مئة يوم من الثورة السودانيّة: الحياد هو حزب الأغلبيّة

الثلاثاء 2 أبريل 201908:47 م

سألت مغردة سودانيّة عبر موقع تويتر: "اتعلمتوا شنو جديد في الـ100 يوم من الثورة؟" وقبلها بيوم سألتني صديقة تعيش في الخليج عن تقييمي للوضع بصراحة، سأستغلّ هذه المساحة لأجيب، ليس كمحلّلة سياسيّة، كالذين صاروا بين ليلة وضحاها خبراء ثورات شعبيّة، بل من خلال وصف عام غير محايد بطبيعة الحال، وشيء من المشاعر والانطباعات الشخصيّة.

في كل ثورة يوجد ثلاث مجموعات: النظام وأنصاره، الثوار والمؤمنين بالتغيير وأخيراً مجموعة الحياد، دعوني أصف مواقفهم حتى اللحظة عن طريق الملاحظة لا الحقائق.

الثوّار والمؤمنون بضرورة التغيير

خلال الأشهر الأربعة الماضية يمكنني القول بثقة، إن عدد المؤيّدين للتغيير في تزايدٍ مستمرّ، بينما يبقى عدد الثوّار في ثبات. أعرّف الثائر في هذا المقال بالشخص الفاعل في الحراك، سواء كان موجوداً بجسده وصوته في الشارع، يطبع ويوزّع المنشورات الورقيّة، أو ينسّق ويخطط ويحرّض من حوله على الانضمام لطريق النجاة، الثوّار ما زالوا هم ذاتهم، نفس الوجوه، وذات الاشتعال.

لذا فإن الثائر وبعد مئة يوم لم يصبه الإحباط، ذلك الشعور المقيت بالعجز والدوران بزاوية 360 درجة، يدوّخ فقط مناضلي الشاشات والكيبورد، أقصد أمثالي ممن يزاولون مهنهم كلّ صباح، ويعودون في المساء للمنازل، ويتصفّحون الإنترنت ألف مرّة في الساعة، نعيد كتابة الهتاف، لكن الهتاف صامت عبر أصابعنا، باهت وسخيف. نعيش بالتوازي مع المظاهرات، نختار طرقاً لا تمرّ بها المواكب ونتحاشى نقاط التفتيش، حياتنا تتغير، لكن بسرعةٍ لا تناسب طموحنا كمشاهدين، ففي الحقيقة نحن مشاهدون فقط، ما معنى صراخنا الإلكتروني؟ ما قيمة مقالي هذا؟ إن كنت لا أخرج إلى الشارع، لا أحشد أو أنظّم، أي لا "أفعل".

يُبدع النظام في وضع البلاد على درجة حرارة كافية للقمع، لكنها لا تزعج ضمير المجتمع الدولي

لذا عزيزي القارئ، هذه الفئة بالضرورة، ستقول لك بأنه لا يوجد تغيير، فقد مرّت 100 يوم كالعبث، ستسمع منا تحليلات ونقاشات لكننا لا نصنع الحدث، ونعتب على الثوّار وجودة الإنتاج والإخراج والتنفيذ، فلم يعجبنا المشهد بعد، نريد مليونيّةً صاخبةً، ونغار من مشاهد الجزائر التي تضجّ بها التلفزة العربيّة.

النظام وأنصاره

يُبدع النظام في وضع البلاد على درجة حرارة كافية للقمع، لكنها لا تزعج ضمير المجتمع الدولي، تتوالى الأسابيع بجدولٍ منظّمٍ من المظاهرات في الأحياء والمواكب المركزيّة، ويتابعها جهاز الأمن، ثمّ يوزّع قواته حسب أوقاتها الزمنيّة وأماكنها، تارة يدعون الثوّار ليفرحوا بساعات من التظاهر، قبل الانقضاض عليهم وتفريقهم بالغاز المُسيل للدموع، ثم يبدأ مشهد الاعتقال مع الإسراف في الضرب العلني، في حالةِ هيجانٍ مقصودةٍ، تسجّلها شاشات الهواتف المحمولة، فتحافظ على رعب الخائفين القابعين خلف أجهزتهم في انتظار النصر الجاهز، في حالات أخرى، يتمّ منع التظاهر، بالتواجد مسبقاً في نقاط التجمّع، وملاحقة المارة لمجرّد الاشتباه بأنهم ثوّار.

أنصار البشير وحكومته نوعان، نوعٌ يشدّ وثاقه وارتباطه بالنظام والآخر ينشقُّ عنه بصمت. نستمع لحديث يسرّب عبر "الواتساب" لشخص يزعم إنه منطو تحت لواء الحركة الإسلاميّة، مخاطباً رفاق الدرب بحزن وغضب ويقول بحرقة: "ما يحدث في الشارع هو استفتاء" لكننا لا نراه ولا نعرف ماذا حدث بعد ذلك، هل اقتنع من نصحهم؟ هل سيتركون الظلم والظالمين؟ ما نعرفه أن البشير أقال فلاناً وأتى بفلان، وأن لعبة الكراسي وتبادل الحقائب الوزاريّة تُخفي تذمّراً وإقصاءً لمن لا يؤمن جانبهم.

في جميع الأحوال، هم كُثُرٌ، العدوّ هنا ليس البشير ولا نظامه فقط فحسب، لدينا أعضاء حزب المؤتمر الوطني الحاكم، وعشّاق الحركة الإسلاميّة، والمنتفعون من إعلاميين وتجّار وغيرهم، هؤلاء لن ينفكّ نسيجهم في مئة يوم، خاصّة وهو نسيجٌ مُحكمٌ بعلاقات اجتماعيّة، من نسب ومصاهرة ومصالح ماليّة وأيدولوجيات متقاربة إن لم تكن متطابقة.

المئة يوم هي مجرّد بداية

بالإضافة للعدد، فإن النظام محترفُ معارك ومعتادٌ على الانتصار دوماً، هزم جون قرنق بقتله وتدمير أفكاره وفصل الجنوب، هزم الترابي المؤسّس وأخرجه من دائرة الولاء، وهزم الهامش بجرّهم للقتال. اليوم، من يُقنع البشير، أن الثوار عديمي الخبرة قادرون على اقتلاعه؟ ها هو ينجح بالقمع ما دام عدد القتلى مقبولاً لدى العالم أجمع ولذا فهو مطمئن، إلى حدّ ما، ربما ينتظر أن يصاب الثوار بالإحباط.

المحايدون والمحايدات

حينما أغضب وأتحدّث عن المحايدين، أتذكّر أنني أشبههم قليلاً، إلا إن احتُسبت النوايا ومن يعرفها على وجه اليقين؟ فليسامحني الله في ظنّي ويعفّ عمّن اتهمهم بالتخاذل والجبن واختيار المواقف السلبيّة، لكن، كيف أفسّر حالة مجموعة من الرجال يلعبون بالورق "الكوتشينة" والثوّار يهتفون على بعد متر من طاولتهم؟ ما عذر تاجر ثري يكسر إضراب يوم واحد وهو أقلّ المتضررين منه؟

الحياد هو حزب الأغلبيّة، وهم من يعوّل النظام عليهم ويراهن الثوّار أنهم سيتركون مقاعدهم آخر المطاف. بعد 100 يوم، تجد في الخرطوم من يكون نهار الخميس - موعد الموكب الأكبر أسبوعياً - خالي الذهن عن تفاصيل الموكب، ومن يسأل باندهاش: هل يوجد إضراب في أيام الإضرابات؟ من يتحدّث عن الاحتجاجات باستخفاف، من يجد المنشور المثبت على زجاج سيارته، وعوضاً عن تلبية الدعوة للتظاهر أو المقاطعة، يمزّق الورقة.

دوافع مواقف المحايد متعدّدة، منها الخوف ومنها الأنانية ومنها الجهل. يتعاطف الثوّار معهم، ويردّدون بعد كل فشل نسبي، أنهم أخفقوا في عملية نشر الوعي بمطالب الحراك، بعد كل التضحيات ما زالوا يجدون مبرّرات للقاعدين عن القتال ويناقشون سبل الوصول إليهم.

لذا فإن الثائر وبعد مئة يوم لم يصبه الإحباط، ذلك الشعور المقيت بالعجز والدوران بزاوية 360 درجة، يدوّخ فقط مناضلي الشاشات والكيبورد، أقصد أمثالي ممن يزاولون مهنهم كلّ صباح، ويعودون في المساء للمنازل.

العدوّ هنا ليس البشير ولا نظامه فقط فحسب، لدينا أعضاء حزب المؤتمر الوطني الحاكم، وعشّاق الحركة الإسلاميّة، والمنتفعون من إعلاميين وتجّار وغيرهم.

بعد 100 يوم، تجد في الخرطوم من يكون نهار الخميس - موعد الموكب الأكبر أسبوعياً - خالي الذهن عن تفاصيل الموكب، ومن يسأل باندهاش: هل يوجد إضراب في أيام الإضرابات؟

ماذا بعد؟

لا أعلم، الشيء الذي يمنحني التفاؤل هو أن الثوّار يزيد في داخلهم حسّ المسؤولية، كما لو كانوا هم الآباء رغم صغر سنّ معظمهم، وخلفهم يقف تجمّع المهنيين السودانيين، كجسمٍ يضمّ مجموعات تتكاتف لتحقق الهدف.

المئة يوم هي مجرّد بداية، وسيسقط الشرّ بإخلاص أهل الحقّ ولوّ قل عددهم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard