سيدة المعبد التي تحكي قصّة اليهود في مصر

الخميس 28 مارس 201907:40 م
تقطع ممراً ضيقاً بين أروقة الكنائس الأثرية، فتصل إلى معبد بن عزرا اليهودي. هناك تجلس راعية المعبد، سيدة تكاد تتجاوز الخمسين من عمرها، يتدلى شعرها القصير المصبوغ باللون الأصفر، فوق وجهها ذي التعبيرات الصارمة، تضع هاتفها الذي فوق غطائه نجمة داود جانبًا، وتراقب تحركات وتصرفات كل من يدخل إلى المعبد، بطريقة قد تشعرك أنها تعد أنفاسك.

على عكس ما قد تزوره في هذا المكان من مصر القديمة من كنائس، أو مساجد كمسجد عمرو بن العاص، التي تتصف بكونها رحبة، مليئة بالتفاصيل، والنقوش، والأيقونات، والزخارف، تجد مساحة هذا المعبد صغيرة نسبياً إذا ما قورن بدور العبادة الإسلامية أو المسيحية في هذا المكان، يتكوّن من طابقين، الطابق الأول الذي يحتوي على تابوت العهد، والهيكل، مخصص لصلاة الرجال، والطابق الثاني هو مصلى للسيدات.

لكنه، يبدو ذا أهمية تاريخية كبيرة لوجود (الجنيزا) فيه، وهي مجموعة الأوراق والوثائق التي لا يجوز إبادتها أو إهمالها وفقاً للديانة اليهودية، وخصوصاً إذا ضمت اسم الله بين ثناياها، وإنما يتم تخزينها في غرفة معزولة في الكنيس أو المعبد لأجيال عديدة، ولقد اشتقت من هذه الكلمة كلمة (جنازة) بالعربية، أي الدفن أو الدفينة؛ لأنه يجب بعد كل مدة جمع هذه الوثائق ودفنها في المقابر، وقد عثر في معبد "بن عزرا" على مجموعة من الوثائق النادرة، والتي يمكن منها تأريخ أوضاع اليهود المعيشية لقرون طويلة، وأحوال مجتمعهم.

لكن، ما قد تجده من ود حين تزور مثلاً الكنيسة المعلقة، أو كنيسة مار جرجس، أو كنيسة بئر السيدة العذراء، حيث تجد تلك الوجوه التي تستقبلك بترحاب، وتجيب على أسئلتك، أو تصحبك لمغارة وبئر السيدة العذراء، وتهدي إليك كوباً من مياهه، أو تعطيك شمعة لتضيئها في النذور، أو تجد مثلًا من يهدي لك وأنت تدخل إلى مسجد عمرو بن العاص سترة إذا كانت ملابسك غير ملائمة لدخول المصلى في المسجد، حسب تعاليم الديانة الإسلامية.

لكن هذه المشاعر تغيب عندما تدخل المعبد اليهودي، وتستقبلك السيدة التي تجلس هناك، بعدما ترمقك بنظراتها وبصوتها الحاد ستقول لك، وصاياها الـ لأ: "لا تصور شيئاً، لا تلمس شيئاً، لا تتحدث بصوت عالٍ"، مما يجعلك تخرج سريعاً من هذا المكان، الذي فقد كل لون من ألوان البهجة، وقد تهرع لأول شخص تقابله في طريقك لتشكو له سلوك سيدة المعبد. الذي غالبًا سيكون حارس المعبد، الذي سيحاول مواساتك بقوله: إن شريعتها اليهودية تحرم التصوير، وممكن أن تصور خارج المعبد، وقد يطلعك على بئر جفت مياهها بجوار المعبد، ويخبرك أنه يقال : "هي البئر التي كانت بجوار منزل أم موسى عليه السلام، ومن هنا ألقته في النيل ليصل إلى فرعون".

دعونا نتصور كم المعاناة التي قد تكون واجهتها هذه السيدة، في مجتمع لم يستطع غالبيته التفريق بين كيان صهيوني استعماري، وبين مواطن مصري يهودي. 

إن عبارة الوحدة بين عنصريّ الأمة هي أكثر العبارات التي تحمل عنصرية في طياتها، لأنها تختزل الأمة المصرية في عنصرين فقط (مسلمين، ومسيحيين) ، بشكل يمثل تجاهلاً لمفهوم الدولة المدنية التي تحترم التعدد الفكري والديني والمذهبي لمواطنيها.

المواطنة هي أن لا يُهجر أو يضطهد، أو ينتقص من حقوق أحد، على أساس دينه، أو عرقه، أو جنسه، أو معتقداته السياسية أو الفكرية.

اليهود في مصر

لكن، دعونا نتصور كم المعاناة التي قد تكون واجهتها هذه السيدة، في مجتمع لم يستطع غالبيته التفريق بين كيان صهيوني استعماري، وبين مواطن مصري يهودي. وسلطة سياسية قررت أن تلفظ أبناء الوطن من اليهود خارج وطنهم، لتلقيهم في أحضان ذلك الكيان.

شحاتة هارون، يهودي مصري، ذو أيدلوجية يسارية، درس الحقوق في جامعة فؤاد الأول، وعمل بعدها بالمحاماة، ورفض الرحيل إلى إسرائيل بعد صدور قرار جامعة الدول العربية بترحيل اليهود العرب إليها، وتمسك بالجنسية المصرية. وعندما خرج الشاعر الفلسطيني محمود درويش من حيفا، بعث له برسالة، يقول له فيها: "تحية من القاهرة، صخرتي التي لن أبيعها باللآلئ، حبيبتي التي لن أهجرها، أنت وأنا الأمل، لو عدت أنت لحيفا، وصمدت أنا في القاهرة".

كان لشحاتة هارون ثلاث بنات: (منى، ونادية، وماجدة)، ولم تعرف نادية وماجدة بحكاية أختهما الكبرى إلا بعد أن كانت أصغرهما في الخامسة عشرة؛ لأن منى ماتت وهي صغيرة، فقد أصيبت في الخمسينيات بمرض خطير في الدم، وكان لا بد أن يتوجه لباريس لعلاجها، ولقد تقدم لطلب التأشيرة، لكن السلطات أصرت إن سافر، لن يعود إلى الوطن أبدًا. لكنه، قرر أن يبقى في مصر؛ حتى لو كان هذا يعني أن يفقد ابنته الكبرى، وهذا ما حدث ، فقد ماتت ابنته الكبرى.

المواطنة ألا يُهجّر أحد

في اعتقادي أن عبارة الوحدة بين عنصريّ الأمة، التي أصبحت شعاراً سياسياً ذائعاً، هي أكثر العبارات التي تحمل عنصرية في طياتها، لأنها تختزل الأمة المصرية في عنصرين فقط (مسلمين، ومسيحيين) ، بشكل يمثل تجاهلاً لمفهوم الدولة المدنية التي تحترم التعدد الفكري والديني والمذهبي لمواطنيها، مانحةً حقوق المواطنة لكل المنتمين لها، ولنسيجها الوطني، بغض النظر عن اتجاهاتهم الدينية والفكرية، ودون أن تكون حكراً لعنصر أو عنصرين دون الآخرين، مما يمثل تعدياً واضحاً، وتجاهلاً لحقوق الباقيين.

فالمواطنة أن لا يحدث كل هذا؛ أن لا يُهجر أو يضطهد، أو ينتقص من حقوق أحد، على أساس دينه، أو عرقه، أو جنسه، أو معتقداته السياسية أو الفكرية.  أن يتمتع الفرد بعضوية وطنه، ويستحق بذلك ما ترتبه تلك العضوية من امتيازات، وما تكفلها من حقوق، وما تفرضها من التزامات، بشكلٍ يتيح له المشاركة في أمور وطنه، والارتواء من معين انتمائه له.

المواطنة هي أن يتم إشباع الحاجات الأساسية للأفراد، بحيث لا تشغلهم هموم الذات عن أمور الصالح العام، بما يؤسس للتعاون والتكامل والعمل الجماعي المشترك لصالح الوطن. المواطنة أن تتماهى كل الأعضاء المختلفة والمتباينة داخل جسد الوطن، تستمد الحياة من نبض قلبه، وتؤدي كل منها وظيفتها التي تختلف كل واحدة منها عن الأخرى. لكن، لا يمكن الاستغناء عن واحدةً منها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard