غرب الدلتا بعد 2011: التغيير في الفضاءات العامّة والحضور النسائيّ فيها

الأربعاء 3 أبريل 201904:26 م

وُلدتُ في محافظة كفرالشيخ وهي تقع في غرب الدلتا بمصر، وكانت إقامتي بأحد مراكزها " فُــوَّه" التي يغلب عليها الطابع الريفي أكثر من الحضري. تركتُ المدينة للإقامة في القاهرة من أجل الدراسة بالجامعة، وأصبحت العودة للزيارات فقط، وعلى مراحل كانت قصيرة في البداية، إلى أن أصبحت الزيارات يمكن عدّها على أصابع اليدين سنوياً. منذ الطفولة وإلى أن تركت كفرالشيخ، كان الشارع أو الفضاء العام مختلفاً بشكل كبير عمّا أصبح عليه الآن، وبعد مرور ثمانية سنوات على ثورة يناير.

قبل 2011 كان وسائل الترفيه لدينا تدور حول التسكّع بعد دروس الثانوية، أو الذهاب لأحد محلات "البلاي ستيشن" أثناء الإجازات الأسبوعيّة، أما أثناء الأعياد الرسميّة، فكان السفر إلى المصايف هو الحلّ، بَيْدَ أن الجلوس في المقاهي لم يكن الخيار المفضّل لدى الكثيرين، أما بعد الثورة فقد تغيّر الحال كثيراً.

الحضور النسائي في المقاهي

أتذكّر جيداً أوّل مرّة جلست فيها في أحد المقاهي في مدينتنا، كان ذلك أثناء الثورة، وبعدها مباشرة مع أحد الأصدقاء، لتبادل أطراف الحديث حول أمور الحياة والناس ومصر الجديدة التي نحلم بها، وعن المرحلة الجامعيّة التي سوف تبدأ بعد شهور قليلة. لم يكن من المألوف لدينا عادات مثل هذه الجلسات، وظلّ الأمر كذلك، حيث كنا نرتاد مقهى واحداً ولا نعرف غير اثنين آخرين، ولكن بعد مرور ما يقرب من 8 سنوات لاحظنا ازدياد عدد المقاهي بشكل ملحوظ، على مدار السنوات الماضية، كما تعدّدت الخيارات لدينا، وكانت لنا تجربة في العديد من تلك الأماكن الجديدة، لكن المقهى الأوّل كانت له الجاذبيّة الخاصّة في خيالنا.

المعتاد في ذلك الوقت أن يكون المقهى على الطراز الشعبي، أو كما نسمّيه "قهوة بلدي"، والذي يحتوي عدداً محدوداً من المشاريب والشيش السلوم والقص تغلب على قرينتها بالنكهات، بالإضافة إلى سعة المكان وعدد الكراسي لم يكن وفيراً، ولم تكن أشياء من قبيل "الواي فاي" أو المأكولات قد انتشرت حينها. مع مرور السنوات افتُتحت العديد من "القهاوي البلدي"، ولكن التزايد المستمر كان في "الكافيهات" وهي مقاهي ولكن على طراز حضري أو غربي أكثر، حيث تزداد خيارات المشروبات وتحضير المأكولات، وبإمكان الزائر أن يجد "الواي فاي"، بالإضافة إلى اتساع المكان والكراسي المتاحة. أتذكّر جيداً أنه في أوّل الإجازات التي عدتُ فيها من القاهرة، أثناء الجامعة، التقيت بأصدقاء الدراسة الثانويّة، وقرّرنا أن نبدّل وجهتنا ونجلس في أحد المقاهي الجديدة، ولكن لم يكن الجوّ العام محبّباً إلى القلب.

 خلال الأربع سنوات الماضية، وبالتحديد بعد الثلاثين من يونيو2013 ببعض الأشهر وخروج الإخوان المسلمين من المشهد العام، شهدت المدينة ظهورَ بوادر فكرة تواجد مقاه يجلس عليها الشباب والشابات، حيث لم يكن ذلك متواجداً إطلاقاً من قبل، وبالفعل، ففي الثلاثة أعوام الماضية، تمّ افتتاح أكثر من مكان يسمح بتواجد الفتيات فيه، وكان ذلك بمثابة تغييرٍ كبيرٍ في شكل المدينة.

التغييرات في المعمار

اعتبر أن عائلتي هي من أكثر العائلات التي تمارس نشاط الترحال، من منزل إلى آخر ومن بيت إلى آخر، فكانت لي تجربة الاطلاع على عدد لا بأس به من أشكال المنازل الداخليّة وأشكال المباني من الخارج، متنوّعة ما بين المنازل ذات الحجرتين، إلى الثلاث حجرات، مروراً بالمنازل العُلْويّة والأرضيّة، وانتهاءً بالأبراج وناطحات السحاب. لم تعهد مدينتنا تلك الوفرة من المباني الشاهقة وناطحات السحاب، حيث كان الطابع الغالب في المعمار حينها، هو الأبنية ذات العدد القليل من الطوابق، والتي لا تتعدّى الأربعة أو الخمسة في أغلب الأحيان، بالإضافة إلى أن البيوت كانت عادة ما تحمل طابع "بيت العائلة"، بيد أنه لوحظ التوجّه المتتابع إلى البناء على طراز أكثر مدينيّة، فمثلاً ازداد عدد الأبراج السكنيّة بشكل كبير، لتحتلّ الشوارع الرئيسيّة في المدينة، وبالطبع الأطراف التي هي المكان الأنسب لها، كما ظهرت فكرة الأبراج الطبيّة، حيث مبنى إداري للعيادات الخاصّة، سواء فرديّة لمؤسسة طبيّة واحدة، أو عدد من العيادات في مبنى واحد.

 خلال الأربع سنوات الماضية، وبالتحديد بعد الثلاثين من يونيو 2013 وخروج الإخوان المسلمين من المشهد العام، شهدت المدينة ظهورَ بوادر فكرة تواجد مقاه يجلس عليها الشباب والشابات، حيث لم يكن ذلك متواجداً إطلاقاً من قبل.

ظهرت أيضاً العديد من التجمّعات الشبابيّة في مجالات التطوّع والعمل الخيري بشكل أكثر إقبالاً من الشباب والشابات، والجدير بالذكر أن تلك التجمّعات مثّلت متنفساً جيداً للشباب، فهي من الأماكن القليلة التي يظهر فيها اختلاط بين الجنسين في الفضاء العامّ.

مع العلم بوجود مدارس ثانوية مشتركة بين الجنسين، ولكن في واقع الأمر كان الفصل هو سيّد الموقف، حيث كان الاختلاط ممنوعاً في الفصول الدراسيّة والحديث بين الجنسين من الأشياء التي يمكن أن يُعاقب فاعلها أو فاعلتها.

الأنشطة الاجتماعيّة والثقافيّة

قبل العام 2011 اعتدت مع أصدقائي لعب كرة القدم في عدد قليل من الأماكن، كانت أغلبها ملاعب المدارس، بالإضافة إلى عدد قليل جداً من الأندية الشعبيّة داخل المدينة، إلّا أنّه في الأعوام الأخيرة كانت ملاعب الكرة الخاصّة ذات النجيلة الصناعيّة تزداد بشكل ملحوظ، وتزداد معها الأسعار كما كل شيء آخر.

ظهرت أيضاً العديد من التجمّعات الشبابيّة في مجالات التطوّع والعمل الخيري بشكل أكثر إقبالاً من الشباب والشابات، والجدير بالذكر أن تلك التجمّعات مثّلت متنفساً جيداً للشباب، فهي من الأماكن القليلة التي يظهر فيها اختلاط بين الجنسين في الفضاء العامّ، حيث تتشارك الشباب والشابات في الأنشطة التطوعيّة وتنظيم الفعاليات، ويمكن القول أن تلك الأنشطة كانت الفضاء الوحيد الذي يظهر فيه الاختلاط بين الشباب والشابات في سن المراهقة، مع العلم بوجود مدارس ثانوية مشتركة بين الجنسين، ولكن في واقع الأمر كان الفصل هو سيّد الموقف، حيث كان الاختلاط ممنوعاً في الفصول الدراسيّة والحديث بين الجنسين من الأشياء التي يمكن أن يُعاقب فاعلها أو فاعلتها.

قبل العام 2011 كان يمكن أن ترى على يمين الشارع الرئيسي بالمدينة، ترعةً غير مستخدمة لأي غرض، تمّ ردم هذا المسطّح المائي وتحوّل إلى قطعة أرض، وبُني عليها الآن عدد من المقاهي والكافيهات وأماكن تقديم المأكولات السريعة وأكشاك لبيع السجائر، وعلى يمينها أبراج سكنيّة جديدة وفي نهايتها ملعب كرة قدم ذو نجيلة صناعيّة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard