انتفاضة السودانيين... لماذا لم تَعُد العودة إلى الوراء ممكنة؟

MAIN_Sudan-protests

الجمعة 29 مارس 201905:04 م

قد لا تنجح احتجاجات السودانيين في الإطاحة بالرئيس السوداني عمر حسن البشير، وهذا الأمر سيشكّل صدمة للمطالبين بالتغيير. لكن ما يجب أخذه بعين الاعتبار هو أن نتائج انتفاضة السودانيين المستمرة قد لا تقلّ أهمية عن سيناريو الإطاحة ذاته.

منذ أكثر من ثلاثة أشهر، تنتفض مدن السودان ضد حكم البشير المستمر منذ 30 عاماً. بدأ كل شيء بخروج أهالي مدينة عطبرة، شمال البلاد، في 19 ديسمبر 2018، احتجاجاً على ندرة الخبز، ثم لحق بهم أبناء بقية المدن، معترضين على سوء الأحوال الاقتصادية، وارتفاع نسبة التضخم، وزيادة أسعار السلع والخدمات، وانهيار العملة الوطنية، وأزمة شحّ السيولة النقدية.

ومع أن الحراك بدأ مطلبياً، إلا أن شعارات المتظاهرين سرعان ما تحوّلت إلى شعارات سياسية تنادي بإسقاط النظام، باعتباره مسؤولاً عن الأزمة الاقتصادية وبقية مشاكل البلاد.

وبرز دور "تجمع المهنيين السودانيين"، وهو كيان نقابي، في تنظيم الاحتجاجات، ونجح لغاية اليوم في تحريك الشارع، بل وفي قيادة قاطرة المطالبة بالتغيير السياسي في البلاد.

كسر حاجز الخوف

حين هبَّ الشارع السوداني أخيراً، كان سيناريو سبتمبر 2013 حاضراً في الأذهان بقوة. يومذاك، وخلال أيام معدودة، قضى بالرصاص الحي أكثر من 80 محتجاً، بحسب إحصاءات الحكومة، وأكثر من 200 طبقاً لمراصد حقوقية، ما شكل صدمةً حيال تعاطي النظام ذي التوجهات الإسلامية مع المحتجين السلميين.

هذا السيناريو عاد إلى الأذهان بعد ديسمبر 2018، إذ قدّم السودانيون منذ بداية انتفاضتهم الحالية 32 شهيداً، بحسب وزارة الداخلية، فيما تقول منظمة العفو الدولية إن عدد القتلى تجاوز الـ51.

وبالعودة إلى فكرة ما تغيّر بين سبتمبر 2013 وديسمبر 2018، يقول المحامي والناشط المنخرط في الحراك محمد المختار إن الجديد هو أن القمع الذي قضى على انتفاضة سبتمبر خلال أيام قليلة لم ينجح هذه المرة، إذ أن مظاهر الاحتجاج ما تزال حاضرة في المشهد، غير مبالية بآلة القمع التي تشمل القتل والسحل والاعتقال.

ويستدلّ المختار على ذلك بتحدي المحتجين لقانون الطوارئ الذي فرضته الحكومة منذ 22 فبراير المنصرم، للحد من التظاهرات، منوهاً إلى أن كثيرين ممّن يُلقى القبض عليهم ويُحكم عليهم بالسجن لأشهر، يرفضون إطلاق سراحهم مقابل دفع كفالة أو غرامة مالية، خشية أن يستفيد النظام من هذا التصرّف.

ويضيف لرصيف22: "فوق ذلك كله، باتت محاكم الطوارئ مقارَّ لمحاكمة النظام نفسه، ولإظهار شجاعة المحتجين الذين كثيراً ما يهتفون للوطن وللحرية، وأحياناً أمام القضاة أنفسهم.

جيل التغيير

المُلاحَظ في ثورة السودانيين الحالية هو إمساك جيل عاش أفراده كل عمرهم دون أنْ يعرفوا حاكماً لهم سوى البشير بمقاليد التغيير.

يشير المختار إلى أن جيل ما دون الثلاثين عاماً أظهر شجاعةً نادرة في مواجهة الآلة الأمنية. ومع أن معظمهم قد يكون يخرج لأول مرة للتظاهر، غير أنهم "أظهروا إجادة بالغة للعبة الكرّ والفرّ مع العسكر، وأبانوا عن روح قتالية يُظهرها صمودهم حتى وإنْ كان الثمن رصاصة في القلب، ومن الشواهد الدالة على ذلك وقوف الشهيد عبد العظيم أبو بكر بشموخ رافعاً يديه بعلامة النصر أمام رتل من السيارات العسكرية، دون أن يبالي بدفع حياته ثمناً لهذا الموقف البطولي".

ويلفت المختار إلى هتافات المعتقلات المناديات بالحرية من داخل أحد أقسام الشرطة، ورفع متظاهر علم السودان، وهو تحت وطأة أحذية العسكر الثقيلة، وتدافُع الشباب لحماية زميلاتهن من عسف السلطة، و"غيرها الكثير من المواقف الزاهية التي يحتاج حصرها إلى كتيّبات".

"مُذهلة"

"صوت المرأة ثورة". بهذه العبارة يمكن تلخيص ما يجري في السودان منذ ديسمبر المنصرم. فمنذ أن انطلقت الاحتجاجات، تشكّل النساء العامل الرئيسي في إنجاح كل الفعاليات الثورية.

الناظر إلى أيّة مسيرة احتجاجية سيرى شابات يافعات يشاركن الرجال كافة أنواع العمل الثوري، بل ويلقَين نصيبهنّ من التنكيل والقمع والاعتقال كاملاً غير منقوص.

تقول الناشطة النسوية صفية الجيلي لرصيف22 "إن حجم التقدير الذي وجدته النساء في هذه الثورة كان من أسباب تنامي مشاركتهن فيها يوماً بعد يوم".

وتضيف أن تجمع المهنيين السودانيين في كل فعاليته لم ينسَ المرأة، التي هي مساوية للرجل في كل خطاباته ونداءاته، وفوق ذلك كله خصص لها مواكب وجعل زغرودتها كلمة السر التي يتقاطر عندها الشباب من كل حدب وصوب للمشاركة في المسيرات وإطلاق الهتافات المطالبة بالتغيير.

"قِيَمٌ عليا"

"سلمية، سلمية" هو الشعار الأثير عند محتجي السودان. تجده حاضراً في التظاهرات، وعلى اللافتات، ويبقى حاضراً حتى عند المحكّات الصعبة.

فكلما قُتل متظاهر، يتساءل البعض عن جدوى السلمية أمام قمع السلطة، وينادي بتسليح الثوار ومقابلة عنف السلطة بعنف أشدّ.

لكن العقلاء ما يلبثون أن يمتصّوا هذا الرأي، مؤكدين أن لا شيء يهزم السلطة أكثر مما تفعله السلمية كشعار وواقع حال.

قد لا تنجح احتجاجات السودانيين في الإطاحة بالرئيس السوداني عمر حسن البشير، لكن ما يجب أخذه بعين الاعتبار هو أن نتائج انتفاضة السودانيين المستمرة قد لا تقلّ أهمية عن سيناريو الإطاحة ذاته...
مكاسب الثورة السودانية كثيرة... يختصرها ربيع عبد العاطي في "الإصلاح"، وحسن رزق في "وحدة الصف المعارض"، وصفية الجيلي في "الجندر"، أما المحامي محمد المختار فيلخّص ذلك كله بكلمةٍ واحدة: "الوعي"

كذلك، من الشعارات التي عكست قيم ومضامين ثورة السودان شعار "يا عنصري ومغرور، كل البلد دارفور"، وصكه الثوار في مواجهة حملة تستهدف أبناء الإقليم المضطرب منذ عام 2003 وتحاول تحميلهم وزر قتل المتظاهرين.

فقد قال مدير جهاز الأمن السوداني صلاح عبد الله قوش إن القوى الأمنية ضبطت خلية تنتمي إلى حركة تحرير السودان الدارفورية، بقيادة عبد الواحد نور، قبل قيامها بعمليات إرهابية تستهدف الثوار بهدف إلصاق التهمة بالحكومة.

رصيد سياسي

ماذا كان أثر الاحتجاجات على المعارضة؟ عن هذا السؤال، يجيب القيادي الإسلامي، ونائب رئيس "حركة الإصلاح الآن"، حسن رزق ويقول لرصيف22: "أدى حراك الشارع إلى تحرّك المعارضة بحثاً عن توحيد صفوفها، وتوحيد المبادرات العديدة لتلبية طموحات الشعب، ولو بالتراضي على الحدود الدنيا من التوافقات نحو قيام حكومة انتقالية تعمل على إزالة حكومة الحزب لصالح دولة الوطن".

وكان حسن رزق وعدد بارز من قادة حركة الإصلاح، من أبرزهم غازي صلاح الدين وفضل الله أحمد، قد انشقوا عن حزب المؤتمر الوطني الحاكم بعد هبة سبتمبر 2013، طارحين صيغة حزب جديد في مذكرة رفعوها عُرفت باسم "مذكرة الـ31".

وقرر الحزب فصل هؤلاء القياديين الذين رفضوا استخدام العنف ضد المتظاهرين وانتقدوا سياسات الحكومة الاقتصادية وغياب الحرية في السودان.

فوائد حكومية

لا تقتصر ثمرة الاحتجاجات على المعارضة دون الحكومة. يعدّد القيادي في حزب المؤتمر الوطني، د. ربيع عبد العاطي، بعضاً مما استفاده حزبه من حركة الاحتجاجات، ويشير إلى أن الحزب الحاكم "بدأ يتحسس مواطن الخلل داخله، ويعمل حالياً على إصلاحها بالسرعة المطلوبة".

وقال لرصيف22: "ما من خيارات كثيرة أمامنا. إما الإصلاح وإما السقوط".

يُذكر أن الرئيس البشير كان قد جمَّد مناقشة تعديلات دستورية تسمح له بالترشح لولاية رئاسية جديدة في انتخابات 2020، كما حلّ حكومة رئيس الوزراء السابق معتز موسى قبل إكمالها نصف عام من عمرها، في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي المتصاعد.

مكاسب الثورة السودانية كثيرة ولا يمكن حصرها في هذه النقاط، ولكن عبد العاطي يختصرها في "الإصلاح"، وحسن رزق في "وحدة الصف المعارض"، وصفية الجيلي في "الجندر"، أما المحامي محمد المختار فيلخّص ذلك كله بكلمةٍ واحدة: "الوعي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard