في ذكرى رحيل ريم بنّا: من مثلها لا يموت

MAIN_Rim-Banna

الثلاثاء 2 أبريل 201911:33 ص

كان صباحاً شعرت فيه أن نور الشمس قد انطفأ، أن الكون فقد أحد نجوم مجراته، وذلك عندما رحلت ريم بنَا. لم تكن ريم شخصية عادية في هذا الكون، كانت ملهمته، ومقاومته الأنيقة. ولم تكن شخصية عادية بالنسبة لي، للدرجة التي تجعلني أمر على خبر رحيلها مرور العابرين، دون أن أزرف الدموع، ودون أن يكتسي قلبي بوشاح الفقد.

تابعتها منذ سنوات، في رحلة علاجها مع السرطان، وهي شامخة وعابرة فوق الوجع، تابعتُ شعرها الذي تساقط، دون أن يفقد عينيها بريقهما، ووجهها جماله. فقد كان جمال روحها يطغى، وينعكس، على كل شيء.

وكنتُ أومن أن لكلٍ منا سرطانه، الذي ينتهك خلايا روحه، ويطفئ توهج الفرح في قلبه. وكنتُ أرى فيها ملهمةً للمقاومة، فقد كانت كلماتها، تملأ سموات حياتنا بالمقاومة، والقدرة على تحدي صعاب الحياة:

"نقاوم..

رغم وجع الحياة..

سنظل نتبع الضوء.."

ولدت ريم بنا في 6 كانون الأول/ ديسمبر عام 1966 بمدينة الناصرة بالجليل، وهي ابنة الشاعرة الفلسطينية زهيرة صبّاغ، والتي هي من رائدات الحركة النسوية في فلسطين، وتخرجت بالمعهد العالي للموسيقى في موسكو، ليسطع نجم تألقها فيما بعد كمطربة، وملحنة فلسطينية، لها أسلوبها الموسيقي المميز، بإحياء التراث، والتهاليل الموسيقية الفلسطينية، ودمجها بالموسيقى العصرية.

في العام 1991، تزوجت من الموسيقي الأوكراني "ليونيد أليكسيانكو"، وأنجبا ثلاثة أبناء؛ بيلسان، قمران وأورسالم، وانفصلا عام 2010. لتقول ريم بنّا فيما بعد عن تلك التجربة، في إحدى احتفالات "يوم المرأة العالمي": "إن أهم ما أقدمت عليه في حياتي كامرأة، أنني حررت نفسي من رجل طغى على حياتي وتحكم غالبًا بفكري وأفكاري لمدة 18 عامًا، إلى أن اختنقت تمامًا، حين وجدت أنني لم أعد نفسي. في يوم المرأة العالمي، أشجع كل امرأة على ألا تقبل أكثر بأن تبقى مع رجل يعنفها لفظيًا أو جسديًا أو نفسيًا، وأن لا تستمر مع رجل تكرهه. أصدقائي الرجال، أنتم خير أصدقاء، يلزمكم فقط التدرب على استرخاء عضلاتكم المحتقنة بالأنانية والقسوة، والتي باتت منفرة في بعض الأحيان، حيث يعطينا ذلك إحساسًا قويًا بضعفكم .. أنتم أكيد أقوياء ونحن نحبكم. لكن، عضلاتكم هذه لا تصلح "لتأديب" النساء، بل تصلح أكثر للتعشيب في الحديقة…".

ستظل ريم في مخيلتي دائماً، سيدة الألوان المشرقة، التي كنتُ أجد شيئاً من روحي فيها، وكأنها تمتد بجسر نحوي (بروحها، وصمودها، وحليها، وأزيائها، وألوانها، بشغفها بالتصوير، بصورها الجميلة المشبعة بالحياة والألوان، بكلماتها وصوتها اللذان يشقان جدار الليل، ليتلمسا خيوط الفجر، ويعلنا ميلاد النهار).

كانت ريم نبضاً للحياة، لن يتوقف بالموت، فمن مثلها لا يموت، بل يمتد باِمتداد روحها وتأثيرها بداخل كل إنسان على وجه الأرض.

فعلى الرغم من تم تشخيص إصابتها بسرطان الثدي عام 2009، ومعاودة المرض لها عام 2015، الذي دفعها، بتأثيراته على صوتها، أن تعلن توقفها عن الغناء عام 2016، لتكتب: "إن صوتي الذي كنتم تعرفونه، توقف الآن عن الغناء. الآن أحبتي وربما سيكون ذلك إلى الأبد."

لكنها، بقيت تقاوم، وبقيت اِبتسامتها فوق وجهها كشروق شمس النهار، لتقول:

"صحيح أن القدر أوقفني عنوة، عند مفترق طريق متعثّر وصعب..

كنت في مقتبل العمر (42 عاماً)، امرأة بكامل عنفوانها...

لكني عشت بعد ذلك، إلى الآن، أجمل ما مر في عمري..

شكراً لـ "وعكة" مصابة بي..

دفعتني لقلب "الطاولة"، بل لتحطيمها..

حفّزتني لأقول "لا"...

وشجّعتني لاتخاذ قرارات مصيرية، نشلتني من حياة تسير في موت بطيء..

وها أنا الآن..

في ذروة التجلّي... "

على الرغم من تم تشخيص إصابتها بسرطان الثدي عام 2009، ومعاودة المرض لها عام 2015، الذي دفعها، بتأثيراته على صوتها، أن تعلن توقفها عن الغناء عام 2016، لتكتب: "إن صوتي الذي كنتم تعرفونه، توقف الآن عن الغناء. الآن أحبتي وربما سيكون ذلك إلى الأبد.".

تمر هذه الأيام ذكرى السنة على وفاة ريم بنّا، لكنها، مازالت تحيا بداخلي، وتحيا بداخل الكثير من محبيها، بينما يموت بعض الأحياء الذين كانوا مقربين فينا، تموت سنوات العشرة، عندما تكون خادعة.
رحلت ريم، وبقيت في وجداننا، العابرة عبر مدائن حالكة الليل، لتمتد بجسرٍ نحو ضوء النهار. وبقيت اِبتسامتها كطائر الفينيق، تبعث من بين اشتعال ورماد الحكايات، لتلوح للحياة من بعيد، وتقول: "ها أنا هنا مازلتُ وفية لكِ".

تمر هذه الأيام ذكرى السنة على وفاة ريم بنّا، لكنها، مازالت تحيا بداخلي، وتحيا بداخل الكثير من محبيها، بينما يموت بعض الأحياء الذين كانوا مقربين فينا، تموت سنوات العشرة، عندما تكون خادعة. يموت الحب، عندما يواجه بالإهمال والجفاء، والخذلان. تموت الصداقة إذا فقدت كونها دعماً وسنداً، وأصبحت مبنية على المصالح، والمنافع المادية.

هؤلاء الذين يموتون في حياتنا وهم على قيد الحياة، هم من يخفت ويتلاشى نبض وجودهم في قلوبنا. أما من هم مثل ريم فهم أحياء دائماً فيها.

لنبقى نتذكر دائماً كلماتها الأخيرة:

"بالأمس، كنت أحاول تخفيف وطأة، هذه المعاناة القاسية على أولادي..

فكان علي أن أخترع سيناريو..

فقلت:

لا تخافوا، هذا الجسد كقميص رثّ، لا يدوم..

حين أخلعه..

سأهرب خلسة من بين الورد المسجّى في الصندوق..

وأترك الجنازة "وخراريف العزاء" عن الطبخ وأوجاع المفاصل والزكام، مراقبة الأخريات الداخلات، والروائح المحتقنة...

وسأجري كغزالة إلى بيتي...

سأطهو وجبة عشاء طيبة..

سأرتب البيت وأشعل الشموع...

وانتظر عودتكم في الشرفة كالعادة..

أجلس مع فنجان الميرمية..

أرقب مرج ابن عامر..

وأقول: هذه الحياة جميلة..

والموت كالتاريخ..

فصل مزيّف.."

رحلت ريم، وبقيت في وجداننا، العابرة عبر مدائن حالكة الليل، لتمتد بجسرٍ نحو ضوء النهار. وبقيت اِبتسامتها كطائر الفينيق، تبعث من بين اشتعال ورماد الحكايات، لتلوح للحياة من بعيد، وتقول: "ها أنا هنا مازلتُ وفية لكِ".

وليبقى دائما لروحها الحب والسلام.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard