المهرية...لغةٌ قديمة تتحدثها القبائل اليمنية ولا يفهمها العرب

الثلاثاء 26 مارس 201902:56 م

"إن اللغة العربية هي أصل اللغات، بدأت فجأة على غاية الكمال، وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشرية، فليس لها طفولة ولا شيخوخة... والعربية لغةٌ كاملةٌ محببةٌ عجيبةٌ، تكاد تصور ألفاظها مشاهد الطبيعة، وتمثل كلماتها خطرات النفوس، وتكاد تتجلى معانيها في أجراس الألفاظ، كأنما كلماتها خطوات الضمير ونبضات القلوب ونبرات الحياة"، قيل الكثير والكثير عن لغة "الضاد" التي تعتبر من أغنى لغات العالم، وبالرغم من انتشارها هناك بعض الشعوب التي تنتمي إلى العالم العربي إنما غير ناطقة باللغة العربية، بل بلغةٍ أخرى مهددة حالياً بالإنقراض.

فكل أسبوعين تقريباً، تختفي واحدة من أصل 7 آلاف لغةٍ في العالم، وفق ما تشير إليه التقديرات، واللغة المهرية هي من بين اللغات القديمة المهددة بالإنقراض.

فما هي قصة المهرية التي يتحدث بها بشكلٍ خاص بعض أبناء اليمن والتي لا يمكن لأي عربي في عصرنا هذا أن يفهمها؟ وما تأثير الوجود العسكري السعودي على صمود هذه اللغة؟

لغة قديمة

إن المهرية هي لغةٌ قديمة غير مكتوبة، منتشرة بشكلٍ رئيسي في اليمن التي مزقتها الحرب، حيث الوجود العسكري السعودي هو واحدٌ من التهديدات العديدة لبقائها.

تشير التقديرات إلى أن هناك ما بين 100 ألف و 200 ألف يتحدثون اللغة المهرية.

وبشكلٍ رئيسي، يعيش هؤلاء العرب الأصليون، الذين ينضوون تحت اسم "المهرة"، في الربع الجنوبي من شبه الجزيرة العربية في محافظة المهرة اليمنية، في محافظة ظفار غرب عمان، وبأعدادٍ أقل في جنوبي المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى.


كل أسبوعين تقريباً، تختفي واحدة من أصل 7 آلاف لغةٍ في العالم

واللافت أن المهرية هي واحدةٌ من ست لغاتٍ عربيةٍ جنوبيةٍ متبقية، تراجعت إلى جيوبٍ في الجبال والصحارى، وإلى جزر مثل سقطرى في بحر العرب، في مواجهة اللغة العربية "لغة القرآن"، في القرون الأولى من بزوغ فجر الإسلام.

وبالرغم من أن كلتيهما تنتميان إلى عائلة اللغات السامية، لا يمكن فهم المهرية والعربية بشكلٍ متبادلٍ.

والحقيقة أن بعض العائلات تحاول جاهدةً الحفاظ على هذه اللغة القديمة، من خلال التحدث بها بشكلٍ دائمٍ وتعليمها إلى الجيل الجديد.


في هذا الصدد، يشير "مسلم المهري"، الذي يعيش في سلطنة عمان متنقلاً بين الصحراء والمدينة، وفق تقاليد أسلافه:"نتعلم المهرية من آبائنا، ونتحدث بها في حياتنا اليومية، لكي نحكي القصص ونحلّ المشاكل ونصدر الأحكام".

 ويوضح "المهري" أن أجيالاً من المتحدثين بالمهرية، المشهورة بتقاليدها الشفهية في رواية القصص والشعر، ينقلون لأطفالهم القصص القديمة والشعر التقليدي.


تآكل اللغة المهرية

بالرغم من غناها الثقافي والأدبي، تصنف اليونسكو "المهرية" على أنها "بالتأكيد لغة مهددة بالإنقراض"، مما يعني أنه لم يعد يتعلّمها الأطفال كلغةٍ أم في أوطانهم.

وعلى غرار "مصير" بعض اللغات القديمة التي "استنزفت" بفعل الحداثة، تعرضت لغة وثقافة المهرة للخطر في المقام الأول، بسبب التغيّر الإجتماعي الناجم عن التحضر، بحسب ما أكدته دراسةٌ أجرتها "جانيت واتسون"، وهي رئيسة قسم اللغة في جامعة ليدز، والباحث العماني عبدالله المهري.

من خلال هذه الدراسة الخاصة بمتحدثي المهرية في محافظة ظفار، والتي حاولت درس العلاقة بين الطبيعة الموجودة هناك واللغة المهرية، تبيّن أن تآكل اللغة في هذه المنطقة، كما هو الحال في أجزاءٍ كثيرة من العالم، قد نتج عن التغيّر الإجتماعي، وانهيار الأنشطة الثقافية التقليدية، وانقطاع علاقة الناس عن بيئتهم الطبيعية، إذ كلما كانت العلاقة أعمق بين الناس والبيئة، كثرت التعبيرات اللغوية الحلية التي تشير إلى البيئة و/أو تعكس هذه العلاقة بين الإنسان والبيئة.

فحتى سبعينات القرن العشرين، عاش العديد من المتحدثين باللغة المهرية في الكهوف والملاجىء الخشبية، وكانوا بأغلبيتهم من رعاة الجمال والماعز، والذين ظلوا يرعون هذه الحيوانات حتى وهم يمارسون الصيد والتجارة، أما الآن فقد أصبح معظم هؤلاء يعيشون مع وجوه الحداثة، مثل المدارس والمستشفيات.

المهرية لغة مهددة بالإنقراض

ولسوء الحظ، فإن العديد من المتحدثين بالمهرية الأصغر سناً ما عادوا يعيشون حياةً تقليدية، ولم تعد المفردات المستخدمة في العيش بهذه الطريقة القريبة من الطبيعة وفي الممارسات الخاصة بتلك البيئة ضرورية، لكون المصطلحات الأكثر عمومية للغة العربية تعتبر كافية لاحتياجات اليوم.

في هذا الصدد، تكشف الدراسة أن الجيل الأول من المتحدثين بالمهرية في ظفار "لا يزالون قادرين على العدّ باللغات المحلية، في حين أن الأطفال والعديد من سكان المدن الذين هم في العشرين من عمرهم يعدون الأرقام التي تتجاوز ال 10، من خلال إستخدام الأرقام العربية"، وتشير الدراسة إلى أن متحدثي اللغة المهرية في شرق اليمن والمملكة العربية السعودية "نادراً ما يتجاوزون الرقم 10 في اللغة المحلية".

وبالرغم من وجود بعض الفئة الشبابية التي تتحدث المهرية، إلا أن هؤلاء لا يقدرون الأهمية الاجتماعية الحيوية لمفهوم تتبع الماضي، وهذا النقص في الوعي بين الشباب الذين يعيشون في صلالة قد يكون ناجماً عن غياب المسارات الرملية أو الأرضية في المدينة، وفق ما يؤكده "علي أحمد المهري":" المسارات لا يمكن أن تكون مطبوعة على الإسفلت الصلب، وبالتالي فإن نشاط التتبع يكون غائباً في بيئةٍ مرصوفةٍ".

وتوضح الدراسة أنه وبما أن المهرية تفتقر إلى أي نوعٍ من النصوص المكتوبة، فإن التعليم الحديث يتم كله باللغة العربية، وهكذا فإن محو الأمية في الكتابة العربية واستخدام اللغة العربية باعتبارها اللغة المشتركة في المنطقة كلها عوامل ساهمت في تآكل مكانة اللغة المهرية.



التهديد السعودي

يعتبر البعض أنه كان للحرب في اليمن، وتدخّل الائتلاف العسكري بقيادة السعودية في اليمن في العام 2015، وقعٌ كبير على اللغة المهرية.

فمحافظة المهرة التي تقع في الزاوية الجنوبية الشرقية لليمن هي موطن أكبر مجتمع يتكلم اللغة المهرية، وعلى الرغم من أن المهرة لم تكن مركزاً للنزاع المسلح، فقد شهدت هذه المحافظة أشهراً من الاحتجاجات ضد الوجود العسكري المتنامي للسعودية والإمارات هناك، وضد تشكيل وحدات مسلّحة متحالفة مع الدولتين الخليجيتين.

واللافت أن المحافظة تستحوذ على اهتمامٍ إعلامي أقل بكثير مما تستحقه الأزمة المستعصية هناك.

في هذا الصدد، اعتبر "علي الحريزي"، وهو وكيلٌ سابق لمحافظة المهرة، وأحد منظمي الاحتجاجات المعادية للسعودية أن السعودية "تجاوزت الأهداف (الأولية) للتحالف، وأصبحت الآن دولة احتلال"، وتابع:"لهذا السبب نعتبر أن الجيش السعودي قد غزا المهرة، ولا يستطيع الرئيس اليمني فعل أي شيءٍ حيال ذلك".

وأضاف "الحريزي":"نحن في المهرة لدينا ثقافة خاصة ولغة قديمة…يذهب الأطفال إلى المدرسة، حيث يتعلمون اللغة العربية ولا يتكلمون المهرية، نحن نطالب بمنطقةٍ مستقلةٍ".

وتحدث "علي الحريزي" عن وجود تهديدٍ سعودي إماراتي للهوية الثقافية في المجتمع المهري-السقطري، إذ هناك "جهد منهجي مستمرّ في سقطرى والمهرة لمحو هذه الثقافة وهذه الهوية"، على حدّ تعبيره، معتبراً أن هذا هو "الاستعمار الحقيقي".

ومع ذلك، لا بدّ من الإشارة إلى أن وسائل الإعلام السعودية كانت قد أفادت في أغسطس الماضي، أن الرياض أطلقت برنامجاً لتطوير المهرية بقيمة 133 مليون دولار أميركي، يتضمن مشاريع بنية تحتية، وتحديث مطار الغيضة، وميناء "نشطون" اليمني.


هناك جهد منهجي مستمرّ في سقطرى والمهرة لمحو هذه الثقافة وهذه الهوية

احتضان الهوية العربية

علماً أن البعض ينظر إلى المملكة العربية السعودية كقوةٍ استعماريةٍ ويشعر بتهديدٍ حقيقي للهوية الثقافية، يبدو أن العديد من المتحدثين باللغة المهرية يحتضنون هويتهم العربية، ولا يرون اللغة العربية كلغةٍ أجنبيةٍ أو استعمارية، لا بل على العكس، فإنهم يعتبرون اللغة العربية جانباً أساسياً لإحساسٍ عميق بالانتماء إلى شبه الجزيرة العربية، إلى جانب اللغة المهرية.

هذا الرأي يوافق عليه الباحث العماني "سعيد المهري"، مشيراً إلى أن المتحدثين باللغة المهرية "ينظرون إلى اللغة العربية كجسرٍ يربطهم بأشقائهم العرب، ولغة القرآن الكريم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard