يظن كثيرون أنها تتمتع بحكم ذاتي... هكذا يعيش سكان الضفة الغربية تحت الاحتلال

الخميس 4 أبريل 201907:01 م

قبل حوالي عشرين سنة، عاش محمود حسين (65 عاماً) تجربة عادية في بناء منزل على أرضه الواقعة في بلدة نحالين، جنوب غرب مدينة بيت لحم في الضفة الغربية. حينذاك، استغرقت عملية إتمام تعمير المنزل وتجهيزه بشكل كامل حوالي ستة أشهر.

ولكن الحال اليوم أصبح مختلفاً. فحين قرر ابنه الأكبر تشييد منزلٍ آخر على ذات الأرض التي يمتلكها بالتوارث عن أبيه وأجداده، اصطدم بقرار الإدارة المدنية الإسرائيلية الصادر في يوليو 2018 والذي يقيّد حق الفلسطينيين في بعض مناطق الضفة الغربية في اختيار السكن ومكانه، ويحدد مهلة شهر كحد أقصى للبناء.

و"الإدارة المدنية" هي هيئة حكم إسرائيلية تعمل في الضفة الغربية، أنشأتها الحكومة الإسرائيلية عام 1981 وهي الجسم الذي خلف الحكم العسكري الإسرائيلي للأراضي المحتلة عام 1967.

يوضح حسين لرصيف22 أن تشييد البيوت في مناطق الضفة الغربية يتطلب تكاليف عالية تصل أحياناً إلى أكثر من 70 ألف دولار للواحد منها، "وهذا المبلغ كبير بالنسبة إلى غالبية الناس الذين يلجأون إلى بناء المساكن على مراحل متعددة، خلال فترة زمنية قد تصل أحياناً إلى عام كامل"، مشيراً إلى أنّ القرار المذكور يقلل من أعداد المواطنين القادرين على البناء.

هذه الحالة ليست نادرة، وهي ليست الطريقة الوحيدة التي تتبعها إسرائيل للتضييق على سكان الضفة، ولتثبيت قدميها على أكبر قدر ممكن من الأراضي، متجاوزةً بذلك كلّ الاتفاقات المبرمة بينها وبين السلطة الفلسطينية والقوانين والمواثيق الدولية المنظمة للعلاقة بين الاحتلال وأصحاب الأرض.

ولفهم ما يجري في الضفة الغربية، من الضروري شرح تقسيمها الجغرافي والإداري بموجب اتفاق أوسلو المُوقع بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية عام 1993، وكان من المفترض أن يتم على أثره منح الفلسطينيين حكماً ذاتياً في الضفة الغربية وقطاع غزّة، لكنّ السياسات الإسرائيلية حالت دون ذلك.

بحسب الاتفاق المذكور، تمّ تقسيم الضفة إلى ثلاث مناطق: منطقة "A" تتبع للسيطرة الفلسطينية الكاملة (أمنياً وإدارياً) وتشكل ما نسبته 18% من مساحتها الإجمالية البالغة حوالي 5,860 كم² ومنطقة "B" تخضع للسلطة الفلسطينية من الناحية الإدارية وتحتفظ إسرائيل بحق السيطرة الأمنية عليها وتبلغ مساحتها حوالي 18.3% من المجمل؛ أمّا المنطقة الثالثة "C" فتقع بشكل كامل تحت السيطرة الإسرائيلية وتشكل مساحتها نحو 61% من الضفة.

بالعودة إلى قرية نحالين التي يسكنها السيد محمود، سنجد جزءاً منها تقدر مساحته بـ1132 دونماً يقع ضمن المنطقة "B" وهو مأهول بالسكان، والجزء الآخر يقع ضمن المنطقة "C" وتبلغ مساحته 16118 دونماً، ما يعني أنّه يخضع للحكومة الإسرائيلية أمنياً وإدارياً، ويُمنع فيه البناء أو الزراعة إلا بتصريح من الإدارة المدنية.

الحواجز... قصة أخرى

معاناة أخرى يسردها لرصيف22 إبراهيم عامر (49 عاماً). يقول: "سابقاً كنت أحتاج دقائق معدودة لقطعِ الطريق الفاصلة بين منزلي الواقع في قرية 'كفر قدوم'، شرق محافظة قلقلية في شمال الضفة، ومنزل ابنتي المتزوجة عبير الذي يقع في مدينة نابلس"، ويضيف: "اليوم، وبسبب حاجز إسرائيلي يفصل قريتي عن محيطها، أضطر إلى قطع مسافة تبلغ أربعة أضعاف السابقة للوصول إلى ذات المكان".

فمنذ عام 2003، أقامت إسرائيل حاجزاً على مدخل القرية، وعلى أثر ذلك حوّلت الطرق القريبة منه إلى شوارع أمنية تخدم الجنود ومستوطني مستوطنة 'قدوميم' المُقامة على أراضي القرية المذكورة. ويلفت عامر إلى أن هدف ذلك هو محاولة فصل الأهالي عن الواقع، من خلال إشغالهم بالتفاصيل اليومية.

ويبيّن أنّ أهالي قريته أصبحوا يعبرون بلدات أبعد من تلك التي اعتادوا عليها للوصول إلى منازلهم، "وهذا الأمر يسبّب احتقاناً، ظهرت ملامحه قبل ثماني سنوات، من خلال هبةٍ شعبية توجهت نحو كافة العوائق الإسرائيلية المنتشرة في المحافظة، وهي خمسة دائمة وأخرى تُنصب في حالات الطوارئ".

أمّا الطالب محمد يونس (20 عاماً) الذي يسكن مدينة بيت لحم ويدرس في جامعة الخليل، فيروي لرصيف22 أنّ هاجس الحواجز يلاحقه منذ زمن، فكثيرة هي الساعات التي قضاها منتظراً سماح الجنود له بعبور نقطة التفتيش المسماة بـ’دوار عتصيون’ للوصول إلى جامعته، ذاكراً أنه تمّ إرجاعه عن النقطة عدّة مرات دون إبداء أيّ أسباب، ما حرمه من محاضرات كثيرة.

و"دوار عتصيون" هو مفترق طرق إلى مجمع مستوطنات "غوش عتصيون"، ويقع شمال مدينة الخليل.

ويشير يونس إلى أنّه اعتُقل أثناء مروره على الدوار في يناير 2018، بتهمة الانتماء إلى حركة حماس والنشاط ضمن إطارها الطلابي داخل الجامعة. اقتاده الجنود آنذاك إلى سجن "عتصيون" حيث أمضى ثلاثة أشهر.

وتقسم إسرائيل الضفة الغربية إلى ثلاثة أجزاء رئيسية من خلال حاجزين، هما "زعترة" الذي يفصل بين الوسط والشمال ويقع على أراضي قرية ياسوف وسط الضفة، وحاجز "الكونتينر" الذي يقع قرب بلدة السواحرة الشرقية، جنوب الضفة، ويفصل بين الجنوب والوسط.

وتُضاف إلى ذلك سلسلة طويلة من الحواجز والعوائق بلغ عددها في نهاية عام 2018 حوالي 700 حاجز، بحسب تقرير أصدره مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة (أوتشا).

هذا عدا ما سببه جدار الفصل العنصري الذي يبلغ طوله حوالي 700 كيلومتر ومتوسط ارتفاعه سبعة أمتار، وبدأت إسرائيل في إقامته عام 2002 لغرض الفصل بين مناطق الضفة والداخل وصادرت لأجله آلاف الدونمات من الأراضي وقطّعت أوصال القرى، وفرضت قيوداً على الفلسطينيين الذين يعيشون على جانبيه، ومنعتهم من الوصول إلى أراضيهم الزراعية عبر البوابات المنتشرة على طوله، والتي يبلغ عددها 81 بوابة، إلا من خلال تصاريح خاصة.

الاستيطان ينهش الأرض

منذ أن سيطرت على الضفة الغربية عام 1967، تتعمد إسرائيل نهش أراضيها بحجة الأمن الذي تتخذ منه ذريعة للاستيلاء على الأراضي لإقامة المستوطنات والحواجز وغيرها من المنشآت، ثم تعمل على ربطها بعضها ببعض من خلال طرق وجسور وتحوّلها إلى تجمعات استيطانية كبرى مرتبطة بمدن الداخل.

وذكرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في تقرير نشرته للكاتبة المختصة بالشؤون العربية عميرة هاس أنّ سلطات الاحتلال تتبع أساليب متعددة لمصادرة أراضي الضفة، منها "أمر وضع اليد", فمنذ عام 1969 أصدرت الأخيرة أكثر من 1150 أمراً لوضع اليد على أراضٍ فلسطينية، بذريعة الحاجة الأمنية والعسكرية، مشيرةً إلى أنّ ذلك سهّل على إسرائيل مصادرة أكثر من 100 ألف دونم، تمّ تحويل ملكيتها ليهود.

هكذا يعيش الفلسطينيون في الضفة الغربية وهذه أساليب إسرائيل في التضييق عليهم وهكذا "تُقضَم" أراضيهم أمام أعينهم
هل تعرف أن إسرائيل تنصب أكثر من 700 حاجز في الضفة الغربية؟ هكذا يعيش أبناء الضفة في مدنهم وقراهم

ووفقاً للتفاصيل الواردة في التقرير الذي نُقلت معلوماته من دراسة أعدّها الباحث في سياسة الاستيطان الإسرائيلية درور آتكس، هناك طريقة أخرى تعتمدها إسرائيل، وهي إعلان الأراضي الفلسطينية كوقفٍ للدولة، وهو إجراء يقوم على الاستيلاء عل أراضي وأملاك الغائبين مثلاً وإعلانها وقفاً للدولة وملكاً لها، ووفقاً له تمّ منذ ثمانينيات القرن الماضي الاستيلاء على أكثر من 750 ألف دونم من أراضي الضفة.

قيود تفصيلية

وفي جانب السماح لأهالي الضفة بدخول مدن الداخل، تفرض إسرائيل قيوداً على الحركة والتنقل، من خلال اعتمادها نظام التصاريح الذي يمنع الفلسطينيين الذين يسكنون الضفة من دخول إسرائيل إلّا بعد الحصول على تصريح من الإدارة المدنية، وهو تصريح يُمنح في حالات محدودة جداً هي العمل أو العلاج الطبي أو زيارة الأقارب أو المشاركة في فعاليات وأنشطة المؤسسات الدولية.

وتخضع عملية إصدار التصاريح إلى نظامٍ غير معلن للعامّة يفتقر إلى الشفافية وفقاً لما ذكره "مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة" (بتسليم). فمعظم مقدمي الطلبات لا يمكنهم التنبؤ بإمكانية قبول أو رفض طلبهم، وتُرفض طلبات كثيرة بدون توضيح الأسباب، إضافة إلى أنّ إسرائيل تتمسك بحقها في سحب طلب التصريح بعد الموافقة عليه.

من جهةٍ أخرى، يبلغ عدد العمال الفلسطينيين الذين يسكنون الضفة ويشتغلون داخل إسرائيل حوالي 127 ألف عامل، بحسب إحصاء صادر عن مركز الإحصاء الفلسطيني لعام 2018، وكانت الحصة الأكبر لمَن لديهم تصاريح عمل بنسبة 59%، والعاملون دون تصاريح عمل (تهريب) نسبتهم 30%، أما حاملي البطاقة الإسرائيلية أو جواز سفر أجنبي فنسبتهم 11%.

ويعمل الفلسطينيين في الداخل وفقاً للقانون الإسرائيلي الذي يفرض على المشغّلين الراغبين بجلب أيدي عاملة أجنبية، بما فيهم الفلسطينيون، تقديم طلب للسلطات الإسرائيلية لاستخراج تصاريح لهم، وتقوم بهذا الإجراء وحدة خاصّة تتبع لوزارة الداخلية الإسرائيلية تمّ إنشاؤها عام 2008.

ولا تكتفي إسرائيل بتلك الإجراءات، بل تسعى إلى توسيع منظومة القيود الأمنية من خلال السيطرة على تفاصيل الحياة الأخرى. والحديث هنا عن شوارع الضفة التي تستولي إسرائيل على 59.22 كيلومتراً منها بحسب ما جاء في تقرير لوكالة الأنباء الفلسطينية، وتخصصها لاستعمال المستوطنين، وتحظر على أبناء الضفة قطعها بالسيارات، وتفرض عليهم النزول من سياراتهم والمشي على الأقدام للوصول إلى الشوارع الأخرى التي لا يسري عليها الحظر، وهناك يضطرون إلى ركوب سيارات الأجرة لبلوغ مقصدهم.

نهب القطاعات الحيوية

وتعاني الضفة الغربية من أزمة مياهٍ خانقة سببها الرئيسي الاحتلال الذي يتعمد سرقة منابع ومصادر المياه الفلسطينية، في ظل استمرار تطبيق اتفاق حصول إسرائيل على 80% من المياه الجوفية المشتركة بين الضفة وإسرائيل، رغم أنه كان يجب أن ينتهي عام 2000.

وكان الاتفاق الانتقالي (أوسلو ب) الموقّع عام 1995 قد نص على عدم تقييد تزويد الإسرائيليين بالمياه، فيما قيّد تزويد الفلسطينيين بالمياه، كما نصّ على شرائهم 31 مليون كوب سنوياً من إسرائيل.

ولأسباب تقنية مختلفة وبسبب عراقيل تضعها إسرائيل، يستخرج الفلسطينيون نحو 60% فقط من كمية المياه التي حددها الاتفاق لهم، ما يضطرّ السلطة الفلسطينية إلى شراء نحو 69 مليون كوب من شركة "مكوروت" الإسرائيلية.

ولقطاع الاتصالات الفلسطيني حكاية أخرى، فإسرائيل تعمّدت ضربه بصورة ممنهجة، عبر إتاحة فرصة العمل في الضفة أمام ثمانية شركات إسرائيلية بشكلٍ غير قانوني، رغم أن المفترض أن تقصر تغطية شركاتها على المناطق الإسرائيلية فقط بحسب الاتفاقات، أيّ أنّ تلك الشركات تقدم خدماتها دون أن تلتزم بدفع ضرائب للخزينة الفلسطينية.

وبلغ عدد الشرائح الإسرائيلية الفعالة في السوق الفلسطيني حوالي 600 ألف شريحة في نهاية عام 2018 يدفع حاملوها حوالي 100 مليون دولار سنوياً للشركات الإسرائيلية، وفقاً لما أعلنت عنه مؤخراً وزارة الاتصالات الفلسطينية.

أمّا الكهرباء، فتحتكر إسرائيل هذا القطاع الحيوي من خلال ربطها شركات التوزيع الفلسطينية التي تزود منازل أهالي الضفة بها بشركات التوليد الإسرائيلية. وتطفو بين الفترة والأخرى على السطح أزمات في هذا الملف، مثل تهديد إسرائيل بقطع الكهرباء بسبب عدم سداد السلطة للمستحقات المالية، وكذلك تخفيض كمية الكهرباء الواصلة إلى شركات التوزيع الفلسطينية بين وقتٍ وآخر.

مستقبل الصراع

يرى المحلل السياسي عبد المجيد سويلم أنّ التغول الإسرائيلي في فرض القيود على حياة أهل الضفة يخلق صعوبة أمام الأطراف الساعية إلى إيجاد حل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لا سيما وأنّ أحد أهم الأهداف المعلنة لتلك الإجراءات هو مسح الحدود التي رُسمت بعد حرب عام 1948 وفرض واقع جديد على الأرض يعقد فكرة إقامة دولة فلسطينية على حدود الأراضي المحتلة عام 1967.

ويضيف لرصيف22 أنّ تلك الخطوات المتعاقبة، أعادت الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى الحلقة الأولى، أيّ أنّ الصراع أصبح اليوم على كلّ فلسطين، بعد أن كان في فترة من الفترات يقتصر على الأراضي المحتلة عام 1948.

ويلفت إلى أن استمرار إسرائيل في تلك الخطوات لن يقود أبداً إلى حل دولتين متجاورتين لشعبين، بل سيأخذنا نحو دولة واحدة بقوميات متعددة، أو دولة قائمة على التمييز العنصري.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard