أربع سنوات على تدخّل "التحالف العربي" في اليمن... كارثة مستمرة و"أمل" ضعيف

الثلاثاء 26 مارس 201906:16 م

أربع سنوات مرّت على بدء تدخّل السعودية وما سُمّي بـ"التحالف العربي" عسكرياً في اليمن في 26 مارس 2015. كان من المتوقّع أن تكون العملية سريعة وخاطفة وأن تنجح الضربات الجوية في قلب معادلة السيطرة على الأرض، ولكن الوقائع أثبتت خطأ هذا التوقّع.

فالعملية التي بدأها تحالف من 10 دول، بينها دول الخليج باستثناء سلطنة عُمان، بطلب من الرئيس اليمني عبد ربّه منصور هادي و"بموافقة الولايات المتحدة وأطراف دولية"، حسبما ذكر عادل الجبير الذي كان يشغل منصب السفير السعودي في واشنطن، في إعلانه إطلاقها، لا تزال مستمرة ولو بتسميات مختلفة، ولم تنجح لا في إنهاء "الانقلاب الحوثي"، ولا في تعزيز سيطرة "السلطة الشرعية".

كذلك، لم تنجح العملية في إزالة ما وصفه بيان الدول الخليجية الخمس المشاركة فيها بـ"التهديد المستمر لأمنها واستقرارها" بسبب انتشار الأسلحة الثقيلة والصواريخ القصيرة وبعيدة المدى "خارج سيطرة السلطة الشرعية"، إذ انتقل تحدي الحوثيين للسعودية من إجراء مناورات قرب حدودها إلى استهدافها بصواريخ باليستية.

في 21 أبريل 2015، تغيّر اسم العملية فقد أعلن "التحالف العربي" انتهاءها وإطلاق أخرى باسم "إعادة الأمل"، ولكن تدخل هذا التحالف تضاعف وانتقل من شنّ ضربات جوية ضد مواقع حوثية إلى دعم قوى ميدانية، ما عقّد الأوضاع في البلاد وولّد أزمة إنسانية من أخطر الأزمات الإنسانية التي يشهدها عصرنا.

"الأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم"

ولّد التدخل السعودي-العربي وضعاً مأساوياً صعباً لأغلب اليمنيين، وصفه المسؤول عن العمليات الإنسانية في الأمم المتحدة ستيفن أوبراين عام 2017 بأنه "الأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم"، بدون أن يحقق لهم الاستقرار الموعود.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية مقتل نحو 10 آلاف يمني منذ بدء تدخل "التحالف العربي"، في وقت تشير تقديرات أخرى إلى أن العدد الحقيقي قد يصل إلى خمسة أضعاف ذلك.

وفي فبراير 2019، أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى أن تقديراته تفيد بأن "80 في المئة من السكان، أي نحو 24 مليون شخص، بحاجة إلى مساعدة غذائية أو حماية، بينهم 14.3 ملايين شخص يحتاجون إلى مساعدة بشكل عاجل".

كما وثّقت منظمة "سايف ذا تشيلدرن" البريطانية وفاة نحو 85 ألف طفل بسبب الجوع أو المرض بين أبريل 2015 وأكتوبر 2018، فيما أعلنت منظمة العمل ضد الجوع الفرنسية أن عدد النازحين داخل اليمن بلغ 3.3 ملايين شخص، 72% منهم هم نساء وأطفال بحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان.

وضرب وباء الكوليرا البلاد مسفراً عن وفاة أكثر من 2500 شخص منذ أبريل 2017، في ظل الاشتباه بنحو 1،2 مليون حالة إصابة، بحسب منظمة الصحة العالمية.

واقع تفشي الكوليرا عاينه شخصياً الناشط في مؤسسة الإغاثة الوطنية في محافظة حجة خالد القاضي. كان محظوظاً لأنه نجا من الموت بعد إصابته بهذا الوباء.

يروي لرصيف22 أن مدينة حجة، حيث كان يقيم، لم يكن فيها مركز صحي متخصص في معالجة الكوليرا ولم يشخّص الأطباء أنه مصاب به، فوصفوا له علاجات خاصة بالإسهال العادي.

تعرّض خالد لغيبوبة وقصور في عمل الكلى كاد أن يتسبب له بفشل كلوي، وبعد أيام قليلة استيقظ ليجد نفسه في مستشفى الشرطة في العاصمة صنعاء، حيث تلقى علاجاً مكثفاً طوال شهر كامل.

يؤكد خالد أن المئات توفوا بسبب هذا المرض الذي ظهر بعد الحرب "التي أدت بطبيعة الحال إلى انهيار النظام الصحي إما بسبب تعرّضه للقصف الجوي أو بسبب فقدان الأدوية نتيجة للحصار المفروض على معظم المناطق اليمنية".

وتضررت نصف المنشآت الصحية في اليمن بسبب الأعمال الحربية، ويقدّر عدد الأشخاص الذين يفتقدون للحدود الدنيا من الرعاية الصحية بـ14.8 ملايين شخص.

والأخطر أن الأمور حالياً لا تسير نحو إيجاد حلول لكل هذه المشاكل، إذ تتوقع المفوضية العليا لشؤون النازحين أن تستمر الأزمة في اليمن في عام 2019، "بوجود احتياجات إنسانية غير مسبوقة للأشخاص".

ظروف معيشية مأساوية

يعيش اليمنيون بسبب الحرب التي فاقمها تدخّل "التحالف العربي" أوضاعاً اقتصادية صعبة. أغلبهم لا يتلقّون رواتبهم منذ شهور طويلة، وبشكل خاص في مناطق سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) حيث الثقل السكاني الأكبر في البلد، بعد أن وصلت الأوضاع الاقتصادية إلى حد الانهيار التام.

يعرض تقرير أصدره "مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي" أن اليمن شهد أعلى مستوى من التدهور الاقتصادي عام 2018، إذ هوى سعر الريال اليمني بنسبة تفوق 400% قبل أن يتحسن نسبياً.

ويوضح أن الاقتصاد اليمني شهد عام 2018 أعنف موجة ارتفاع في أسعار السلع الأساسية منذ بدء الحرب، وبلغ متوسط الزيادة في أسعار تلك السلع 28%.

يحصل هذا التدهور في بلد تشير تقارير المنظمات الحقوقية إلى أن 17.8 ملايين من أبنائه يعانون من عدم الأمان الغذائي، بينهم 8.4 ملايين يعانون من ذلك بشدة ومهددون بالجماعة. وتتحدث منظمات عن إصابة 1.1 مليون يمنية حامل بسوء تغذية.

وبحسب تقرير "مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي"، فقدت أكثر من 40% من الأسر اليمنية مصدر رزقها أثناء الحرب. من بين هؤلاء علي فاضل الذي لم يستلم راتبه منذ عامين، مثله مثل نحو مليون ونصف المليون موظف.

يقول فاضل لرصيف22 إن وضع أسرته صار صعباً ولم يعد قادراً على تحمل المزيد من أعباء الحياه بعد أن سلبت الحرب منه أحلامه وراتبه الذي كان يؤمّن إيجار البيت الصغير الذي يأويه مع زوجته وطفلتيه.

أربع سنوات مرّت على بدء تدخّل "التحالف العربي" عسكرياً في اليمن. كان من المتوقّع أن تكون العملية سريعة وخاطفة، لكن الوقائع أثبتت خطأ هذا التوقّع، ما أسفر عن معاناة اليمنيين من "أسوأ أزمة إنسانية في العالم"
ولّد التدخل السعودي-العربي في اليمن وضعاً مأساوياً صعباً لأغلب اليمنيين، وصفه المسؤول عن العمليات الإنسانية في الأمم المتحدة ستيفن أوبراين عام 2017 بأنه "الأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم"

ويشير إلى أنه قبل أيام قليلة تفاجأ بدعوى قضائية رفعها عليه مالك المنزل الذي يسكن فيه، يطالب بموجبها بطرده من المنزل ودفع الإيجارات المتأخرة عليه.

ويعتبر أن راتبه ورواتب الكثيرين من اليمنيين ما كانت لتنقطع لولا أن عمليات التحالف العربي طالت، "ليتشارك مع الحوثيين في التضييق على اليمنيين الذين يعانون في كل شيء".

معارك مستمرة

في بيان نشره الناطق الرسمي باسم جماعة أنصار الله العميد يحيى سريع، بمناسبة الذكرى الرابعة على ما أسماه بـ"الصمود"، أعلن عن مقتل أكثر من 20 عسكرياً سعودياً واغتنام مجموعة من العتاد العسكري، خلال عملية على مواقع سعودية داخل محافظة جيزان السعودية، ما يؤكد أن التحالف العربي لم ينجح حتى في تأمين حدود السعودية، ويطرح تساؤلات جدية حول جدوى عمليته العسكرية التي دخلت عامها الخامس.

يأتي ذلك في وقت تكاد تنهار الهدنة التي أبرمها طرفا النزاع حول مدينة الحديدة في ستوكهولم، في ديسمبر الماضي، وكذلك اتفاقهما على انسحاب قواتهما من المدينة التي تدخل عبر موانئها أغلب المساعدات الإنسانية لليمن وأغلب الواردات التجارية.

يعتبر الصحافي إبراهيم هاشم أن عاصفة الحزم لم تزد الحوثيين إلا قوة ونفوذاً ودمرت مفهوم الدولة ومؤسساتها ويضيف لرصيف22: "صحيح أن الحوثيين هم المسؤولين عن ذلك إلا أن التحالف كذلك يتحمل جزءاً من المسؤولية لأنه لم يقدّر قوة الحوثيين جيداً قبل تدخله في اليمن، ما أدى إلى طول فترة الحرب وزيادة معاناة اليمنيين الإنسانية".

مسؤولية الحوثيين

في وقت تتزايد الانتقادات لعملية "التحالف العسكرية"، ولم تعد تقتصر على تسببه بكارثة إنسانية بل صارت تطال اتهامه بارتكاب جرائم حرب بسبب عدم تحييده المدنيين عن أعماله العسكرية، عدا تقارير مختلفة تتحدث عن ممارسة بعض أطرافه أعمال تعذيب في معتقلات تديرها داخل اليمن، يحمّل بعض اليمنيين المسؤولية عن تدهور أوضاع البلد للحوثيين.

يعتبر الناشط سليم السعدني أن عاصفة الحزم ما كان لها أن تأتي "لولا الانقلاب الحوثي والاستيلاء على الدولة والبدء بمهاجمتهم خصومهم السياسيين، وصولاً إلى احتجاز الحكومة ووضعها تخت الإقامة الجبرية بما فيها رئيس الجمهورية".

ويضيف لرصيف22 أنه وبالرغم من أن مسار عاصفة الحزم انحرف عن الهدف الرئيسي، أو ربما ضاعف من معاناة الناس، "تظل عاصفة الحزم حجر عثرة في وقف مشروع الموت والدمار الحوثي، فلو تُرك له المجال لكان استباح كل المدن ومارس جرائمه، وأبسط دليل على ذلك استمراه في إطلاق الصواريخ والقذائف باتجاه المدنيين في مأرب وتعز والحديدة وحجور".

وبرأيه، "أوقفت العاصفة التوسع الحوثي وجنّبت الجنوب المزيد من الدمار والخراب، وكانت جرائم الحوثيين ستكون أكبر لو استمر سلاح الطيران بيده قبل تدميره أو تحييده من قبل قوات التحالف".

مستقبل التدخل في اليمن

مؤخراً، بدأت تطفو على السطح خلافات بين أعضاء "التحالف العربي". ودعا وزير الداخلية اليمني أحمد الميسري في نهاية فبراير الماضي إلى تقييم العلاقة بين "الشرعية" وبين بعض أعضاء التحالف، حتى تستمر عمليات تحرير اليمن من الانقلاب.

نفس الكلام خرج أيضاً على لسان محافظ المحويت المُعيَّن من الرئيس هادي، إذ تحدث عن مشاكل كبيرة في علاقة الشرعية بالتحالف تهدد مستقبل العمليات العسكرية المتوقفة حالياً في جبهات عدّة.

يقول الكاتب عمار العلي لرصيف22 إن تخوّف الإمارات من سيطرة الإخوان المسلمين على السلطة انعكس على عمليات التحالف، فتأخر الحسم العسكري ضد الحوثيين، وهو ما دعا الحكومة اليمنية في مرحلة من المراحل إلى التهديد بطلب طرد الإمارات من التحالف خصوصاً بعد الأحداث التي شهدتها جزيرة سقطرى في بداية مايو 2018.

أياً تكن الاحتمالات، يبدو أن عمليات "التحالف العربي" العسكرية لن تتوقف قريباً، ما يعني أن "أسوا كارثة إنسانية في العالم" باقية أمام أنظار المجتمع الدولي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard