"المُثلَّث الذهبي" رحلة الضّياع الجميل في الهند

الثلاثاء 2 أبريل 201907:29 م

الشوارع مُكتظّة بالنّاس، والمناخ حارّ جدّاً، 40 درجة مئوية، الأمطار غزيرة وكلّ شخص يحمل معه مظلّة، وبعض النساء يضعن طرف "الساري" فوق رؤوسهنّ، فلرُبّما تقيها من المطر.

لقد جئتُ توّاً من المطار، وما إن دخلت المدينة، حتى لفت نظري مشهد لم أره قبلاً، خشبة تحمل جثّة رجل فوقها، تحيط به الزّهور من كلّ جانب، والسائرون مبعثرون حوله ذات اليمين وذات الشمال، مرتدين ملابس بيضاء تذكّر بزيّ "الأحرام" الذي يرتديه الحجّاج وهم يطوفون بالكعبة.

سألتُ السائق: أين يذهبون؟، قال: إنه انتقل "مات"، وإنّهم في طريقهم إلى المِحرقة، ولماذا يرتدي الناس ملابس بيضاء والرجل قد مات؟، أجاب: لا يوجد شيء اسمه موت، الموت في ثقافتنا ميلاد جديد.

أهلاً بكُم في الهند أو Namaste

هذه هي التحيّة في الهند، يلقي الناس التحيّة عن طريق ضمّ أيديهم أمام صدورهم قائلين: "ناماستي".

الشوارع مزدحمة جداً، رأيت حافلات وأشخاصاً يجلسون فوقها، ودراجات نارية تقودها النساء أكثر من الرجال، كان المشهد مزدحماً وصاخباً.

إنها الهند اللوحة المليئة بكلّ تلك الألوان، المفعمة بكلّ تلك الروائح، ولسوف تأخذكم الألوان والروائح بعيداً بعيداً...إنَّها البداية، البداية فحسب.

ستجدون أنفسكم ضائعين فيها، وسط تراكم المشاهد المبعثرة والروائح المتداخلة، فربما تشاهدون بقرة تسير بكل حريّة في الشوارع، وترقد بكل أريحيّة حيث تريد، وبأي مكان تختار، قد تُعطّل الطريق، ولكنكم لا تجرؤون على الشكوى، لأنكم ستعرفون أنّ البقرة في الهند لها قدسيّة خاصة.

وقد تشاهدون أيضاً عربات تجرّها الثيران أو البشر، وانتبهوا لربما تصدمكم (ريكشا) مسرعة.

الـ"ريكشا" عربة تستقلّونها لتسير بكم وسط زحام المدينة الشديد، هي من وسائل المواصلات الرسميّة في الهند، ولن تقووا على مقاومة إغراء ركوبها، هي أسهل وأسرع وسيلة مواصلات تجدونها هناك، كما أنّها مُزوّدة بعدّاد، وشكلها جذّاب، ويتفننّ الهنود بتزيينها.

يا الله! كلّ هذا التنوُّع والصّخب في الشّارع ولا تتعطّل حركة المرور.

يا الله! كلّ هذا الانتظار، وهذه "العطلة" ولا ملل.

إنها الهند اللوحة المليئة بكلّ تلك الألوان، المفعمة بكلّ تلك الروائح، ولسوف تأخذكم الألوان والروائح بعيداً بعيداً...إنَّها البداية، البداية فحسب.

الهنود ودودون جدّاً، لا يتوقّفون عن الحديث، كلامٌ يدغدغ أذنك بجمال بحّته، ولغةٌ لا تشكّل عائقاً في التواصل على الإطلاق، فالإنجليزيّة لغة رسمّية في الهند، إضافة إلى 22 لغة أخرى، اعترف بها الدستور الهندي كلغات رسميّة.

باختصار، الهند هي "المُثَلَّث الذَّهبي"

إنَّ رحلة واحدة للهند لن تكون كافية لرؤية كل شيء، ومن الصعب أن تزوروا كل المعالم السياحيّة مرّة واحدة، لذلك يجب عليكم التركيز على أماكن محدّدة للاستفادة من رحلتكم بأقصى درجة ممكنة.

وإذا كنتم شغوفين بروائح التاريخ العتيقة وملمسه المهيب، فأنصحكم بأن تتبعوا مسار "المثلّث الذهبي"، كما يسميه الهنود، وهي رحلة إلى ثلاث وجهات مختلفة، لكنها قريبة من بعضها بعضاً، تُسمَى "المثلث الذهبي" لأنها تُشكّل مثلّثاً على الخريطة وهي (نيودلهي، أجرا، جايبور)، وهي رحلة تُناسبكم جميعاً، مهما كانت كمية نقودكم.

تبدأ رحلة الضلع الأول من المثلّث الذهبي عادة في نيودلهي، عاصمة الهند، وأفضل وقت لزيارتها في الفترة من أكتوبر حتى مارس، وتُعدُّ أفضل مكان للاستمتاع، والتعرُّف على الحضارة الهنديّة وثقافتها وتقاليدها.

وتوجد العديد من الأماكن التي تستحقّ الزيارة في نيودلهي كـ"المسجد الجامع"، وهو المسجد الرئيسي في نيودلهي وأكبر مسجد في الهند، بناه عام 1656 الإمبراطور المغولي "شاة جهان"، ويوجد كذلك "راج غات" النصب التذكاري لـ"أبي الأمّة الهنديّة" المهاتما غاندي، وهو عبارة عن منصّة بسيطة من الرخام الأسود لمكان إحراقه في 31 يناير 1948.

 نيودلهي العاصمة أفضل مكان للاستمتاع، والتعرُّف على الحضارة الهنديّة وثقافتها وتقاليدها

ولا تفوّتوا "القلعة الحمراء" التي شيَّدها "شاة جهان" عام 1648م بارتفاع 33 متراً، وهي رمز الاستقلال، حيث تحدّث منها رئيس وزراء الهند للشعب، معلناً استقلال الهند عن الاحتلال البريطاني.

تتميّز القلعة بلونها الأحمر حيث بنيت من الحجر الرملي.

ثمّ" قطب منار" التي تمّ تشييدها على يد الحاكم قطب الدين أيبك، أوّل سلاطين المماليك في الهند في القرن الثاني عشر، ولذلك سُمِّيت بـ"قطب منار"، وتُعتبر منارته، الأطول من نوعها في الهند، وثاني أطول المنارات الإسلامية بعد منارة "الخيرالدة" في إشبيلية.

لا تذهبوا، لم ننته بعد، هناك ضريح "همايون"، والد الإمبراطور أكبر، والذي أدرجته اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي، وهناك معبد السلام "أكشاردام" الذي يتميّز بجمال تصاميمه المعماريّة، الأحجار الورديّة والرخام الأبيض، وبينما تحبسون أنفاسكم مما ترون، تهجم على أنوفكم روائح الورود الزكيّة والشجر من الحدائق المُحيطة.

بُني "هوا محل" بأمر من السُّلطان، امتداداً لقصر المَدِينَة ليَستمتِع "حَرِيم السُّلطَان" بِمِشَاهَدَة الشَّارع والنَّاس دون أن يَرَاهُنّ أَحَدٌ.

وبعد أن تغرب الشمس، وقبل أن تعودوا إلى غرفكم، يمكنكم المرور على بوَّابة الهند، وهي النصب التذكاري الذي بُني عام 1931م لإحياء ذكرى الجنود الهنود الذين لقوا حتفهم في الحرب العالميّة الأولى، وستلحظون أسماء الجنود مرسومة على الحيطان، وبجوار بوّابة الهند يوجد منزل الرئيس، المقرّ الرسمي لرئيس الهند والذي بُني أيضاً في نفس العام.

الضلع الثاني للمثلّث: أجرا

المسافة من نيودلهي إلى أجرا حوالي 4 ساعات بالسيّارة، وأغلب السيّاح يأتون إلى الهند لزيارة رمز الحبّ "تاج محل"، الذي بناه "شاة جهان" لزوجته "ممتاز محل"، وهو تحفة معماريّة تجمع الطرازين، الإسلامي والهندي.

ثمّ القلعة التي لن تكتمل زيارتك إلى أجرا دون رؤيتها، وقد تمّ بناؤها في عصر الإمبراطور أكبر، على ضفاف نهر يامونا، وبالقرب من أجرا مدينة "فاتحبور سيكري" التي شيَّدها الإمبراطور أكبر، كعاصمة له في القرن السادس عشر، وتمنح "فاتحبور سيكري" زائريها فرصة التعرّف على نمط الحياة في الحقبة المغوليّة.

جايبور، المدينة الورديّة

سنغادر المدينة الآن، والمسافة من أجرا إلى جايبور (الضلع الثالث للمثلّث الذهبي) حوالي 5 ساعات، وجايبور هي عاصمة ولاية راجستان الهنديّة، وتُعرف باسم "المدينة الورديّة"، كل المباني مطليّة باللون الوردي "تراكوتا"، وجايبور معروفة أيضاً بماضيها الغني بحكايات العائلة الملكيّة التي حكمت في السابق تلك المنطقة، وهي واحدة من أهم المدن التراثيّة في الهند، تأسّست المدينة عام 1727 من قبل المهراجا "ساواي جاي سينغ الثاني"، وتقع على بعد حوالي 11 كم من جايبور على طريق "جايبور-نيودلهي".


دائما ما يسألني أصدقائي هل ركبت فيلاً في الهند؟ لأن أغلب الصور العالقة في ذهن البعض أن الأفيال منتشرة في الشوارع، لكن في الحقيقة الأفيال لا تسير في الطرقات، بل قلّما تراها.

سوف تركبون فيلاً مُزيَّنة برسوم وألوان الهند التقليدية من أسفل حصن عامر لمدخل القصر، لا تنسوا الـ"سيلفي" ستعجب الصورة أصدقاءكم حتماً

إذا كنتم ترغبون حقاً بركوب الأفيال، فحقّقوا حلمكم بالذهاب إلى "حصن عامر" أو "حصن العنبر"، وهو مدينة بحدّ ذاته، تبلغ مساحته 4 كيلو متر مربع، ويبعد حوالي 11 كيلو متر عن جايبور، سوف تركبون على ظهر فيل مُزيّن بأنماط الرسوم التقليديّة، ليأخذكم من أسفل الحصن إلى مدخل القصر الرئيسي، تبلغ تكلفة ركوب الفيل لشخصين حوالي 1000 روبية (حوالي ١٤.٣٧ دولار)، ويوجد على ظهر الفيل لوح خشبي مُثبّت على ظهره، يتسع لشخصين معاً، ويُفضّل زيارة حصن عامر في الصباح (قبل التاسعة صباحاً) حتى تتجنّبوا الازدحام، والطوابير الطويلة تحت الشمس الحارقة لمنتظري ركوب الأفيال.

وقبل نهاية رحلتكم على ظهر الفيل، سوف تجدون بعض المساومات من السائق، كأن يطلب منكم مالاً إضافياً "بقشيش" لإطعام الفيل، وسيقابلكم مصوّرون محترفون يسألونكم التقاط صوراً تذكاريّة لكم وأنتم على ظهر الفيل، ويُفضَّل ألّا تفوّتوا التقاط تلك الصور، ستُعجب أصدقاءكم كثيراً على "انستغرام".

"هوا محل"..نوافذ قصور "حريم السلطان"

وبعد انتهاء جولتكم في قصر عامر، يمكنكم أن تذهبوا إلى "هوا محل" أو قصر الرياح، وهو قصر على شكل هرم ذي خمس طوابق، يبلغ ارتفاعه 15 متراً، انطلاقاً من قاعدته المرتفعة، ويضمّ 953 نافذةً، وتسمح النوافذ ذات الشكل النحاسي المنحوت بشكل جميل، للضوء بأن يعمّ حنايا القصر كلّه.

تمّ بناء "هوا محل" عام 1799 بأمر من السلطان، كامتدادٍ لقصر المدينة الملكيّة، حتى يستمتع "حريم السلطان" بمشاهدة الشارع والحياة اليوميّة دون أن يراهنَّ أحد.

القصر مُكوّن من خمسة طوابق، مبني على شكل تاج الإله "كريشنا"، لأن بانيه الحاكم ساراي براتاب سينغ كان قد كرّس حياته لذلك الإله الهندوسي.

ومن "هوا محل" يمكنكم الذهاب الي "جانتار مانتار" الذي يقع بالقرب منها، وهو مرصد شمسي، بناه المهراجا "جاي سينغ الثاني" عام 1724، وقد كان مفتوناً منذ سنٍّ مُبكّرٍ بحركة الأجسام السماويّة، وكان بارعاً في علم الفلك، وقد بنى الرجل خمسة مراصد فلكيّة مشابهة، موجودة في: نيودلهي، جايبور، أوجين، ماثورا وفاراناسي، تمّ الانتهاء منها كلّها بين عامي 1724-1735.

ويُعدّ "جانتار مانتار" أكبرها، وأفضل المراصد المُصانة من عوامل الزمن، ويعتبر إحدى العجائب المذهلة في علم الفلك من الماضي الغابر.

وعندما تغادرون الهند وترجعون إلى الحاضر، لا تنسوا أنّكم لم تروا غرائب وعجائب أخرى، ولكنكم محظوظون، فما رأيتموه هو "المثلّث الذهبي" للهند.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard