الحبس الاحتياطي... وسيلة النظام الموريتاني لقمع الأصوات المعارِضة

الأربعاء 3 أبريل 201906:13 م

في السجن المدني في العاصمة الموريتانية نواكشوط، يقبع منذ 27 مارس الماضي الناشطيْن الشيخ ولد جدو وعبد الرحمن ودادي. هما في حالة "حبس احتياطي"، بعدما أمر قاضي التحقيق بإيداعهما السجن، في انتظار مزيد من جلسات الاستماع.

التهمة الموجّهة إلى الناشطيْن هي "الافتراء"، على خلفية إعادة نشرهما وتعليقهما على أخبار تفيد بتجميد أموال في دبي تعود إلى الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، كانت قد تداولتها وسائل إعلامية وشخصيات ناشطة على شبكات التواصل الاجتماعي.

في 22 مارس، قالت النيابة العامة في موريتانيا في بيان إن السلطات الموريتانية توصّلت إلى أن قصة الأموال المجمدة غير المشروعة غير صحيحة، وستحقق مع الأشخاص الذين اتهمتهم بنشر معلومات كاذبة عن قصد.

لكن الاعتقال والإحالة إلى السجن لم تطلْ سوى ودادي وولد جدو، وأثار حبسهما موجة انتقاد واحتجاج. وطالبت منظمة "هيومن رايتس ووتش" السلطات الموريتانية بإطلاق سراحهما، مضيفةً أنهما "محتجزان بسبب تعبيرهما السلمي". وبدورها، طالبت منظمة "مراسلون بلا حدود" النظام الموريتاني بالتوقف عن ملاحقتهما، ونددت بسجنهما.

كذلك، تضامنت مع الناشطيْن أحزاب موريتانية وشخصيات حقوقية بارزة، كالمرشح للرئاسيات، الناشط الحقوقي بيرام ولد الداه ولد أعبيد. ونظّمت حملة الحريات في موريتانيا، في الأول من أبريل، وقفة احتجاجية أمام السجن المدني في نواكشوط للمطالبة بإطلاق سراحهما، شارك فيها ناشطون سياسيون وحقوقيون وصحافيون ومواطنون، كما نظّم الأهالي وقفة ثانية في الثالث من أبريل.

والشيخ ولد جدو هو ناشط وخبير قانوني وكاتب فرانكوفوني ويدلي باستمرار بآرائه عبر شبكات التواصل الاجتماعي. أما عبد الرحمن ودادي فهو ناشط سياسي يعمل حالياً مقاول بناء، وعمل سابقاً في الصحافة، وترأس تحرير صحيفة "تقدمي" الإلكترونية ذائعة الصيت، ويكتب باستمرار في الشؤون السياسية والاجتماعية في موريتانيا.

وكانت شرطة الجرائم الاقتصادية قد استدعت الناشطيْن في السابع من مارس واستجوبتهما بشأن كتاباتهما عن الحسابات المصرفية المزعومة، وصادرت بطاقتي هويتهما الوطنية وجوازي سفرهما. وفي 22 مارس، عادت واستدعتهما مجدداً واعتقلتهما، كما فتشت منزليهما في الـ25 من الشهر نفسه.

لماذا اعتُقل ودادي وجدو؟

أثار سجن الناشطيْن وسير قضيتهما الكثير من اللغط والجدل. تتحدث الناشطة مليكة محمد لمين، زوجة عبد الرحمن ودادي، لرصيف22 عن أسباب اعتقال زوجها وتقول: "عبد الرحمن، رسمياً سُجن بسبب منشور على فيسبوك، ولكن في الواقع هو مسجون بسبب نشاطه السياسي وفضحه لتورط أسرة عزيز في أكبر عملية احتيال شهدها تاريخ موريتانيا".

وتشير في حديثها إلى القضية المعروفة بـ"قضية الشيخ الرضا"، وهي قضية شيخ يُدعى علي الرضا بن محمد ناجي الصعيدي، يقوم منذ سنوات بشراء منازل من مواطنين موريتانيين بأثمان مرتفعة دون أن يدفع ثمنها فوراً بل يتعهّد بتسديده لاحقاً، ثم يقوم لاحقاً ببيعها بسعر أقل إلى أشخاص آخرين.

وعبر الوقت، تراكمت عليه ديون بسبب نشاطه الغريب حتى وصلت بحسب متابعين للملف إلى نحو 70 مليار أوقية (194 مليون دولار). وهو اليوم يعجز بطبيعة الحال عن سداد ديونه، وضاعت منازل الناس، وبسبب ذلك انطلق حراك مجتمعي كبير، يُطلق عليه اسم "حراك دائني الشيخ الرضا".

ويقدّر عدد دائني الشيخ الرضا بثمانية آلاف أسرة موريتانية، وحضر بعض ضحاياه إلى الوقفة التضامنية مع ودادي وولد جدو، وعبّروا عن رفضهم لاعتقالهما.

وقالت منت محمد لمين: "بخصوص مليارات عزيز المجمدة، علق عبد الرحمن، كغيره، ولم يكن الأول، على خبر متداول حول تجميد أموال لولد عبد العزيز في دبي، لكن السلطات أوقفته هو والشيخ ولد جدو دون غيرهما، ولا تفسير لدي لذلك إلا معاقبته على معارضته وفضحه لفساد عزيز ونشره لوثائق تثبت تورط عائلة عزيز في قضية الشيخ الرضا".

وسبق أن نشر ودادي وثائق تثبت تورّط أحمد، نجل الرئيس محمد ولد عبد العزيز، في شراء الكثير من المنازل التي اشتراها الشيخ الرضا، بأثمان بخسة.

وتابعت مليكة محمد لمين: "سير القضية يثبت أن الأمر مجرد تصفية حسابات مع خصوم سياسيين، منذ يوم الاعتقال الأول، والتهمة الموجهة لهما منافية للقانون"، لافتةً إلى "منع فريق الدفاع عنهما من الحصول على ملف القضية لمتابعتها حتى يومنا هذا، في ظل الحديث عن أدلة سرية تدين عبد الرحمن".

وأبدت تعجّبها من "الطريقة التي تم بها توقيف بحام (لقب عبد الرحمن) والتحفظ على أوراقه الثبوتية ومنع المحامين من التواصل معه واستجوابه في عطلة الأسبوع دون حضور محاميه، واتهامه من طرف وكيل الجمهورية بالافتراء رغم تهافت هذه التهمة وكونها لا تنطبق أصلاً على حالة ودادي والشيخ جدو، بل تنطبق على منظمات المجتمع المدني التي طالبت بفتح تحقيق بخصوص القضية لدى الجهات المعنية".

كذلك، أبدت تعجّبها من "اقتحام منزلنا وتفتيشه بعد توقيف عبد الرحمن لدى شرطة الجرائم الاقتصادية التي يُفترض أن تستدعي الشيخ الرضا وجماعته، المسؤولين عن أكبر فضيحة مالية، بدل تأمين الحراسة له على حساب ميزانية الدولة" ومن "إيداع عبد الرحمن والشيخ ولد جدو في الحبس الاحتياطي، رغم أن الحبس الاحتياطي لا يدخل في إطار القانون الموضوعي كعقوبة لجريمة".

وخلصت محمد لمين إلى القول: "هذا النظام الرديء عوّدنا على انتهاك القوانين وحقوق الإنسان ومصادرة الحريات وإيداع معارضيه والأصوات التي تفضح فساده في السجون".

يقول المحامي وأستاذ الحريات العامة وحقوق الإنسان في كلية القانون في جامعة نواكشوط يعقوب ولد السيف لرصيف22: "الشيخ وعبد الرحمن مدوّنان في مجال يوجد فيه مئات الناس، واستهدافهما ليس متعلقاً بما قالاه في قضية الأموال المجمّدة، فكما يحدث دوماً، لا يوجد معارض إلا ويقول إن الدولة نهبت، يعني لا جديد في المسألة، وبالتالي فإن هذا الاستهداف يتعلق بأمور تعني السلطة نفسها".

وبرأيه، فإن "مساءلتهما هي أولاً بلا معنى واستهداف خارج القانون، والمسطرة التي اتُبعت فيها فاسدة". ويتابع أن "النيابة العامة تصدّت للتحقيق في مسألة لا تعنيها، وهما لا يجب أن يُساءلا ولا أن يتم توقيفهما، وإن تم توقفيهما فالموضوع يتعلق بجنحة ولا يتطلب حبساً احتياطياً، فلا توجد وقائع خطيرة في قضيتهما ولا يوجد خوف من هروبهما، وبالتالي فإن شروط الحبس الاحتياطي غير موجودة، والكيدية والاستهداف واضحان".

تحويل الحبس الاحتياطي إلى عقوبة

قضية الشيخ ولد جدو وعبد الرحمن ودادي أعادت إلى الأذهان قضايا كثيرة مشابهة اعتُقل فيها معارضون وزُجّ بهم في السجن دون محاكمة ولا مسطرة قانونية سليمة.

"هذا النظام الرديء عوّدنا على انتهاك القوانين وحقوق الإنسان ومصادرة الحريات وإيداع معارضيه والأصوات التي تفضح فساده في السجون"... موريتانيون يعترضون على سجن الناشطيْن الشيخ ولد جدو وعبد الرحمن ودادي
"هذا لا يقابله إلا كلمة فرعون حين قال ‘وإنهم لنا لغائظون’. صار كل شخص يزعج فرعون أو النظام السياسي يُحبَس احتياطياً"... موريتانيون يعترضون على تحويل الحبس الاحتياطي إلى عقوبة بهدف قمع معارضي النظام

فقد سبق أن قضى السناتور السابق محمد ولد غدة ما يقارب السنة في الحبس الاحتياطي، دون أن يحصل على محكامة، وحصل الأمر نفسه مع الناشط الحقوقي والسياسي بيرام ولد الداه ولد أعبيد الذي قضى خمسة أشهر في الحبس الاحتياطي، ومع آخرين.

وشرح يعقوب ولد السيف لرصيف22 أن قانون الإجراءات الجنائية نظّم الحبس الاحتياطي ووضع له ضوابط، فليس كل اتهام يُحبس صاحبه احتياطياً، بل فقط في حالة الخوف من إخفاء المتهم لأدلة، أو الخوف من هروبه أو من ارتكابه جرائم جديدة. كما أن من حق الشخص قبل أن يكون هناك حكم نهائي عليه طلب حرية مؤقتة، و"هو يدخل في الإجراءات وليس عقوبة، أما العقوبة فهي ما يحكم به القاضي بعد أن يستأنف المتهم".

وتابع: "لكن الذي حدث في موريتانيا هو أنهم نزعوا الحبس الاحتياطي من طبيعته الإجرائية، فأصبح عقوبة تطبّقها الدولة على الناس. وحسب وجهة نظري، هذا لا يقابله إلا كلمة فرعون حين قال ‘وإنهم لنا لغائظون’، إذ صار كل شخص يزعج فرعون أو النظام السياسي يُحبس احتياطياً، واحتياطياً أصبحت هنا من قانون العقوبات ولم تعد من قانون الإجراءات، وطُبّق ذلك على بيرام".

يقلق هذا الوضع القانونيين والحقوقيين في موريتانيا. ويقول المحامي الموريتاني إبراهيم ولد أبتي، محامي ودادي وولد جدو: "يلاحَظ في سير القضاء الموريتاني عدم استقلالية قضاة التحقيق عن النيابة العامة، والنيابة العامة مجرد ذيل لوزير العدل الذي هو عضو في السلطة التنفيذية، وبالتالي قضاة التحقيق حريتهم محدودة جداً إنْ لم تكن معدومة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard