Goodreads: هل ما زالت منصة مثاليّة لمن يحبّ العزلة؟

MAIN_Goodreads

الأربعاء 27 مارس 201906:25 م

دائماً ما كان التعامل مع موقع Goodreads حالة لطيفة، ليس لأنه موقع مختص بالثقافة فقط، بل لمزيجه المحبب بين الداتا الهائلة المختصة بالكتب، مثل موقع IMDb المختص بكل المعلومات السينمائية أو موقع Deezer أو Spotify المختصين بداتا الموسيقى، بل أيضاً لاحتوائه على إمكانية التواصل الاجتماعي مع الأصدقاء، والرسائل، والتحديثات والآراء القصيرة والتقارير (الريفيوهات) الطويلة، دون الانغماس في متاهة الصراعات كما Facebook أو تتبع هاشتغات Twitter. هذا المزيج الخفيف والثقافي، جعل من الغودريدز حالة مثالية للناس الأكثر علاقة مع ذواتهم أو الأقرب لنمط الانعزال، حيث يؤمّن لهم كماً من معلومات كبيرة، دون أن يُفرض عليهم علاقات اجتماعية افتراضية فوق طاقاتهم. أو إدخالهم في صراعات لا تثمر.

وبقي الغودريدز يمارس تطوره ضمن هذا الشكل التوافقي، فلم يتحوّل إلى سيطرة معرفية كاملة على حساب البشر، ولا طغى عليه الطابع الاجتماعي على حساب المعرفي. لكن هذه الحالة التوافقية لم تستمر كثيراً، وبالأخص من ممارسي وسائل التواصل الأخرى. فبدأت حسابات مدمني الفيسبوك والتويتر بصناعة حسابات على الغودريدز دون التفاعل فيه، كنوع من أنواع الاحتفاظ بالحساب حتى لو لم يكن صاحبه قارئاً أو لديه إدمان للإطلاع. وتلك فعلياً لم تكن مشكلة كبرى، فبطبيعة الحال، هذا حق لعالم أصبح لا يعترف إلا بالقدرة على إثبات الذات بطريقة ما إلا من وراء الشاشة.

لكن ما جعلني أتوقف عند ظاهرة الحسابات التي لا تعمل على الموقع (وربما كان رأيي متطرفاً قليلاً لكنه جائز)، هو أن الموقع لا يحقق فعلياً التوسّع الذي يبيحه الفيسبوك مثلاً بالنسبة للأشخاص، لأن طبيعة الغودريدز تقوم بالدرجة الأولى على تحليل الكتاب، بمعنى هو الرأي الذي لا يخرج من دائرة المُعطى الأساسي. هنا نحن لا نتعامل بطرح رأي حر أو كتابة أدبية ذاتية، أو فكرية ممتعضة من موقف اجتماعي أو سياسي. إننا نتعامل مع رأي حر لكنه تنافسي بنفس الوقت مع شخص يقول رأيه في كتابه، إننا نمارس علاقة تحليلية نديّة ومسؤولة معرفياً تجاه آرائنا. ففي عالم الفيسبوك والتويتر يمكن أن نكتب ونقول ما نشاء، يمكن أن نشتم بلا رادع تحت مبدأ حرية الرأي الشخصي، لكن هذا الأمر في الغودريدز غير مقبول كثيراً، إلا إذا ترافق مع تحليل مختلف. هذه الطبيعة للموقع تفرض على ممارسه أن يكون أكثر نفاذاً برؤيته للأمور والأفكار.

هذا بتصوري أحد أهم الأسباب التي تجعل حسابات كثير ممن يجدون أنفسهم على مواقع التواصل الأخرى، أن يتوقفوا عن التعامل مع الغودريدز. فليس من السهولة أن تحظى بلايك تحت مبدأ أن هناك شخصاً صديقك يمكن أن يدعمك تعاطفياً. الموقع نسبياً يمتلك نخبوية في التعامل ووعياً مختلفاً من قبل الأشخاص عن أي ممارسة على المواقع الأخرى.

غودريدز حالة مثالية للناس الأكثر علاقة مع ذواتهم أو الأقرب لنمط الانعزال، حيث يؤمّن لهم كماً من معلومات كبيرة، دون أن يُفرض عليهم علاقات اجتماعية افتراضية.

في الفيسبوك والتويتر يمكن أن نكتب ونقول ما نشاء، يمكن أن نشتم بلا رادع تحت مبدأ حرية الرأي الشخصي، لكن هذا الأمر في الغودريدز غير مقبول كثيراً، إلا إذا ترافق مع تحليل مختلف.

بالطبع نحن لا نعمم على كل حالات ممارسي الغودريدز، لكنها للأسف ظاهرة أصبحت حاضرة. إنها تتحول تدريجياً إلى نمط فيسبوكي وإن ما زالت تحتفظ بنخبويتها.

تلك النزعة الكارزماتية في التفوّق والظهور التي يمارسها أغلب الفيسبوكيين والتويتريين، لم تعد خاصة بهما، إنها تمتد لتشمل حتى الجزء الثقافي بعلاقته الندية مع الكتاب. 

لكن بالمقابل ظهرت على الغودريدز في السنوات الأخيرة حالة خرجت من سياق الداتا المعرفية وأصبحت أقرب لمفهوم التواصل وصناعة الرأي والكاريزما الثقافية وتأثيره على الوعي والآراء العامة في الموقع.

فكلما ازداد عدد الأصدقاء، ازدادت إمكانية الحصول على لايكات أكثر، وبالتالي إمكانية ظهور ذلك الرأي لدى أصدقاء الأصدقاء، مما يفترض إمكانية إضافة صاحب الرأي مرة جديدة لقائمة الأصدقاء الجدد، وتستمر الدائرة إلى ما لا نهاية. ويصبح صاحب الرأي تدريجياً صاحب كاريزما وحضور ثقافي برغم أنه يطرح آراءً قد تكون أقل من عادية. ويصبح الرأي حينها صاحب تأثير على الوعي العام وحتى على الرأي الشخصي للصديق الأضعف من ناحية الأصدقاء واللايكات.

بالطبع نحن لا نعمم على كل حالات ممارسي الغودريدز، لكنها للأسف ظاهرة أصبحت حاضرة. إنها تتحول تدريجياً إلى نمط فيسبوكي وإن ما زالت تحتفظ بنخبويتها.

إن كنت تملك حساباً على الغودريدز، فقد يصل إرسال طلبات الصداقة إليك يومياً إلى 3 طلبات. حالة إرسال عشوائي، دون أن يقرأ الآخر أي شيء مما كتبته من آراء وريفيوهات، دون أن يقف على كيف تفكّر وبماذا تفكّر وكيف ترى الأمور. فقط إرسال طلبات. والأكثر من ذلك، عندما يدخل أحد ما صفحتك الشخصية ويأتيك بأقل من دقيقتين أكثر من عشرين إشعاراً على عشرين كتاباً قد قرأتها خلال الأشهر الماضية من نفس الشخص، الذي من المفترض إن كان يقرأ ريفيوهاتك فسيحتاج على الأقل نصف ساعة لإنهاء قراءة آراءك. حتى أن تلك اللايكات تثير لديك نوعاً من الغثيان، لشعورك الضمني أن الشخص الذي يدعمك بلايك هو فعلياً يستهتر بتعبك العقلي خلال كل ذلك الوقت من القراءة، إنها تشكّل لديك رد فعل عكسياً، إن كنت تمتلك القليل من الإدراك.

هذه الظاهرة يمكن تسميتها على مبدأ المثل الشعبي (زعترلي لمشمشلك). أنا أدعمك فيجب أن تدعمني. وهي أيضاً تخلق كاريزما ثقافية لبعض الأشخاص في إيصال آرائهم لأكبر شريحة ممكنة، دون أن تحمل تحليلاً أو معنى. من حق البشر أن يفكروا ويقولوا ما يريدون، لكن عندما يصبح ذلك الحق (نتيجة طبيعة العوالم التكنولوجية والافتراضية) سائداً على المنطق والعمق، ومسيطراً على الرأي الأضعف تحت مبدأ حرية التعبير، عندئذ تبدأ حالة انهيار عقلي شامل، وتؤدي إلى نتائج كارثية. تلك النزعة الكارزماتية في التفوّق والظهور التي يمارسها أغلب الفيسبوكيين والتويتريين، لم تعد خاصة بهما، إنها تمتد لتشمل حتى الجزء الثقافي بعلاقته الندية مع الكتاب، أي تمظهرية الثقافة والوقوف على رأس الهرم.

يبدأ من هنا سؤال: هل هذه الكاريزما الافتراضية والتمظهرية الثقافية تقدمنا كأشخاص قادرين على الفهم والإبداع والإنجاز، أما تجعلنا أقرب للرؤية الأيكوية (أمريتو أيكو) كمنبوذين من حقيقة العالم الفكري والتواصلي، كالمدمنين والمتعصبيّن؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard