روبرتو قبرصلي: طبيب عشاق يُقصي مرضاه

image2 (1)

الاثنين 1 أبريل 201912:10 م

من تابع مسار شخصية روبرتو قبرصلي التي ظهرت أكثر فأكثر منذ نشوء "مترو المدينة"، سيتنبّه لفرادة هذه الشخصية التي بناها الكاتب المخرج المسرحي هشام جابر على تخوم الأحياء الشعبيّة لمنطقة البسطة، أتت شخصية قبرصلي في بدايات رواج نوع الـ"ستاند أب كوميدي" في بيروت، فكان العرض الأول لهشام جابر وهو يلعب دور قبرصلي في "بخش نظر على المونديال" عام 2010 وكان ذلك قبل أن يؤسّس هذا المخرج والممثل فضاء مترو المدينة في عام 2012.



منذ البداية بنى هشام جابر خطاباً لشخصيته مغايراً للمتداول، حاول أن يشتغل في الستاند أب على استثمار شخصية نمطيّة قدّمها في مسرحية له، عُرضت عام 2008 بعنوان "Not for public غير مخصّص للجمهور" قدّم فيها عرضاً تسلسلياً امتدّ لثلاثة أيام، انتقد فيها عالمَ التلفزيون وتحديداً تلفزيون الواقع، طارحاً إشكاليات متعدّدة تتعلّق باستغلال وسائل الإعلام وبُعْدها عن الواقع، ومتطرّقاً إلى مواضيع محرّمة.



من نقد عالم الإمتاع المظلم كانت بداية شخصية قبرصلي الساخرة إلى أقصى حد، على عكس معظم من يشتغل في الستاند أب، حيث يلعب المؤدّي دورَ ناقل المواقف المضحكة التي يواجهها في يومياته، دون أن يبدّل كثيراً من شخصيته.

من نقد عالم الإمتاع المظلم كانت بداية شخصية روبيرتو قبرصلي الساخرة إلى أقصى حد، على عكس معظم من يشتغل في الستاند أب، حيث يلعب المؤدّي دورَ ناقل المواقف المضحكة التي يواجهها في يومياته، دون أن يبدّل كثيراً من شخصيته

بنى جابر مواقفه منطلقاً من شخصية خياليّة اسمها روبرتو قبرصلي، وذهب معها إلى أقاصي الكاريكاتير والكيتش ومتنهما، بنفَسٍ شَعْبَوي يستند إلى عنف الشارع والناس في عالم الواقع، الشَعْبَوي هنا هو مجرّد غطاء يذهب به جابر إلى نقيض الشعبوية، مفنّداً آفات المجتمع التي قلّما يضيء عليها أحد.


يستند كثيراً إلى الميديا والفضاء الافتراضي وعالم الإعلان، ليتراوح عالمه بين تلاعب تلك الوسائل بالفرد، وبين نقد سلوكيات الفرد بحدّ ذاته في أتفه يومياته، أما الكيتش المعتمد في أزياء قبرصلي من الحذاء الأحمر الخرزي إلى ربطة العنق، فيصبح أكثر تنافراً، حين يجاور كل العنف الذي ينطق به قبرصلي، والذي جعل منه مادةً أساسية للضحك، ولعنف قبرصلي طبقات: هناك عنف الموقف، والعنف اللفظي الذي يُضاف إلى عنف الموقف بحدّ ذاته، والعنف الذي لا يوفّر الجمهور أحياناً، وإن اختلف البعض على تصنيف علاقة قبرصلي بجمهوره بكونها عنيفة أم لا.

لا يعني هذا الأمر أن طبقات العنف هذه فيها ما يُخيف أو ينفّر حضور عرض "دكتور قبرصلي ان لوف" (Dr. Kobrosly in Love”) الذي اختار طوعاً أن يكون بصحبة قبرصلي، على العكس تماماً، فالكوميديا عموماً وحسّ الفكاهة على الخصوص، مبنيان على نظرية التنافر بين متناقضات تتوالى، ليخرج الضحك كردّ فعلٍ على عنصر المفاجأة، تعدّدت النظريات حول الكوميديا وترافق العنف مع الملهاة في أماكن كثيرة، وغالباً ما كان هذا التلاقح متواجداً في السينما أكثر منه في المسرح.



طبيب المغرومين المريض بالحب

في مسرحيته الأخيرة، يتحدّث قبرصلي عن الحب بصفته معالجاً نفسياً، وبدل أن يركّز على حكايا مرضاه، ينتقل إلى الحديث عن نفسه، منطلقاً من الحبّ الأول في الطفولة، موصّفاً مشاهد من الصفوف الأولى في المدرسة، وصولاً إلى سنين المراهقة: وقوعه في غرام "كلسون بدبابيب حمر" لأنه لم يتمكّن من رؤية وجه الفتاة التي كانت تجلس بالقرب منه، والتي كانت تكبره بسنوات، مروراً بروميو وجولييت و"نكديّة حكايتهما" حيث يرونَك "موجوع وبيطفّوك بسبيرتو"، وصولاً إلى عدم قدرة الرجال على التعبير، والتمرّس منذ نعومة الأظافر على "تبريد الأحاسيس".

هنالك مكوّنات أساسية في عمل قبرصلي، تتفرّع من التشكيل الأساسي لشخصيته المستندة على ثلاثيّة: الكيتش والعنف وتماسهما مع الميديا، أتحدّث عن مساحة الارتجال التي يبنيها في تفاعله مع الجمهور، والتي كانت في هذا العرض أكثر توفّراً من العروض السابقة، إذ يطلب من أفراد من الحضور التحدّث عن الحبّ الأول والفشل الأول ونموذج المتزوجين المثالي، مساحة الارتجال تبدأ منذ اللحظة الأولى للعرض، فيستقي جابر طاقته من علاقته مع الجمهور، في لحظات ما يسخر من ضحكة أحد السيّدات، يسمع أحدهم "يسأسئ" تعبيراً عن امتعاضٍ ربما، فيشكّل مشهداً صغيراً بالغ الطرافة عن "السأسأة"، في هذا العرض أيضاً، هنالك مساحة مصوّرة إعلانية سوداوية في تنفيذها، تنافي كل مساحات الضحك التي اشتغل قبرصلي عليها، كما يقوم قبرصلي دائماً بربط ما هو خاص بما هو عام أو سياسي، دون أن يوفّر أي "لطشة" للطبقة السياسيّة الحاكمة، فيدخل حزب الكتائب في موضوعة الحب، و"العونية" ووليد جنبلاط وجبران باسيل الخ.

البذاءة والكوميديا

يبقى الاحتكام إلى البذاءة موضع تساؤل في اشتغال قبرصلي على الكوميديا: ليس الأمر سعياً وراء مزيد من استقطاب جماهيري، إنما هو خيار يتحدّى فيه جابر مسلّمات البذاءة بحدّ ذاتها، وليست البذاءة التي يتحدّث عنها إلا مستقاة من الشارع بكلّ ما فيه من عنف وفجاجة، دون أن تكون تلك الأخيرة فعل استهلاك آخر، لاستدرار مزيد من الضحك المعلّب في قوالب مجهزة وممجوجة.

يبقى الاحتكام إلى البذاءة موضع تساؤل في اشتغال روبيرتو قبرصلي على الكوميديا: ليس الأمر سعياً وراء مزيد من استقطاب جماهيري، إنما هو خيار يتحدّى فيه جابر مسلّمات البذاءة بحدّ ذاتها، وليست البذاءة التي يتحدّث عنها إلا مستقاة من الشارع بكلّ ما فيه من عنف وفجاجة

في عرض يتحدّث عن الحب، لم يستخدم جابر الجنس كمادة إسهاب لعرضه، أشار اليه سريعاً كمكوّن أخير من مكونات العلاقة بين الرجل والمرأة، قائلاً بكل بساطة أنه لن يتحدّث عنه، في العرض أشار ابن لوريستا الخاشقجي إلى نماذج سلوكيّة في العلاقات، تبدأ بربط كل علاقة بالحبّ الأول، ثم تحدّث عن حاجة الإنسان للعلاقة وارتباطها بالشعور بالنقص، ثم تحدّث عن التلاعب والابتزاز في العلاقات، لم يكتف بسطح البذاءة إنما وظّفها ليبلغ أموراً أكثر أهمية، من كل الفظاظة اللفظيّة التي نضح بها العرض.

رغم ذلك، وقع قبرصلي في بعض اللحظات في فخ مونوتونية ناتجة أحياناً، إما عن فائض في تراكم العنف، أو عن إطالة الموقف بحدّ ذاته، كحالة توصيف مرحلة المراهقة، حيث تقام الحفلات بين الأولاد على سبيل المثال لا الحصر، غالباً ما يقوم جابر بالتعديلات على عروضه بعد تقديمها للمرة الأولى للجمهور، كما لو أن المخرج يعتبر أن هذا اللقاء الأول هو فسحة تجريب إضافيّة لا تخلو من المخاطرة.

كما خاطر في فضاء المترو ونجح، خاطر هشام جابر بقبرصلي، عبر استخدام العنف والفظاظة: لا ضير في توظيف العنف كمادة للضحك إذا ما تمّت "دوزنته" بالشكل الملائم، دون أن يكون العرض مشجّعاً لارتكاب أفعالٍ عنفيّة، وشخصية قبرصلي بعيدة عن هذا التوجّه، ولكن يبقى الرهان في قدرة قبرصلي في كل عرض، على استمرار خيطي الفظاظة والطرافة معاً، وهذا رهانٌ دائم سيواجهه جابر، لأن الحبال التي يلعب عليها في الستاند أب ليست حبالاً سهلة التعلّق.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard