رغم الركود الفني والخلاف السياسي.. منتجو مصر يلجأون للممثّلين الأتراك بالعملة الصعبة!

الأربعاء 3 أبريل 201907:12 م

تعيش صناعة السينما المصرية ظاهرة مثيرة للدهشة، بعد الإعلان عن اشتراك عددٍ من كبار النجوم الأتراك في أفلام متوقع عرضها قريبًا على الشاشات المصرية، في وقت يشهد خلافًا سياسيًا متصاعدًا بين القاهرة وأنقرة، تفجر منذ ثورة 30 يونيو، وعدم رضى تركيا ورئيسها أردوغان عن عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، وهو الأمر الذي تشعب في مناحي متعددة كان آخر حلقاتها الخلاف حول ترسيم حدود اكتشافات الغاز الطبيعي في منطقة البحر المتوسط.

فنيًا، هناك حالة من الجدل والخوف المستشري في الوسط الفن المصري، بسبب موجة الركود التي أصابت حتى كبار النجوم، ففي الوقت الذي يشتكي فيه عدد كبير من الفنانين المصريين من قلة الأعمال التي تعرض عليهم، نتيجة لتقلص حجم الإنتاج السنوي من المسلسلات التي يُصدرها المنتجون، الأمر الذي انعكس بطبيعة الحال على تدني الأجور وضعف الظهور، وهي ظاهرة تهدد الكثير من الفنانين بالتحول لعاطلين لو استمرت، حسبما صرحت المخرجة كاملة أبو ذكري في منشور لها عبر "فيسبوك".

رغم ذلك، لم يتوقف تدفق الأتراك على الاستوديوهات المصرية، بعد الإعلان عن مشاركة نجم مسلسل "حريم السلطان" الفنان خالد أرجنش الشهير بـ"السلطان سليمان"، والحديث عن احتمالية مشاركة الفنانة مريم أوزرلي الشهيرة بـ "السلطانة هيام"، الأول في فيلم"كازبلانكا" من إنتاج وليد منصور، بطولة أمير كرارة، وعمرو عبد الجليل، وباسل خياط، والثانية تشارك الفنان محمد عادل إمام بطولة فيلمه الجديد "لص بغداد" للمنتج تامر مرسي، المسؤول عن "إعلام المصريين"!

على الفضاء الإلكتروني، خرجت أصوات رافضة مشاركة الأتراك، حيث آثار الأمر جدلًا مع رواد مواقع التواصل الاجتماعي، مهاجمين المنتجين المتعاقدين مع هؤلاء الممثلين، قائلين: "هل خلَت مصر من ممثليها ونجومها حتى نستورد ممثلين أتراك تشارك في بطولات الأفلام المصرية؟ وهل خلت السينما المصرية من المواهب والكفاءات التمثيلية لكي نتجه وننتقي ممثلين من الخارج؟".

موقف نقابة المهن التمثيلية.. زيادة الرسوم هي الحل

ومن جانبها عقدت نقابة المهن التمثيلية برئاسة الفنان أشرف زكي، اجتماعًا لمناقشة ظاهرة "الغزو التركي للسينما المصرية"، كما وصفته الصحف المصرية، وذلك من أجل اتخاذ إجراءات لحماية المهنة، والنجوم المصريين من حجب الفرصة عنهم، مما أسفر عن قرارٍ بزيادة الرسوم المقررة على مشاركة الأجانب في الأعمال المصرية سواء كانت بالدراما أو السينما.

وأوضح الفنان سامي مغاوري عضو المجلس، في تصريحاته لـ"رصيف 22" أنهم قرروا زيادة رسم مشاركة الأجانب من 5 آلاف لـ10 آلاف دولار، بعدما كانت تتراوح من 10 آلاف جنيه مصري لعضو نقابة الممثلين في بلاده إلى 20 ألف لغير العضو، مشيرًا إلى أن النقابة استثنت من هذا القرار الفنانين العرب، منوهًا بأن هذا القرار يخص فقط الممثلين الحاملين للجنسيات غير العربية.

وفي تصريحات خاصة لـ"رصيف 22" قال الناقد الفني طارق الشناوي، إن صناعة السينما والدراما في العالم كله تُبنى على قانون العرض والطلب، وأنه ليس على النقابة محاسبة الصانعين على اختياراتهم للممثلين بناء على جنسياتهم، ويجب التعامل مع هذه الأمور بطرق مختلفة، مشيرًا إلى أن هناك العديد من الممثلين يشاركون في أعمال كثيرة، فيما أن آخرين لا يعملون، وبإمكان النقابة أن تسند أدوار لهم في مقابل انتزاعها ممن يشتغلون في مشاريع عدة لحل الأزمة.

وتابع: "الصناعة في العالم كله سواء الدراما أو السينما، فهو متبعًا لقانون العرض والطلب، ومنذ قديم الزمن ومصر هي هوليود الشرق، ويأتي إليها صغار الفنانين من كل دول العالم ويصبحوا فيها نجومًا لامعين، لذلك لا يجب أن نُدخل الصناعة في أيّ أزمات سياسية، حتى لا يتمّ التأثير عليها بالسلب".

وأضاف الشناوي: "التنافسية موجودة في العالم كله، فعندما يذهب الفنانين العرب للمشاركة في الدول الأجنبية لا يخرج أحد ليعترض على وجودهما، وعلى سبيل المثال الفنان عمرو واكد، وخالد النبوي، والراحل عمر الشريف، وعبدالله غيث، والكثيرين".

تاريخ الغزو التركي الناعم للبيت المصري

قبل أن يحدث أي جلل وأزمات حول "غزو" النجوم الأتراك للصناعة في مصر، كانت بالفعل حققت مرادهابدخولها كل البيوت المصرية عن طريق مسلسلاتها، دون أن يشعر أحد، بداية من المسلسل الشهير "العشق الممنوع" 2005، من وقتها حتى وقتنا هذا، تحرص ربات اليبوت على متابعة أعمالهم، على مدار الـ14 سنة الماضية، مما حفز صناع الدراما المصرية لتقليدهم عن طريق المنافسة خارج المواسم المقرر المشارك فيها، وإصدار مسلسلات تتخطى حاجز الـ60 حلقة، مثل "أبو العروسة"، و"طلعت روحي".

فخلال السنوات الماضية شهدت الصناعة في تركيا ازدهارها، فحتى السنة الماضية كانت احتلت أعمالها 142 دولة، من بينهم مصر، بحجم تصدير وصل نحو 350 مليون دولار، مما جعل الطلب يتزايد عليها، لتحتل بذلك المرتبة الثانية عالمًيا في تصدير المسلسلات بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وفق إحصائيات رسمية ذكرها موقع "فاريتي" الأمريكي المتخصص في عالم التلفزيون والسينما، مما يدل على تحقيقها نجاحًا ملحوظًا خلال السنوات العشر الأخيرة.

مشاركة النجوم الأتراك في السينما والدراما المصرية لم يكن أبدًا بالحدث الجديد، ففي عام 2003 كان هناك تعاون شهير بفيلم "هروب مومياء" الذي شارك في بطولته الفنانين سامي العدل، وماجد المصري، ونيللي كريم، وفتحي عبد الوهاب، ومن تركيا نورغول يشيلتشاي، وسلامة شاهين، وديليك سيربيست، وتوبا أونسال، وبرهان سيمسيك، وفي عام 2010 شارك التركيان أمري ثباتي، وسلامة شاهين مع المصريين أحمد السقا وخالد النبوي في فيلم "الديلر".

 حالة من الجدل والخوف المستشري في الوسط الفن المصري، بسبب موجة الركود التي أصابت حتى كبار النجوم.

وفي 2013، حاول أيضًا بعض المنتجين الفنيين مثل دينا كريم، وصفوت غطاس، وعصام شعبان، الاستعانة بنجوم أتراك للدخول في الدراما المصرية، وأثاروا جدلًا كبيرًا وقتها، وانتهت في النهاية بمشاركة بعضهم،ومن بينهم الممثلة التركية سونجول أودن، المعروفة عربيًا باسم "نور"، في مسلسل "تحت الأرض" لتقوم بدور البطولة أمام النجم أمير كرارة، والنجمة بيرين سات.

قال المخرج عصام الشماع، في تصريحات خاصة لـ جريدة "المصري اليوم" المصرية، إن القوة الناعمة في مصر المتمثلة في صناعة الفن والسياحة على وشك الانهيار، ولا مانع من مشاركة ممثلين أتراك في المسلسلات المصرية، ولو أن الظروف التي نعيشها كانت أفضل من ذلك لقلت كلمتين تقليديتين حول ضرورة الحفاظ على الممثل المحلي، ولكن يجب أن نعذر صناع الدراما لأنهم في محنة حقيقية.

قرارٍ بزيادة الرسوم المقررة على مشاركة الأجانب في الأعمال المصرية سواء كانت بالدراما أو السينما من 5 آلاف لـ10 آلاف دولار

ومن جانبه أعرب الفنان أحمد فؤاد سليم،في تصريحات خاصة لـ"سكاي نيوز" عن رفضه لفكرة الاستعانة بممثلين أتراك في الدراما المصرية، مشيرًاإلىأن ذلك أمر خطير الذي يؤدي إلى فوضى لا تختلف عن الفوضى الموجودة في الشارع.

"صناعة السينما والدراما في العالم كله تُبنى على قانون العرض والطلب، وأنه ليس على النقابة محاسبة الصانعين" الناقد طارق الشناوي

بينما اعتبرت الناقدة ماجدة موريس، في تصريحها لـ"سكاي نيوز" أن لجوء صناع الدراما إلى الاستعانة بفنانين أتراك في أعمالهم يعد مسلكًا "غيرصحيح" إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك لإضفاء المصداقية على موضوع المسلسل، مشيرة إلى أن الأمر يتوقف على دوافع الاستعانة بهم وهل سيجسد هؤلاء الفنانين الأتراك شخصيات مصرية أم تركية، وهل سيتم دبلجة أصواتهم أم سيكون هناك من يتحدث بلسانهم.

ورجحت "موريس" لجوء العديد من صناع الدراما إلى الدفع بالممثلين الأتراك إلى رغبتهم في الاستفادة من الإقبال الجماهيري على أعمالهم ورغبة جهات الإنتاج ف يتسويق تلك الأعمال بشكل جيد ومحاولة تسويقها أيضًا إلى تركيا.

وقتها اختلف رد فعل نقابة المهن التمثيلية، متمثلًا في رئيسها الفنان أشرف عبد الغفور، الذي قال في تصريحات خاصة لجريدة "المصري اليوم" : "لا أرى مشكلة في الأمر، مصر تفتح أبوابها دائما أمام المبدع الأجنبي لأن الفن ليس له جنسية، وهناك فنانون من سوريا ولبنان وتونس بنوا مجدهم الفني من العمل في مصر التي تحتضن المواهب حتى في أصعب الظروف التي نعيشها حالياً"، مؤكدًا على أن مشاركتهم لن تتسبب في زيادة البطالة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard