا الأسبوع الماضي لتفعيل المادة 102 من الدستور، غير أن بوتفليقة عندما أعلن عن قائمة الحكومة الجديدة، "حكومة تصريف أعمال"، التي تضمّ قايد صالح نائباً لوزير الدفاع، وبعده بيومين، عاد الأخير ليصعّد لهجته للمضي نحو المادة 102، هذه الواقعة استقبلها الجزائريون بكثير من السخرية، وبكثير من الحزم، وأكثر من أي وقت مضى، بشعار أن يرحل الجميع دون استثناء، وأن يستلم الشباب زمام الحكم، والجيش ضامن لحراكه.

واستقبل الجزائريون يومهم الجديد من دون بوتفليقة بكثير من الارتياح والأمل، والكثير من الحذر، هم يعلمون أن الأمر لم ينته بعد، فتنحّي عبد العزيز بوتفليقة هو جزء من مطالب طويلة، لكنه في الوقت عينه هو عتبة استهلال ومفتاح للأهداف المتبقية لميلاد جمهوريّة جديدة، في كنف الديمقراطيّة الحقيقيّة.

صدحت الأصوات "الشعب يريد يتنحاو ﭬاع" (بمعنى: الشعب يريد أن يخرجوا جميعاً)، فالأمر لا يتعلّق بشخص الرئيس السابق، بل بنظام كامل جثم على قلوب الجزائريين لعشرين سنة.

واستقبل الجزائريون يومهم الجديد من دون بوتفليقة بكثير من الارتياح والأمل، والكثير من الحذر، هم يعلمون أن الأمر لم ينته بعد، فتنحّي عبد العزيز بوتفليقة هو جزء من مطالب طويلة.
بعد تنحّي بوتفليقة، ستنادي الجماهير الشعبيّة بصوت أقوى، بل ونادت، لتحقيق مبدأ استقلاليّة القضاء، من أجل المرور إلى انتخابات رئاسيّة نزيهة، وتحرير الصحافة وتوقيف أبواق السلطة التي تنشر أخباراً كاذبة.

ويُنظر بداية من المسيرة السابعة (غداً الجمعة) إعلاء مطالب أخرى سريعة، فبعد تنحّي بوتفليقة، ستنادي الجماهير الشعبيّة بصوت أقوى، بل ونادت، لتحقيق مبدأ استقلاليّة القضاء، من أجل المرور إلى انتخابات رئاسيّة نزيهة، وتحرير الصحافة وتوقيف أبواق السلطة التي تنشر أخباراً كاذبة.

من جهة أخرى، ينادي البعض بضرورة محاسبة روّاد الفساد في الجزائر، الذي استهلّ بحبس رجل الأعمال المقرّب من النظام، علي حداد، منذ أيام، لكن عموم الناس يرون في التروّي سلوكاً حتمياً في الوقت الراهن، وذلك خوفاً من مصيرٍ مشابهٍ لما حدث في مصر، وهو المثال الذي يراه المتتبعون للشأن السياسي، الأقرب لسيناريو الجزائر، والأرجح أن المحاسبة التي تسارع السلطة لتنفيذها الآن، هدفها إخفاء ما يجب إخفاؤه، لذلك سيستمرّ الحراك حتى إخراج كل رموز الفساد في الجزائر، وإعادة بناء المؤسسات الدستوريّة من جديد، وهو ما يستلزم نضالاً أكبر ونَفَسَاً أطول لمواصلة الحراك، والحفاظ على طابعه السلمي، ليبقى مدهش للعالم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard