"كم أنت أحمق يا قلبي": شعر الحبّ عند الفراعنة

السبت 6 أبريل 201909:26 ص

كما يصير الخمر في الماء كالسائل الواحد

ذاب حُبك في جسدي وصارا كياناً واحداً.

هذا ليس بشعر عربي، ولكنه هيروغليفي فرعوني، نقلناه إلى العربية بعد أن تُرجم إلى الإنجليزيّة، تصوّر فيه حبيبة حبّها لحبيبها، كأنه خمر اختلط بجسدها فصارا شيئاً واحداً.

حظي شعر الحب في مصر القديمة باهتمام وملاحقة كبيرة من الشعراء الأمريكيين في القرن العشرين. إن أعمال الكَتَبَة التي كانت تحظى بالإعجاب منذ آلاف السنين، أثارت اهتمام مواهب أدبيّة مثل والت ويتمان Walt Whitman، عزرا باوند Ezra Pound، ألكسندر بوب Alexander Pope، وغيرهم ممن أعادوا تقديم شعر الحب الهيروغليفي بالإنجليزيّة ولغات حيّة أخرى، متأثرين بالبلاغة الأدبيّة غير المحدودة، التي استخدمها الشعراء المصريين القدماء، حسبما تقول الشاعرة والباحثة الكنديّة سونيا دي بلاسيدو Sonia Di Placido.

من دراسة لسونيا دي بلاسيدو بعنوان: " The LOVE POETRY of ANCIENT EGYPT"، وأخرى بعنوان: " Behind closed doors architectural and spatial images and metaphors in ancient Egyptian erotic poetic and narrative literature " لبروفيسور علم المصريات ستيف فينسون Steve Vinson، نستخلص ما سنذكره في السطور التالية عن شعر الحب عند المصريين القدماء وعصره الذهبي وسماته، وكذلك ما سنستعرضه من تلك الأشعار.

فلماذا يحظى شعر الحب عند الفراعنة بهذه الأهمية؟ كيف كانت سماته؟ ومتى كانت فترة ازدهاره؟

"كيف الخلاص منك؟ لقد وهنتُ أمام شفتيك".. جولة في شعر الحب عند الفراعنة

العصر الذهبي لشعر الحب المصري القديم

توحّدت المملكة المصريّة بشطريها الجنوبي والشمالي عام 3200 قبل الميلاد، على يد الملك مينا، أو "نارمر"، وتأسّست وقتها ما عرفت بالدولة القديمة، ثم قامت ما عرفت بالدولة الوسطى (2040: 1640 ق.م)، وتلتها الدولة الحديثة (1570: 1070 ق.م)، التي شهدت تحول مصر إلى إمبراطوريّة تمدّدت خارج أراضيها، شمالاً عبر الشام وحتى الأناضول، وجنوباً إلى السودان.

ذروة التقدّم والحضارة الفرعونيّة كانتا في الدولة الحديثة التي شهدت تطوراً في شتى مناحي الحياة، وكان منها شعر الحب، خاصّة فيما يتعلق بفترة الرعامسة، نسبة إلى "رمسيس الأول، الثاني.. حتى رمسيس الخامس"، التي بنهايتها كانت نهاية الدولة المصريّة، وانتهاء حضارة الفراعنة على يد الفرس.

دلّت تلك الأشعار والأغاني على ثقافة وفيرة، برهنت على أن عهد مصر القديمة كان قوياً اجتماعيّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً، وكذلك حسّاساً ورومانسيّاً. لقد كان الكتبة في هذا الوقت جزءاً من النبلاء المصريين، وتساووا في القيمة الاجتماعيّة مع كهنة المعابد.

الحراك الاجتماعي النسبي في الدولة الحديثة سمح للمواهب من أي نوع بالحصول على مناصب بارزة، ويبدو أن النساء، المتزوجات وغير المتزوجات، كنّ متساويات قانونياً وعملياً مع الرجال، ومن هذا المنظور نلحظ أن المرأة في الدولة الحديثة تصرّفت في إرثها وممتلكاتها ووضعت الوصايا الخاصّة بكيفية التصرّف في ممتلكاتها بعد وفاتها، دون وساطة أو وصاية من أحد.

صحيح أن جاي روبينز Gay Robins عالمة المصريات تقول إن هناك حالة من عدم المساواة بين المرأة والرجل في تلك الفترة، متحججة بعدم وجود كهنة معابد أو موظفات دولة من النساء، ولكنها أغفلت دور النساء الفلاحات، وقد كانت مصر دولة زراعيّة تعمل الأغلبيّة الكاسحة من أهلها في الزراعة، وأغفلت أيضا وجود ملكات من النساء.

أغلب البرديات التي حوت هذه الأشعار اكتُشفت في "دير المدينة"، شمالي الأقصر، تلك القرية التي كانت سكناً للعمال والحرفيين في الفترة من الأسرة 18 إلى الأسرة 20 ونهاية الدولة الحديثة، وجزء كبير من هذه البرديات موجود بمتحف تشيستر بيتي Chester Beatty في أيرلندا.

استخدم الشعر المصري القديم البيت الشعري ذا الشطرين المتماثلين تماماً في الوزن والقافية، لتكوين قصيدته، وكل شطرين كوّنا جملة شعريّة واحدة، فيما يشبه الشعر العمودي العربي، أو ما يُعرف في النقد الأدبي الغربي بـ" couplet form" أو "الشكل الزوجي".

ملامح الشعر الفنيّة:

-من حيث الشكل شملت قصائد الحب المصريّة، الأغاني والأناشيد والترانيم التي كانت النساء يشدين بها خلال مراسم الزواج، كذلك شملت النصوص التعليميّة أو ما يُعرف بشعر الحكمة، تراتيل الصلاة، الحكايات والأساطير.

-استخدم الشاعر المصري القديم البيت الشعري ذا الشطرين المتماثلين تماماً في الوزن والقافية، لتكوين قصيدته، وكل شطرين كوّنا جملة شعريّة واحدة، فيما يشبه الشعر العمودي العربي، أو ما يُعرف في النقد الأدبي الغربي بـ" couplet form" أو "الشكل الزوجي".

وكوّنت هذه الأبيات -ذات الوزن والقافية الواحدة- ثلاثيّات (٣ أبيات متماثلة) ورباعيّات (٤ أبيات متماثلة) شعريّة، ولكن كان يمكن فهم كل بيت بشطريه منفرداً.

-كما استخدم الشاعر المصري الأدوات البلاغيّة، من تشبيه وكناية واستعارة، وغيرها.

-السمة الصعبة في الشعر المصري أن قائله في أوقات كثيرة كان طرفاً ثانياً أو ثالثاً، أي راوياً يتحدّث عن غيره، أو كان يضع نفسه موضع أبطال شعره، فمرّة نجد شعراً بضمير المؤنث وأخرى بالمذكر، وفي كثير من الأحيان يتم الجمع بين الضميرين في نفس القصيدة، ما يحدث خلطاً وتعقيداً في الفهم أحياناً.

- شاع في هذا الشعر مناداة الحبيب بالأخ والحبيبة بالأخت، وتفسير ذلك ربما يرجع إلى تشبيه بلاغي، أو ربما يشير إلى أن زواج المحارم كان مسموحاً لديهم.

- شهد الشعر المصري إيروتيكيّة واضحة، بتعابير جنسيّة جريئة، لكنها وُظّفت ببلاغة.

 شاع في قصائد الحبّ من مصر الفرعونية مناداة الحبيب بالأخ والحبيبة بالأخت، وتفسير ذلك ربما يرجع إلى تشبيه بلاغي، أو ربما يشير إلى أن زواج المحارم كان مسموحاً لديهم، كما شهد الشعر المصري إيروتيكيّة واضحة، بتعابير جنسيّة جريئة، لكنها وُظّفت ببلاغة.

نماذج شعريّة

قبل استعراض النماذج نودّ التأكيد على أن هذه الترجمة قد لا تتطابق مع الشعر الأصلي حرفياً، فلكل لغة فنياتها وتركيباتها التي تصنع جمالها، وبديهي أن نقل الشعر من لغة إلى أخرى لا يصحّ حرفياً، حيث يخلّ بالتراكيب الشعريّة الفنيّة.

ولكننا هنا حاولنا نقل المعاني عن اللغة الإنجليزيّة، التي نُقل إليها هذا الشعر من الهيروغليفيّة، مع محاولة وضع هذه المعاني في قالب شعري عربي، حتى لو طرأت عليه أخطاء فنيّة، لكن معانيه وسياقاتها هي نفسها التي جاءت في الشعر الأصلي.

أسَرْتني وقبضت على مهجتي بين يديك

(1)

ماذا أقول لأمي وأنا أخرج من البيت

إلى من أذهب صباح مساء كل يوم

أسرتَني وقبضتَ على مهجتي بين يديك

كيف الخلاص منك، لقد وهنت أمام شفتيك

آهٍ لو عرفت أمي بما صرتُ إليه

لتنادي على الذهبيّة لتعيد عقلي إلي.

القصيدة على لسان أنثى، و"الذهبيّة" من ألقاب الإلهة حتحور، إلهة الجمال والخصوبة والحب والأمومة والموسيقى والسعادة عند المصريين.

ويعبّر الشعر عن فتاة تخاف مواجهة أمها إذا ما سألتها عن مقصدها الذي تقصده كل يوم، وهو المكان الذي تقابل فيه حبيبها.

كم أنت أحمق يا قلبي! 

(2)

اشتاق قلبي لجمالها

فذهبت مهرولاً لمنزلها

وجدتُ ميهي في مركبته

على الطريق مع عصبته

ترى كيف أبعد نفسي عنه

ميهي يطاردني في كل مكان

في نزهتي وسيري في البستان

لا أعرف مكاناً أضع فيه قدمي

كم أنت أحمق يا قلبي

إذا مررتُ بميهي سأخبره بلوعتي

سأقول: أنا لك، فيالحرقتي

لكنه سيصرخ باسمي لا بمحبتي

ستكونين ضمن حريم أحد رجاله

فيالتعاستي.

أسكرها بالبيرة والخمر! 

(3)

ستحضرها إلى منزل الأخت

لتدخل ماءكَ بابها

ربما ستكون حِصنها

وربما يصير مذبحها في كوخها

مهّدْ لها بالغناء والرقص

ثم أسكرْها بالبيرة والخمر

السرّ في هذه القصيدة الماجنة هو تفسير "بابها"، ويعني هنا "فرجها" الذي سيُنزل فيه الرجل ماءه، بعد أن يأخذها إلى منزل أخته، والشاعر هنا طرف خارجي، يتحدّث عن حبيب، ربما صار حصناً لحبيبته، وربما صنع من كوخها مذبحاً لها. 

مررت بمنزلها الذي غطاه الظلام 

(4)

مررتُ بمنزلها الذي غطاه الظلام

محجوبة عني ماذا أفعل كي أراكِ

طرقت الباب فلم يردّ أحد

ليلة سعيدة على عزولنا، حاجبنا!

أيتها المسامير سأخلعك

أيتها المحجوبة مصيري لك

ألست روحي التي تحييني؟

شعر الحب الفرعوني الذي يحكي قصصاً تشبه قصصنا: "مررتُ بمنزلها الذي غطاه الظلام/ محجوبة عني ماذا أفعل كي أراكِ؟/ أيتها المحجوبة، مصيري لك/ألست روحي التي تحييني؟" 

سيرى سريراً ممتداً ... تزينه حبيبتي الجميلة

الشاعر هنا يتكلّم بلسان رجل لا يستطيع الزواج من حبيبته، التي يمرّ ببابها المغلق ومنزلها الذي حلّ عليه الظلام، وعلى ما يبدو أن الباب المغلق بالمسامير، والمنزل الذي يغطيه الظلام، كانا كناية عن ممانعة أهلها لزواجهما، ولذلك وجدنا الحبيب يتحدّى ويتوعّد بخلع المسامير، وبعد أن ينفتح الباب ويستطيع الارتباط بها، سيذبح ثوراً احتفالاً بذلك، داخل منزلها.

(5)

قد يأتي أخيك في أي وقت بيتنا

لكنه سيجد بابنا مفتوحاً وسيدخل

حينها سيرى سريراً ممتداً

مفروشاً بالكتان الفاخر

تزينه حبيبتي الجميلة

هنا يبين الشاعر كم هو نبيل هذا الحبيب، الذي سيسامح أخاها، ولن يمنعه من زيارتها في بيتها الجديد، بيت زوجها، ولم لا يدخل ويرى ما ستكون عليه أخته الجميلة من نعيم في بيت حبيبها وزوجها.

سأكذب وأدّعي المرض

(6)

"سأنام وأحتجب في البيت/ سأكذب وأدّعي المرض/ سيأتي الجيران يطمئنون/ وستأتي معهم حبيبتي": من أشعار الحبّ عند الفراعنة 

سأنام وأحتجب في البيت

سأكذب وأدّعي المرض

سيأتي الجيران يطمئنون

وستأتي معهم حبيبتي.

يعبّر الشاعر هنا عن حبيب لا يرى حبيبته، فيقرّر أن يتحايل على ذلك بالتمارض، لكي تضطر حبيبته لأن تزوره في منزله، مع الجيران الذين سيزورون للاطمئنان عليه.

مصادر المقال: مقال في ناشنال غيوغرافيك عن أشعار الحب عند الفراعنة (رابط)، دراسة لسونيا دي بلاسيدو بعنوان: " The LOVE POETRY of ANCIENT EGYPT"، ومقالة بعنوان: " Behind closed doors architectural and spatial images and metaphors in ancient Egyptian erotic poetic and narrative literature " لبروفيسور علم المصريات ستيف فينسون Steve Vinson. صورة المقال من مقتنيات متحف هيوستن للعلوم الطبيعية (رابط القطعة).

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard