تقبيل رأس علي الديك أو تصعيد جديد في آليات القمع

الخميس 28 مارس 201912:56 م

يسأل بيار رباط مقدم برنامج "منا وجر" على شاشة قناة "الأم تي في" اللبنانية ضيفه المغني السوري الموالي للنظام علي الديك، عن موقفه من قضية الإعلان الأميركي عن السيادة الإسرائيلية على الجولان. يجيب الضيف مكررًا كل رطانة البعث وكلامه المكرور حول التحرير والمقاومة، وتجاهل واقع التاريخ والجغرافيا.

يلتفت أحد معدي البرنامج سلام الزعتري إلى هشاشة هذا السياق فيحاول تنبيه الضيف إلى أن ما يقوله لم يعد له مكان، وأن الوقائع قد تجاوزته منذ زمن بعيد فيذكره بأن النظام السوري هو من باع الجولان. هنا ينتفض الضيف مهتاجًا مهددًا بالانسحاب من البرنامج. يحاول الزعتري أن يشرح قصده أو أن يناقش الضيف ولكنه لا يسمح له، فيعمد إلى الانسحاب مصحوبًا بالأناشيد الحماسية، تحت وطأة عاصفة تصفيق ممنهج يشعلها مخرج البرنامج مع إدلاء الضيف بشعارات تمجيد الأسد ونظامه والاستعداد للموت من أجله. يوافق أخيراً على البقاء بعد حملة استرضاء عامة يقوم بها مقدم البرنامج وكل فريق الإعداد، تصل إلى حدود إقدام بيار رباط على تقبيل رأسه.

لم يتعاطف أي شخص من فريق الإعداد مع الزميل الذي خرج احتجاجًا على مثل هذا السلوك. ظهر المغني السوري في هيئة نجم النجوم الذي لا يمكن للبرنامج ولا للمحطة السماح له بتنفيذ تهديده بمغادرة البرنامج مهما كان الثمن، وتاليًا فإنه بما يمثّله قد بات ناطقًا باسم سلطة مطلقة لا يمكن مناقشتها.

يمثّل هذا السياق تصعيدًا كبيرًا في آليات عمل المنظومات القمعية في المنطقة، ففي مرحلة سابقة كانت تكتفي بالسعي إلى تحويل كل ما تقوم به من مجازر لا يمكن الشك في حدوثها إلى نوع من وجهة نظر تقارع وجهة نظر أخرى.

هكذا كانت تدفن الكثير من الارتكابات والآلام والجثث، ولكنها كانت لا تزال تمتلك القدرة على أن تصرخ وأن تعبر عن نفسها، أو على الأقل أن تنتزع لنفسها الحق في الوجود وفي امتلاك وجهة نظر حول ذاتها. ما يجري حاليًا يمثّل حالة إغلاق قصوى لكل النقاشات لصالح لعبة جديدة لا يمكن فيها أن يكون هناك صوت للآخر.

علي الديك ليس فنانًا مواليًا للنظام ينقل رأيًا يمكن أن يواجه، بل ينطق باسم زمن جديد كامل الأوصاف وراديكالي الملامح، ولا مكان فيه لأي صوت آخر، وليس انصياع الإعلام اللبناني لمثل هذا الخطاب والاستسلام له، سوى نوع من الاستجابة لما يحصل في المجال العام في لبنان والمنطقة وتناغم مرعب معه.

يماثل هذا الأمر ما جرى مع الفنانة المصرية شيرين التي صدر قرار بحرمانها من الغناء بعد أن أدلت خلال إحدى حفلاتها بتصريح اعتُبر انتقاصًا من هيبة بلدها وإساءة إلى سمعتها، حيث عرضت لقضية الحرية التي لا تتوفر في البلد، والتي لو مورست داخله فقد تؤدي بصاحبها إلى السجن.

لم تكن ردة الفعل محاولة لفتح النقاش مع الفنانة أو مساءلتها عن قصدها، بل كان القرار بمنعها من الغناء، أي باقتلاع حنجرتها التي تمثّل كل ما لديها، وهو ليس أقل من حكم إعدام. يلخص مشهد شيرين مصائر السياسة والفن والقيم في المنطقة، فما قام به علي الديك ليس أقل من حرق قضايا الشعبين اللبناني والسوري أمام عدسات البث المباشر.

يمثّل هذا السياق تصعيدًا كبيرًا في آليات عمل المنظومات القمعية، ففي مرحلة سابقة كانت تكتفي بالسعي إلى تحويل كل ما تقوم به من مجازر لا يمكن الشك في حدوثها إلى نوع من وجهة نظر تقارع وجهة نظر أخرى.

علي الديك ليس فنانًا مواليًا للنظام ينقل رأيًا يمكن أن يواجه، بل ينطق باسم زمن جديد كامل الأوصاف وراديكالي الملامح، ولا مكان فيه لأي صوت آخر.

لم نجد قبل ذلك إعلامًا يحتفي بالصمت والوجوم ومنع التعبير، ولكن حالة علي الديك تؤسس لاغتيال الطرف الآخر الذي لم يعد ممكن الحضور بل صار ممنوعًا، كما كرر الضيف مرارًا خلال استعراضه للمسموح والممنوع. .

يمكننا دون كثير مغالاة أن نعتبر أن تاريخ بث هذه الحلقة هو الإعلان الرسمي عن نهاية الإعلام اللبناني بكل الأوهام التي ارتبطت به، والتي تمنحه القدرة على اصطناع هامش حرية لا يتوفر في كل إعلام المنطقة.

لم يخضع الإعلام اللبناني في حلقة "منا وجر" لترهيب واضح يمكن أن تكون معارضته مكلفة ولكنه هلل له واحتفى به، وطلب مخرج البرنامج من الجمهور التصفيق لهذا الترهيب والترحيب به، ثم قام مقدم البرنامج بتقبيل رأس ممثل الترهيب والناطق باسم مدبر المجازر.

وبذلك لا يمكننا أن نقول إلا أننا أمام نهاية تحتفل بنفسها، فالإعلام هو الكلام والتعبير، وطالما أنه بقي كذلك فإن النقاش يبقى ممكنًا حتى في ظل تردي المستوى.

لم نجد قبل ذلك إعلامًا يحتفي بالصمت والوجوم ومنع التعبير، ولكن حالة علي الديك تؤسس لاغتيال الطرف الآخر الذي لم يعد ممكن الحضور بل صار ممنوعًا، كما كرر الضيف مرارًا خلال استعراضه للمسموح والممنوع. وهكذا فإن المشهد بات "إعدامًا" يمارس على الهواء.

ومن ناحية أخرى فإن ارتباط الديك بالنظام السوري يؤدي وظيفة مزدوجة أمام النقاشات الكبرى المفتوحة في المنطقة وأمام علاقة اللبنانيين والسوريين بتاريخهم ومستقبلهم. من ناحية أولى يؤدي وظيفة إغلاق النقاش اللبناني والسوري حول شرعية النظام، وتاليًا فإن كل الجروح اللبنانية والسورية العميقة والمفتوحة والمتصلة بقضايا مرتبطة به من قبيل قضايا المخطوفين والمفقودين والذين سقطوا تحت التعذيب ومصائرهم قد وضعت خارج التداول. يحل مكان كل تلك القضايا زمن يبدأ الآن، وعنوانه النسيان الإلزامي الذي يمهد لتكرار الزمان الماضي بصيغة أكثر راديكالية.

الوظيفة الثانية تكمن في لا نهائية الأوصاف التي تلصق بأمثال الديك والتي تفرض عبر آلة إعلامية ضخمة، فهو لم يكن مجرد مغن يتناول شأنًا سياسيًا، بل تحوّل إلى مؤرخ وعالم جغرافي ومحلل سياسي، كما أنه قابل لحمل كم لا حصر له من الصفات التي ستتراكم مع ظهوراته، إضافة إلى أن تقبيل رأسه بهذه الشكل التوسلي كرسّه كأخ أكبر.

هذا التناسل اللانهائي للصفات وتكريسها هو مقبرة جماعية لها جميعًا ودليل على استحالة التأريخ والسياسة والجغرافيا، وأكثر من ذلك الفن، فقد كان تكريس علي الديك،الذي يؤكد كل العارفين بالغناء والموسيقى أنهم لا يعرفون ماذا يفعل أو ماذا يؤدي، فنانًا ومطربًا من قبل قنوات الممانعة عمومًا واللبنانية خصوصًا، تمرينًا شاقًا على استقبال الفظاظة وتلقيها واستساغتها بوصفها الفن كله، الذي يجب النسج على منواله.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard