30 آذار 1976: ملحمة فلسطينيي الـ 48 المستمرة

السبت 30 مارس 201904:29 م
يُحيي الشعب الفلسطيني، في الوطن والشتات، اليوم 30 آذار/ مارس 2019، الذكرى الـ 43 ليوم الأرض. ذكرى اليوم الذي انتفض فيه فلسطينيو الـ 48 ضدّ مصادرة ما تبقى من أراضيهم التي سُلبت في نكبة 1948 وما بعدها، ولا تقتصر ذكرى إحياء يوم الأرض على قطاعات الشعب الفلسطيني، بل تحوّلت ليومٍ عربيّ وعالمي، يتضامن فيه أصدقاء ومناصرو الشعب الفلسطيني، مع حقّه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلّة.

منذ توقيع اتفاق أوسلو 1993، شَهِدَ إحياء الذكرى تراجعاً تدريجيّاً من حيث مدّه الوطني والشعبي، إذ سيطر الخطاب التفاوضي والتسويات "السلميّة" وفرض تراجعاً في المعنويات الوطنيّة، وبالتالي تراجعاً في المنظومة المعرفيّة والذهنيّة للأجيال الشابة، من حيث إدراكها لمكانة يوم الأرض ومعانيه. وبالرغم من حالة الجزر العامّة هذه، في الوعي العام لمناسبة يوم الأرض، فقد ظلّت الذكرى مساحةً زمنيّةً لإحداث مدٍّ ذي دلالات وطنيّة للتعبير عن الغضب على الاحتلال. بين حالات المدّ والجزر، هناك مكان للتعريف مجدّداً بيوم الأرض، وتقديم قراءة عامّة للتواصل مع سياقاته وأحداثه وتوسيع دائرة المعرفة به، لتعكس للقارئ صورةً من واقع الفلسطينيين داخل مناطق الـ 48.

الاستيلاء على الأرض

خضع الفلسطينيّون في إسرائيل بعد قيامها، لحكمٍ عسكري (1949-1969) قاسٍ ومهيمن على جميع مناحي الحياة، حكم يمارس سياسة الخنق الاقتصادي، والتضييق على قطاعي الزراعة والتعليم، ملاحقة النشاط الوطني السياسي، والاعتقال وفرض الإقامات الجبريّة، ونفي الناشطين السياسيين وإبعادهم عن قراهم. كانت المهمّة الأساسيّة للحكم العسكري، عزل الفلسطينيين في إسرائيل عن أراضيهم، ليصبح الوجود الأمني حاجزاً بين القرى والأراضي، وتشريد المواطنين من المناطق المحاذية للحدود، بالتالي تسهيل عملية الاستيلاء على الأراضي، من حيث تسهيل عمل الطواقم "المهنيّة" من مخطّطين ومهندسين وشركات خبراء صهاينة، لإعداد مخططات حكوميّة "قانونيّة" لتطوير الجليل في شمال فلسطين، هذه المخطّطات كانت تتمّ بقيام دائرة أراضي إسرائيل، بالسيطرة على المساحات لبناء مستوطنات إسرائيليّة.

في الخطابات والكتابات التي صدرت عن قادة الحركة الصهيونيّة، وأبرزهم دافيد بن غوريون، الذي اعتبر أن تكثيف التواجد اليهودي في الجليل، ليس مسألة تطويريّة، بل لتنفيذ المشروع الصهيوني، في وقت كان يشكّل العرب 70% من سكان الجليل في العام 1976، في حين تصل نسبتهم السكانيّة اليوم إلى حوالي 53%. هذه الممارسات للاستيلاء على الجليل لم تتوقّف منذ قيام الدولة لغاية اليوم، وفي معظم الحالات يُعلن صراحةً أن الهدف من المخطّطات هو تهويد الجليل، وتصحيح الميزان الديموغرافي لصالح المواطنين اليهود، من الجهة الأخرى، كانت مخطّطات الدولة العبريّة، تطال منطقة النقب أيضاً في الجنوب، بقصد تهويده، وزيادة الاستيطان اليهودي على أراضيه، وقامت باقتلاع سكّان النقب من العرب البدو من أماكن عيشهم، وتجميعهم في منطقة بئر السبع، بعيداً عن مناطقهم وبعيداً عن أساليب عيشهم وبيئتهم، وبدأت بإقامة مجمّعات وبلدات إسرائيليّة في النقب، لفرض وقائع تُبعد فيها العرب البدو عن أراضيهم وتحدّ من انتشارهم. إن واقع أهالي النقب الجغرافي والسكّاني أدّى الى حصول عمليات بطش واقتلاع بشعة، دون أن تُحدث ضجيجاً ولم تُسمع صرخات السكان العرب هناك.

إن قيمة الأرض المعنويّة، الحسيّة والحياتيّة لم تتغير

أدّت موجة مصادرة الأراضي العرب، في خمسينيات القرن الماضي وما بعدها، إلى تهديد مقوّمات البقاء، العيش والتطور، وإلى تراجع القطاع الزراعي بشكل كبير حدّ انعدامه في أيامنا هذه، وبالتالي شهدنا تحوّلاً للعرب للعمل في قطاعات البناء والزراعة والصناعة، في البلدات اليهوديّة المُقامة على أراضيهم المصادرة. لم يعد ضياع القطاع الزراعي هو الهاجس الأساسي للعرب، بل أصبحت هناك تحدّيات حياتيّة ومصيريّة، تتعلّق ببناء البيوت وانعدام مسطحات البناء لذلك، إذ تتحكّم الدولة بمعظم الأراضي، وتتملّك أذرع التخطيط، ومنح تصاريح البناء، ناهيك عن عدم وجود مسطّحات بناء لمرافق عامّة تخدم السكان العرب.

اندلاع يوم الأرض

اندلعت انتفاضة يوم الأرض بعد قيام السلطات العسكريّة بإغلاق منطقة المل والمسمّاة سلطويّاً "منطقة 9"، وهي منطقة تقع في الجليل، أرض زراعية سهليّة تعود ملكيتها القانونيّة لسكان عرب، من ثلاث قرى عربيّة في الجليل هي: دير حنا، عرابة وسخنين، وتقارب مساحتها الـ 17 ألف دونم، ويعتمد قسمٌ كبيرٌ من سكانها على المردود المادي لمحاصيلها الزراعيّة. في أواسط شباط/ فبراير 1976 أصدرت الشرطة أمراً بمنع دخول السكان إلى أراضي منطقة 9، وهذه كانت إشارة كافية ليفهم السكّان العرب في هذه المنطقة، أن هذا الأمر يعني نيّة السلطات الإسرائيليّة مصادرة أراضيهم، أثار قرار المنع غضب السكان، فعُقدت اجتماعات ومؤتمرات شعبيّة للتنديد بهذا القرار، وأعلنت قيادات وطنيّة ونقابيّة وشعبيّة في اجتماع عُقد في مدينة الناصرة، عن إضراب عام في الثلاثين من آذار/ مارس 1976، وقد أعلنت الفعاليات الوطنيّة في المناطق المحتلّة منذ عام 1967 ، إضراباً عاماً تضامناً مع فلسطينيي الـ 48.

في التاسع والعشرين من آذار/ مارس 1976 دخلت قوات الجيش والشرطة ليلًا إلى قرى عرابة، دير حنا وسخنين، وأعلنت الشرطة عبر مكبّرات الصوت قرار منع التجوّل في الثلاثين من آذار/ مارس، في القرى الثلاث، قراراً موقّعاً من القائد العسكري رفائيل إيتان، بموجب قوانين الطوارئ لسنة 1945، وانتشرت قوات الجيش في القرى، وقامت بالاعتداء على المواطنين وترهيبهم. قامت قوات الجيش بإطلاق النيران وسقط الشهيد الأوّل لإضراب الثلاثين من آذار، وهو الشهيد خير ياسين من قرية عرابة، وانتشرت المواجهات في القرى الثلاث، وسقط ثلاثة شهداء في قرية سخنين، وهم خديجة شواهنة، رجا أبو ريا وخضر خلايلة، وعمّت موجة الغضب الشعبي جميع مناطق الـ 48، وسقط الشهيد محسن طه في كفركنا، والشهيد رأفت زهيري في الطيبة، إلى جانب عشرات الجرحى والمعتقلين.

اعتبرت اللجنة القُطْريّة للدفاع عن الأراضي، وهي الجهة المُبادرة والقائدة للإضراب، أن إضراب الثلاثين من آذار ،هو بمثابة وقفة جبّارة للفلسطينيين في إسرائيل، تجلّت فيه مقاومتهم لمخططات التهويد وسلب ونهب الأراضي، وهذه الوقفة هي حدّ أدنى من الدفاع المشروع عن الأرض والوجود العربي في البلاد، وبالفعل يُمكن اعتبار هذه الوقفة وقفة تاريخيّة يسجّلها فلسطينيو الداخل أمام الغطرسة الإسرائيليّة، وهي تعتبر الهبّة الشعبيّة الأولى العارمة للفلسطينيين، بعد سنوات طويلة من الحكم العسكري، والأولى منذ النكبة، وقد شكّلت هبّة يوم الأرض صدمةً لحكومة إسرائيل، إذا فوجئت بالحراك الجماهيري الجماعي الموحّد، وبالخطاب الوطني لهبّة يوم الأرض، الذي أكّد على وحدة الشعب الفلسطيني من خلال هذا الاضراب، وأن سنوات طويلة من الحكم العسكري، لم تستطع كسر هويّتهم الفلسطينيّة ولا تمسّكهم بالأرض كمركّب أساسي من مركّبات الصمود أمام الاستعمار.

أَسْمَعَ يومُ الأرض 1976 صرخةَ فلسطينيي الداخل أيضاً أمام الرجعيّة العربيّة والقومجيّة، التي ذهبت للتعامل معهم كـ "عرب إسرائيل"، وأدارت ظهرها لهويّتهم الفلسطينيّة وهمّشت وجودهم وشوّهت مكانتهم. أثبت يوم الأرض للفلسطينيين في كل أماكن تواجدهم، أن الوقفات والنضالات الشعبيّة ممكنة، وأن الهمّ الفلسطيني واحد، وأن استهداف الأرض العربيّة في الجليل هو استهداف للوجود الفلسطيني كله. أدّت "صدمة " يوم الأرض إلى تحوّله ليومٍ وطني لمناهضة الاحتلال في كافة الدول العربيّة وأماكن الشتات الفلسطيني، فتُنظّم في ذكراه المظاهرات والمسيرات والأمسيات الوطنيّة والثقافيّة.

يُحيي الشعب الفلسطيني، في الوطن والشتات، يوم 30 آذار، ذكرى يوم الأرض. اليوم الذي انتفض فيه فلسطينيو الـ 48 ضدّ مصادرة ما تبقى من أراضيهم التي سُلبت في نكبة 1948 وما بعدها.

لم يعد ضياع القطاع الزراعي هو الهاجس الأساسي للعرب، بل أصبحت هناك تحدّيات حياتيّة ومصيريّة، تتعلّق ببناء البيوت وانعدام مسطحات البناء لذلك، إذ تتحكّم إسرائيل بمعظم الأراضي.

أَسْمَعَ يومُ الأرض 1976 صرخةَ فلسطينيي الداخل أيضاً أمام الرجعيّة العربيّة والقومجيّة، التي ذهبت للتعامل معهم كـ "عرب إسرائيل"، وأدارت ظهرها لهويّتهم الفلسطينيّة وهمّشت وجودهم وشوّهت مكانتهم.

يوم الأرض مستمر

لم يكن يوم الأرض خاتمة لسياسات التهويد وسلخ العرب عن أراضيهم، لقد استمرّت السياسات الإسرائيليّة بكلّ طاقتها وأذرعها في رسم المخططات وإخراجها لحيز التنفيذ، للمزيد من الاستيطان في الجليل وباقي المناطق العربيّة في الداخل مثل منطقة المثلث. وشملت هذه المخططات ‘قامة المدن الكبيرة كمدينة نتسيريت عيليت (الناصرة العليا) ومدينة كرميئيل في الجليل ومؤخراً مدينة حريش في المثلث. ويمكن أن نذكر من بين تلك المخططات الكثيرة مخطط "ميتسبيم" لحكومة بيچين في العام 1979، وهو مشروع استيطاني يهودي تم تنفيذه فعلاً في المناطق المرتفعة في الجليل (ولاحقاً في النقب)، حيث بُنيّت عشرات المستوطنات في الجبال لتشرف على القرى العربية الواقعة في السهول وأسفل الجبال. وتنتهج هذه المستوطنات سياسات عنصرية مغلفة باعتبارات قانونية، مبررات عامة وأنظمة داخلية تكون نتيجتها عرقلة دخول العرب للسكن في هذه المستوطنات، وبالتالي تبقى يهوديّة "نقيّة"، ومشاريع البناء هذه مستمرّة لغاية اليوم، من خلال البناء في الجليل وفي النقب وتشمل أيضاً، نقل صناعات وتشجيع انتقال السكان اليهود من المركز إلى مناطق الشمال، لزيادة الوجود العبري، وتشمل أيضاً سياسات هيمنة وقمع وضبط يوميّة، يتمّ من خلالها مراقبة البناء العربي ومحاصرته، وتنفّذ عمليات هدم للبيوت بشكل شبه يومي، في حين هناك الآلاف من الأوامر لهدم البيوت بحجّة البناء غير المرخّص.

إذا كانت الاتفاقيات الانهزاميّة المهادنة والانقسامات الفلسطينيّة التي شهدناها، قد أحدثت إحباطاً في معنويات الناس وأضعفت الحراكات الشعبيّة الجماعيّة وشتّت المشاريع الوطنيّة الجماعيّة، فإن قيمة الأرض المعنويّة، الحسيّة والحياتيّة لم تتغير، والواقع المرير لم يتبدّل، وما زال الوجود الفلسطيني على الأرض مُستهدفاً، وما زالت قضية الأرض والإنسان هي القضية المركزيّة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard