"مليونية العودة والأرض"... أبناء غزة يؤكدون تمسّكهم بحقوقهم ويواجهون الرصاص الإسرائيلي

السبت 30 مارس 201906:45 م

منذ ساعات الصباح الباكر من يوم السبت، 30 مارس، تجهّز الحاج أبو رامز نوفل (67 عاماً) برفقة عدد من أبنائه وأحفاده للمشاركة في فعاليات "مليونية العودة والأرض" التي دعت لها الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار على طول الحدود الشرقية لقطاع غزّة، إحياءً لذكرى "يوم الأرض" الفلسطيني وتأكّيداً على استمرار "مسيرات العودة" بعد مرور عام على انطلاقها.

ترافقت التظاهرات السلمية مع إضراب شامل طال كلّ أنحاء القطاع، وشارك فيها عشرات آلاف المواطنين في خمس نقاط رئيسية أُقيمت فيها مخيّمات خصيصاً لهذا الغرض، على طول المنطقة الشرقية.

في يوم الغزّيين الطويل، كانت لافتة جولات مراقبة المسيرات التي أجراها صباحاً عناصر من المخابرات المصرية التي تقود حالياً جولات مفاوضات التهدئة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، بعد جولة الاشتباكات الأخيرة، للتأكد من سلمية التحرّكات، وهو الجهد الذي عكسه انتشار ناشطين فلسطينيين يرتدون سترات برتقالية ويعملون على إبقاء المتظاهرين بعيدين عن السياج الحدودي.

رغم كل هذه الإجراءات، استخدم الجنود الإسرائيليون القوة المُفرطة ضد المتظاهرين، بعدما نجحت قلة في الاقتراب من السياج الحدودي، وأطلقت عليهم الرصاص الحي وقنابل الغاز، ما أسفر عن مقتل ثلاثة مواطنين وإصابة أكثر من مئة، جروح بعضهم خطرة، وفقاً لوزارة الصحة الفلسطينية، وذلك على الرغم من أنّ الدولة العبرية كانت قد نقلت عبر الوسيط المصري تعهداتٍ وضمانات أشارت فيها إلى عدم رغبتها قمع الناس المحتشدين على الحدود، للحؤول دون تطوّر الأمور إلى مواجهةٍ عسكرية تعرقل تفاهمات الهدنة.



تأكّيدٌ على الحقوق

وصل الحاج أبو رامز نوفل إلى منطقة مخيم "ملكة"، شرق مدينة غزّة، مع ساعات الظهيرة وقال لرصيف22: "نشارك اليوم كما في كلّ الأيام الماضية، لتذكير العالم بأنّ هناك احتلالاً وأرضاً مغتصبة وشعباً يعاني أوضاعاً معيشية صعبة".

روى أن والده خرج من بلدته بالقوة عام 1948، و"كان يُخبرنا دائماً عن حلم العودة وجمال البلاد وتفاصيل الحياة فيها، فصرنا نشعر مع بداية مسيرات العودة أنّنا أقرب إلى كلّ ذلك"، وأضاف: "ارتقاء الشهداء واعتقال الأسرى وإصابة الجرحى هو ثمن كرامتنا، فالتاريخ لم يذكر أنّ أرضاً تحررت بلا دماء".

على جانبٍ آخر من المسيرة جلست مجموعة سيدات يتبادلن أطراف الحديث عن البلاد. ذكرت إحداهن وتُدعى إحسان الطيب (46 عاماً) أنّ الاحتفال بذكرى يوم الأرض أصبح مختلفاً منذ انطلاق المسيرات في العام الماضي، إذ ترى فيها نقطة تحوّل في أساليب المقاومة والنضال الشعبي التي استخدمها الفلسطينيون على مدار السنوات الطويلة، مشيرة إلى أنّها تعرّضت لعوارض الاختناق أكثر من مرّة بسبب القنابل الغازية، وتعرّض ابنها الأصغر للإصابة في قدمه خلال المسيرات، لكنّ ذلك لم يمنعها من مواصلة المشاركة.



من شمال القطاع، وتحديداً من منطقة أبو صفية حيث نقطة أخرى للمسيرات، قال الطفل محمد ياسين (14 عاماً) بينما كان يجلس أرضاً برفقة أصدقائه، لرصيف22: "الحدود أصبحت بالنسبة إلي مكاناً للعب والترفيه، ففي كلّ أسبوع أتجمع برفقة أصحابي ونأتي إلى هنا، لنشارك في الفعاليات التي تُعقد بعيداً عن السلك الفاصل".

روى أنّهم في السابق كانوا يتجهون في أوقات فراغهم إلى ملعب كرة القدم الذي يقع على مقربةٍ من شاطئ البحر، لكنّ حالهم تغيّر اليوم وأصبحت منطقة المسيرات مكانهم المُفضّل.

طفلٌ آخر هو حسن الشريف (16 عاماً) تحدث لرصيف22 وأشار إلى أنّ أكثر ما أثّر فيه في المسيرات منذ انطلاقها هو مشهد رفيق دربه محمد أيوب حين سقط أرضاً مخضباً بدمائه بعد أن أطلق عليه جنود الاحتلال رصاصةً استقرت في رأسه.

وقال: "قبل دقائق من الحدث كان صديقي يحدثني عن رغبته في العودة إلى البيت. لم يكن يعلم أنّ طريقة رجوعه ستكون مختلفة"، ويوضح أنّه يشارك اليوم "وفاءً لدماء محمد والشهداء الآخرين" وكذلك للتأكّيد على حقه بالعودة إلى قرية "المجدل" التي هُجر منها جده بالقوة عام 1948.

وقتلت القوات الإسرائيلية 268 فلسطينياً منذ بدء المسيرات قبل سنة، وفقاً لبيانات وزارة الصحة الفلسطينية، فيما قتل قناص فلسطيني جندياً إسرائيلياً. ووجهت الأمم المتحدة انتقادات لاستخدام إسرائيل "القوة المميتة"، وقال محققون إن القوات الإسرائيلية ربما تكون قد ارتكبت جرائم حرب.

الرصاص يُلاحق المتظاهرين السلميين

كان من المتوقّع أن يمرّ اليوم بهدوء كون كل الأطراف سعت بشكل حثيث إلى ذلك، ولكن الجنود الإسرائيليين أطلقوا النار والقنابل الغازية على متظاهرين ألقوا عليهم حجارة وألقوا بإطارات مشتعلة باتجاههم.

يرى عضو الهيئة العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار طلال أبو ظريفة أنّ المتظاهرين اليوم التزموا بصورةٍ شبه تامة بالتعليمات والتنبيهات التي صدرت عن الهيئة في وقتٍ سابق، لأنّهم يعلمون أنّ الجنود لن يفوتوا فرصةً لإراقة الدم الفلسطيني، "وعلى الرغم من ذلك أصرّ الاحتلال على ارتكاب مجزرةً بحقهم".

وأضاف لرصيف22 أن "ما حدث اليوم لا يزيد أهل قطاع غزّة إلّا إصراراً على تحقيق مطالبهم، وسنسعى في الأيام القادمة لتطوير أدوات المسيرات النضالية السلمية من أجل التأكّيد مرّة أخرى للعالم أنّ هذا العمل الكفاحي الأصيل ليس مرتبطاً بزمن بقدر ما هو مرهونٌ بتحقيق أهداف عادلة".

"كان صديقي محمد أيوب يحدثني عن رغبته في العودة إلى البيت. لم يكن يعلم أنّ طريقة رجوعه ستكون مختلفة"... غزيون يحيون الذكرى السنوية لانطلاقة "مسيرات العودة"
"نشارك اليوم كما في كلّ الأيام الماضية، لتذكير العالم بأنّ هناك احتلالاً وأرضاً مغتصبة وشعباً يعاني أوضاعاً معيشية صعبة"... غزيون يحيون الذكرى السنوية لانطلاقة "مسيرات العودة"

يرى أبو ظريفة أنّ إقدام الاحتلال على استخدام العنف لمواجهة مدنيين عُزل خرجوا ليقولوا للعالم إنّ هناك "شعباً يعيش بلا أبسط مقومات الحياة ويحارب في سبيل إبقاء كرامته" هو "كسرٌ لكلّ القوانين الدولية والاتفاقات الإنسانية التي تنظم العلاقة بين الاحتلال وبين المحتل، وكذلك هو خرقٌ لكلّ التفاهمات التي تمّ التوصل لها مؤخراً برعاية مصرية"، مضيفاً: "نحن كهيئة مشرفة على المسيرات وثّقنا كلّ الانتهاكات، وسنرفعها أمام المحافل الدولية، لكي يعرف العالم طبيعة وأسلوب الكيان الذي يناصره".

من جهتها أكّدت القيادية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مريم أبو دقة أنّ المشاركة الشعبية الواسعة التي شهدتها المسيرات اليوم في ذكرى انطلاقتها، هي دليل كبير على التماسك الوطني والجماهيري خلف مطالب العودة والحياة الكريمة، إضافة إلى كونّها دليلاً على أنّ أبناء الشعب الفلسطيني لا زالوا يمتلكون إرادة الاستمرار في المقاومة الشعبية والعسكرية.

وأشارت إلى أنّ الاعتداءات والعنف الإسرائيلي غير جديد "ونحن دائماً ما نتوقع أنّ يواجه الاحتلال أيّ نشاط فلسطيني بالقوة المفرطة"، وتابعت: "لهذا وجّهت الهيئة الوطنية العليا لقيادات المسيرات دعواتها للمؤسسات الحقوقية والقانونية لمراقبة الأحداث".

وأوضحت لرصيف22 أنّ الوحدة الوطنية هي الباب الأساسي الذي يمكن من خلاله العبور نحو كسر الحصار والعودة، وهذه المسيرات هي شكلٌ من أشكال الوحدة بين فصائل العمل الوطني والإسلامي، منوهةً إلى أنّ التخفيف من الأوضاع الكارثية للقطاع أصبح هدفاً من أهداف المسيرة، لكنّه ليس بديلاً عن حق "العودة"، وهو الهدف الرئيسي لها.

وتشير إلى أنّ استمرار التظاهرات أمرٌ طبيعي كونها جزءاً من حالة المقاومة ضد المحتل، والأصل أن تتوسع بقعة المشاركة فيها لتمتد إلى الضفة الغربية والداخل المحتل وحتّى الشتات.

ويعلّق المحلل السياسي شرحبيل الغريب على مجريات النهار الطويل بقوله: "إسرائيل استعانت بالجهود المصرية في الأيام السابقة لأنّها تدرك جيداً خطر تظاهرات اليوم وما قد يعقبها من ردود فعل لا سيما في ظلّ الحديث عن انتخاباتٍ برلمانية قريبة في إسرائيل".

وأضاف لرصيف22 أنّ ما جرى خلال الساعات الماضية يُقرأ على وجهين، "الأول طبيعة الاحتلال الدموية التي تبقى دائماً أكبر من كلّ الوعود والتفاهمات، والثاني هو أنّ قرار الاستمرار في التظاهرات الأسبوعية خرج من يد الفصائل والأطراف وأصبح بيد الشعب الذي يعيش حصاراً شديداً".

وتابع أنّ التفاهمات التي قيل إنّه تمّ التوصل لها بين الفصائل وإسرائيل برعاية مصرية في الأيام الماضية، لا تَعدو كونّها وعوداً لن يلتزم الاحتلال بتطبيقها كما في المرّات الماضية.

ونبّه إلى أنّ سلوك الاحتلال القمعي المستخدم اليوم والذي أسفر عن خسائر بشرية هو ما سيحدد طبيعة الوضع في الأيام القادمة التي لربما تكون حُبلى بالمفاجآت السياسية والعسكرية.

عام على مسيرات العودة

وكانت تظاهرات سلمية قد انطلقت تحت اسم "مسيرات العودة"، في 30 مارس 2018، بعد دعواتٍ مكثفة أطلقها نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي وتمّ التمهيد لها على الأرض من خلال عدد من الفعاليات والندوات التي شرحت فكرتها المُنطلقة أساساً من قرار الأمم المتحدة رقم 194، الصادر عام 1949، والذي يقضي بضرورة عودة وتعويض اللاجئين الفلسطينيين المهجرين من أراضيهم بسبب اعتداءات العصابات الصهيونية. وأُضيف لها بعد ذلك بفترة هدف "كسر الحصار".

ويتجمّع الفلسطينيون ظهر كلّ يوم جمعة في خيامٍ يتمّ نصبها على بُعد ما لا يقل عن 700 متر في خمسة مناطق رئيسية ممتدة على طول الحدود بين غزّة والأرض المحتلة عام 1948، وتُعقد في تلك المخيمات أسبوعياً فعالياتٍ ثقافية وفنية ومجتمعية.

وشرع القائمون على المسيرات في بداية أغسطس المنصرم بتنظيم تظاهراتٍ أسبوعية على شاطئ منطقة زيكيم الواقعة أقصى شمال القطاع، في إطار تطوير أدوات المسيرة.

وبعد المجزرة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في الجمعة الأولى للمسيرات والتي أدت إلى سقوط 15 قتلاً، قرر المتظاهرون ابتكار أدوات مواجهة سلمية دفاعية، وكانت الإطارات المطاطية المشتعلة من أبرزها واستُخدم دخانها الكثيف كساترٍ يتوارى خلفه الناس هرباً من الرصاص وقنابل الغاز.

وإضافة إلى ذلك اسُتعملت الطائرات الورقية الحارقة التي أصبحت تشكّل مصدر إزعاجٍ كبير للمستوطنين الإسرائيليين القاطنين في منطقة غلاف غزّة. وفي وقتٍ متقدم شَرع الغزّيون في فعاليات "الإرباك الليلي" التي أَرّقت القوات الإسرائيلية المتمركزة على طول الحدود.

عالمياً، نجحت المسيرات منذ بدايتها في لفت انتباه الرأي العام، وفرضت أحداثها نفسها على أجندات وسائل الإعلام، كما كثفت المؤسسات الحقوقية والقانونية الدولية من تواجد مندوبيها في القطاع لتغطية الانتهاكات ورصدها وإعداد تقارير عنها.

يُشار إلى أنّ البعض يرى أن إسرائيل كانت قد بيتت نيةً لقمع المسيرات قبل انطلاقها، وظهر ذلك من خلال نشرها 100 قناص على طول السياج الأمني مع قطاع غزة، وأصدار الأوامر بفتح النار على أيّ شخص يحاول اجتياز السياج، تحت ذريعة أن التظاهرات مُنظمة من قبل جماعات عسكرية تعمل في قطاع غزّة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard