"كَعَبَات" غير مرئيّة في حفلات الذِكْر... صوفيّات فلسطين

الأربعاء 3 أبريل 201903:35 م

ربما لم تنل سَيِّدة في تاريخ الصوفيّة شهرة كالشّاعرة الزّاهدة رابعَة العَدَويَّة، والتي أسَّست لِما يُعرف بـ"الحب الإلهي"، وأبدَعَت أشعاراً نالت ذيوعاً كبيراً، ومع ذلك لم تكن رابعة المرأة الاستثناء، إذ تمدّنا كتب التاريخ والأعلام، بأسماء عددٍ كبيرٍ من النساء المُتصوِّفات مثل: لالة ميمونة في المغرب، وفاطمة النيسابوريّة في مصر، وعائشة الباعونيّة في سورية، وفاطمة اليشرطيّة في فلسطين.

ولربما منح التصوّف باعتباره شكلاً تديّنيّاً "لا ينظر إلى ظاهر الشريعة بل إلى حقيقتها وباطنها"، مجالاً رحباً للمرأة لتُثبت ذاتها، وتتحرّر من الدّور التقليدي الذي فُرض عليها ضمن المنظومة الاجتماعيّة والدينيّة.

وفي فلسطين لم يختلف الأمر كثيراً، حيث تحتضن البلاد عدداً ليس بالقليل من الجماعات وأصحاب الطّرق الصوفيّة، ويُعدّ البحث، في قطاع غزّة تحديداً، عن السيّدات المتصوّفات كمن يُفتّش عن إبرة في كومة قش، إذ ينفي عددٌ من شيوخ الطرق والزوايا الذين هاتَفَتهم مُراسِلة "رصيف 22" وجود النساء في طريقتهم أو حضورهنّ حلَقَات الذِكْر، التي تنعقد أسبوعيّاً لكل الطرق.

على العكس من ذلك، يُلحظ حضور النساء في الطرق الصُّوفيّة بالضفَّة الغربيّة، إذ سُجِّلت في السنوات الأخيرة، مشاركة نسويّة في المواسم الدينيّة التي تُحييها الطُّرق الصُّوفيّة في الضفّة، كما تُنظّم عدد من السيّدات حلقات ذِكْرٍ خاصّة بهنّ.

الشيخة إيمان: المرأة الوَليّة "كعبة"

تترأَّس الشيخة إيمان صالح (50 عاماً) منذ أكثر من 16 عاماً، الفرع النَّسوي في الطريقة الرفاعيّة، وتتجمَّع المُريدات في منزلها بنابلس.

ورثت السيّدة إيمان المشيخةَ، بعد وفاة والدها القطب الصّوفيّ الشيخ العبد الصالح (صالح إبراهيم أبو مريم)، وهي ربُّما المرأة الوحيدة التي نعرف أنّها تولّت المشيخةَ في الطرق الصّوفيّة في فلسطين.

وتقول الشيخة إيمان لرصيف 22، والتي بدأت مشوارها في التصوّف مُذ كانت في عقدها الثالث، "هي اصطفاء من الله عزّ وجلّ في الذَّات والذّراري إلى أن يصل الإنسان إلى مرحلة يصفو فيها مع الله، ليرى بنوره ".

وتضيف: "والدي شيخ الطريقة الرفاعيّة أسقانا كأس الصّفاء، وعلّمنا محبَّة سيّدنا النّبي وآل البيت، وعبر السنوات تشرَّبنا هذا الكأس، فكان الأمر في ليلة القدر حينها في الثلاثينيات من العمر، فتح الله علينا".

"التجربة الصّوفيّة لا تختلف بين الرجال والنساء، فإذا كانت المرأة في اتصال قلبي مع المولى، مروراً بالشيخ وحضرة الرسول، لا شكَّ سيحصل لها الحال وتصل إلى المَقامَات العُليا"

وعلى رغم من نفي البعض مشيخة المرأة، إلّا أنّ "السيدة إيمان"، كما يناديها المتصوّفة، تُشدّد على العكس، تقول: " الله يصطفي من يشاء رجالاً أو نساء، فعندما يضع الله رسالتَه لا يضعها في الرجال فقط، المرأة إذا كانت وليَّة صادقة ولديها حُجّة قويّة في العلم والإيمان تصبح كَعْبَة ".

تُقيم الشيخة إيمان حضرات أسبوعيّة، يحضرها عددٌ قليل من النساء، قرابة ست أو سبع سيّدات من خارج العائلة، يذكْرن الله ويتلين القرآن ثم يُنشدن المدائحَ على قرع الطبول والدفوف، ولا تتردّد في المشاركة بـ"موسم النبيّ" جنباً إلى جنب مع باقي الفرق الصّوفيّة من الرجال.

وتقول بشأن قبول المجتمع للنساء المتصوّفات: "يمكن القول إنّ الطابعَ الصوفيَّ مقبولٌ عموماً، ولكن خروج المرأة الصوفيّة قد يشوبه اعتراضات، وهذا يعتمد على المرأة وعلمها.. هذه ليست دروشة إنّما علم وصفاء".

حضور القلب وليس الحجاب

إلى قلب المدينة القديمة بنابلس، حيث التقينا بالسيّدة المُتصوِّفة جميلة الدّبعي، والتي تُنظِّم حلقات ذِكْرٍ في كلّ يوم إثنين بـ"زاوية الشيخ مسلم"، تجتمع فيها حوالي 40 امرأة من مدينة نابلس التي اشتهرت بانتشار أصحاب الطرق الصّوفيّة.

بدأت السيدة الدّبعي مشوارها في الصّوفيّة في عام 2007، عقب انضمامها إلى دورة تدريسيّة حول الصّوفيّة في أحد المراكز التعليميّة في المدينة (مركز الغزالي لتعليم علوم الدين) فتعرّفت على أصول الصّوفيّة وشيوخها وتأثّرت بها كثيراً.

وتقول الدّبعي بصوتها الهادئ، وبلغةٍ فُصحى رزينة: "أحببتُ كثيراً حلقات الذِكْر، وموضوع التصوّف موضوعٌ عظيمٌ جداً كأنّه رياضة الروح، ويرتقي بها في لقاء مع الله تعالى، يصلني بالله"

وتضيف الدّبعي: "كنتُ أُعدُّ نفسي قريبة من الله، لكنِّي اكتشفتُ أنّي بحاجة إلى مُجَاهَدَة أكبر، فبدأتُ تنظيم حلقات الذِكْر في زاوية الشيخ مسلم ماضي"، وتُعتبر تلك الزاوية الصوفيّة "مقاماً" يرتاده الرجال، ويقيمون فيه بشكل مستمرّ موالد وحلقات ذِكْرٍ واحتفالات دينيّة.

"إذا كانت المرأة وليَّة، وصادقة، ولديها حُجّة قويّة في العلم والإيمان تصبح كَعْبَة " الشيخة إيمان

تتّسع حلقة السيّدة الدّبعي للنساء باختلافاتهنّ وتنوّع خلفياتهنّ الفكريّة، فهي لا تفرض على الحاضرات ارتداء الحجاب أو "الزِّيّ الشّرعي"، فحضور القلب واتصاله بالخلق هو شرط الانضمام، كما تقول.

ربما الطريقة النقشبنديّة هي الأكثر تقبّلًا للحضور النسويّ، إذ يُشير سعد شرف، عضو المجلس الصوفي الإسلامي الأعلى في فلسطين، والذي يرتبط بصلات عائليّة مع سيِّدات مُتصوِّفات من أتباع الطريقة النقشبنديّة، إلى حضورٍ "قويٍّ" للنساء في التيار الصوفي، لكنهن يفضلن عدم الظهور العلني ولا يشاركن في المواسم الدينيّة.


ويقول شرف، إن النساء من أتباع الطريقة النقشبنديّة في فلسطين يعقدن حضرات ذِكْرٍ قعوداً وليس قياماً كالرجال، ويتمّ تثقيفهنّ، حيث يدرسن الفقه الشافعي والتصوّف على الطريقة النقشبنديّة.

وتُقدَّر أعداد النّساء في الطريقة النقشبنديّة في الضفَّة الغربيّة بحوالي ألف سيّدة، وفق شرف، ويقمن على إدارة جمعيّة خيريّة بالإضافة إلى مدرسة دينيّة، يتمّ من خلالها استقطاب عضوات جدد للطريقة، بالإضافة إلى إعداد الواعظات الدينيّات.

قبول النّساء بين المُتصَوِّفة والفُقهاء

لا شك أنّ التجربة الصّوفيّة لدى النّساء تختلف عن قرائنهنّ من الرجال - ليس في فلسطين فحسب- وذلك نظراً للطبيعة الفيزيولوجيّة والنفسيَّة للمرأة، بالإضافة إلى القُيود المجتمعيّة التي تُحدّد دور المرأة في المجتمعات الشرقيّة.

في دراسته المعنونة "التديّن الصوفي في طبعته النسويّة ورهان النوع الاجتماعي: لالة ميمونة رمز الصلاح الأنثوي" يُشير الباحث المغربي مراد جدّي إلى أنَّ التديُّن الصُّوفي أتاح للمرأة موقعاً مُتميّزاً مقارنةً بأنساق التديّن الأخرى.

لكن الكاتب يلاحظ، في دراسته ذاتها، أنّ التمايز بين الذكورة والأنوثة في الحقل الصوفي بشكل عام، "موجودٌ" لكنه ليس ظاهراً كما في غيره من أنماط التديّن، ويمكن تجاوزه، وعدد النساء الصالحات بالنسبة للذكور قليل، إلا أنه يمكن القول، إنّ "تيّار التصوّف كان أكثر تقبّلاً لحضور المرأة داخله، وعددهنّ يتجاوز كمّاً وكيفاً النسبة التي يُمثلنها بين جمهور الفقهاء".

"تيّار التصوّف كان أكثر تقبّلاً لحضور المرأة داخله، وعددهنّ يتجاوز كمّاً وكيفاً النسبة التي يُمثلنها بين جمهور الفقهاء"

من جانبه، يُؤكّد رئيس المجلس الصوفيّ الإسلاميّ عبد الكريم نجم، أنّ التصوّف لم يكن على مدى التاريخ الإسلامي مقتصراً على الرجال دون النساء.

"السعي للوصول إلى مرتبة الإحسان في العلاقة مع الله، وهذا لا يختصّ بالرّجال وبالتالي النساء موجودات في التصوّف ولكن ظهورهنّ غير بيّنٍ، نظراً لخصوصيّة مكانة المرأة في المجتمعات الشرقيّة، يقول الشيخ نجم.

ويشير إلى أنه بطبيعة الحال بنات وأزواج شيوخ الطرق "درويشات" لكنهنّ لا ينضممن إلى حلقات الذِكْر، مضيفاً أنه في الطريقة القادريّة التي يتبعها، من المقبول أن تنظّم النساء حلقات ذِكْرٍ منفردة خاصّة بهنّ.


أما بالنسبة إلى تولّي النساء المشيخة، يُوضِّح أنَّه منذ العهد المحمّدي لم تستلم المرأة مرتبة المشيخة، ويعزو ذلك إلى سببين، أوّلهما الطبيعة الفيزيولوجيّة والنفسيّة للمرأة التي قد تُعيقها من الوصول إلى المشيخة، فالشيخ مطلوب منه مهام عديدة من التعامل مع المريدين، وهي خصوصيّتها لا تسمح بحرية الحركة في الانتقال، وأداء العبادة، أو الأذكار الجماعيّة، وفق الشيخ نجم.

أما السبب الآخر الذي يورده رئيس المجلس الصوفي، فيستند إلى مُقاربة تاريخيّة، يقول: "كما أنّ هناك أربعة أئمّة متفق عليهم في علم الفقه ليس بينهم امرأة، كذلك في علم السلوك -التصوّف- فالنّساء من هذا المنطلق لم يستلمن المشيخة ".

ويؤكّد الشيخ نجم في النّهاية على أنّ "التجربة الصّوفيّة لا تختلف بين الرجال والنساء، فإذا كانت المرأة في اتصال قلبي مع المولى، مروراً بالشيخ وحضرة الرسول، لا شكَّ سيحصل لها الحال وتصل إلى المَقامَات العُليا، وفي التاريخ الإسلامي شواهد عديدة على نساء متصوّفات وَرِعَات أصابهنّ الحال".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard