"لمولاتنا السيّدة الكريمة": كيف ولماذا احتفظ اليهود بوثيقة تخصّ مسجداً في كنيسهم؟

السبت 30 مارس 201910:16 ص

"لمولاتنا السيّدة الكريمة: خلَّدَ اللهُ مُلكها، وحَرَسَ عزَّها، وأدامَ عُلاها..." استهلالٌ لالتماسٍ مقدّم من شخص غير محدّد إلى "ست المُلك"، أخت الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، يعتبرها فيه مولاته و"صاحبة المُلك" أي صاحبة الدولة.

"لمولاتنا السيّدة الكريمة: خلَّدَ اللهُ مُلكها، وحَرَسَ عزَّها، وأدامَ عُلاها..." استهلالٌ لالتماسٍ مقدّم من شخص غير محدّد إلى "ست المُلك"، أخت الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، يعتبرها فيه مولاته و"صاحبة المُلك" أي صاحبة الدولة.

ثم يوضّح كاتب الرسالة أنه يلتمس من "ست المُلك" أن تأمر "عامل الناحية" لتحصيل قيمة إيجارات لعقارات موقوفة للإنفاق على مسجد جامع، تأخّر مستأجروها في سداد مبالغ الإيجار، ما أثّر على الأحوال المعيشيّة لخطيب المسجد "موسى بن أزهر"، وباقي العمّال.

الوثيقة التي حوت هذه الرسالة اكتشفتها أستاذة التاريخ الأمريكيّة، مارينا روستو Marina Rustow، ضمن وثائق جنيزة اليهوديّة، المحفوظ جزء منها في مكتبة بودلين بجامعة أكسفورد البريطانيّة.

مارينا متخصّصة في تاريخ اليهود في العالم العربي، وتحديداً خلال العصر الفاطمي، وهي من أهمّ المعنيّين في العالم بدراسة وثائق جنيزة.

وثائق جنيزة هي عبارة عن مخطوطات (أوراق أو كتب) لا يجوز لليهود التفريط فيها، خاصّة لو كتب عليها اسم الله، أو احتوت على أي نصّ مقدس، فكانوا يحتفظون بها داخل معابدهم، في غرفة معزولة تسمّى "جنيزة – Genizah"، أو ما يمكن أن نسمّيها "غرفة الدفن" داخل الكنيس أو المعبد.

ووثائق جنيزة هي عبارة عن مخطوطات (أوراق أو كتب) لا يجوز لليهود التفريط فيها، خاصّة لو كتب عليها اسم الله، أو احتوت على أي نصّ مقدس، وبناءً على ذلك كان اليهود يحتفظون بها داخل معابدهم، في غرفة معزولة تسمّى "جنيزة – Genizah"، أو ما يمكن أن نسمّيها "غرفة الدفن" داخل الكنيس أو المعبد.

تعتبر "جنيزة القاهرة" أهمّ مجموعات وثائق جنيزة في العالم، وقد انتقل أغلبها إلى أوروبا، من كنيس بن عزرا بمنطقة الفسطاط في القاهرة، وهو من أقدم المعابد اليهوديّة في العالم، وعُثر به على ما يقرب من 200 ألف وثيقة، ترجع بعضها إلى القرن الحادي عشر الميلادي.


قيمة الالتماس الذي اكتشفته مارينا، ليس في محتواه كطلب خاصٍّ بإدارة مسجد، وإنما فيما تكشفه لنا دراسته كوثيقة تاريخيّة، وهو ما فعلته مارينا روستو في دراسة بعنوان: " A petition to a woman at the Fatimid court - التماس إلى امرأة في قصر الحكم الفاطمي".

من خلال الدراسة، نعيش مع ممارسات طالت الأرشيف الإسلامي في عصور ما قبل الدولة العثمانيّة، أصابته بالتهلهل، كما نلحظ دأب اليهود في الحفاظ على أرشيفهم خلال نفس الفترات.

الالتماس الموجود في الوثيقة يتحدّث عن أمور إداريّة خاصّة بمسجد، فلماذا احتفظ به اليهود في جنيزتهم؟ وكيف انتقلت الوثيقة من قصر الخلافة الفاطمي إلى كنيس بن عزرا؟ وقبل ذلك: لماذا يُقَدَّم التماس إلى ست الملك في قصر الخلافة الفاطميّة القويّة في هذا الوقت؟ ألم يكن هناك خليفة تُرفع إليه المَظْلَمَة؟ ما هو دور ست الملك؟

تعتبر "جنيزة القاهرة" أهمّ مجموعات وثائق جنيزة في العالم، وقد انتقل أغلبها إلى أوروبا، من كنيس بن عزرا بمنطقة الفسطاط في القاهرة، وهو من أقدم المعابد اليهوديّة في العالم، وعُثر به على ما يقرب من 200 ألف وثيقة، ترجع بعضها إلى القرن الحادي عشر الميلادي.

السيّدة التي حكمت الدولة الفاطميّة

إلى جانب تاريخ الوثيقة والمكانة العالية للمرأة المُخاطبة، فإن الدليل الرئيسي على هوية هذه المرأة هو ذِكْر أن المسجد والأوقاف التي يُنفق من ريعها عليه يشكّلان جزءاً مما يُدار في "ديوانها"، بحسب الالتماس. فإذا كان لهذه السيدة ديوانها الحكومي الخاص، وكان لها دور في الإنفاق على مساجد، فإنها عضو رفيع المستوى في البلاط الفاطمي، كذلك فهي تمتلك سلطة وقيادة على حكّام المقاطعات، كما يُفهم من الالتماس نفسه.

هذا يُضيّق مجال المرشّحات المحتملات بشكل كبير: فإمّا أن تكون هذه السيّدة هي رصد "أم المستنصر" أهم سيّدة في القرن الحادي عشر في البلاط الفاطمي، التي استحضرت جاريّة على يدي الوسيط اليهودي أبو سعد إبراهيم التستري، للخليفة الظاهر لإعزاز دين الله.

صعود التستري في البلاط الفاطمي يعود إلى عشرينيات القرن الحادي عشر، ودخول رصد إلى القصر كان في نفس الفترة، لكنها بقيت مجرّد محظية إلى أن أنجبت الخليفة المستقبلي (المستنصر) عام 1029، وقوّتها الحقيقيّة في البلاط لم تظهر إلا حين نُصِّب ابنها كخليفة عام 1036، ولكن الوثيقة التي بين أيدينا سابقة على هذا التاريخ، بحسب مارينا.

وبالتالي فإن المرشّحة الأكثر ترجيحاً هنا هي "ست المُلك"، المولودة عام 970م، الأخت غير الشقيقة للخليفة الحاكم بأمر الله ( تـ 1021م)، التي تواترت الروايات -ومنها ما جاء في تاريخ هلال الصابئ- على أنها من دبّرت لقتل أخيها، بينما كان راكباً بغلته ويمشي على هضبة المقطم، متنكراً كعادته. ولكنّ هذه التهمة لا يمكن فهمها إلا بالرجوع إلى مسألة أكبر وهي الإشكالية التي تمثلت أمام كتّاب التاريخ حيال السلطة في أيدي النساءـ ولعلها موضوع لمقال آخر. 

دعمت ست المُلك أخاها الحاكم حين تولّى العرش وعمره 11 عاماً، وكانت تكبره بـ 16 عاماً، وبعد أن قويت شوكته وصار شاباً، وهناك ما يشير إلى توتّر ساد بينهما بسبب قوة دور ست الملك في الدولة، وبحلول عام 1020، لم تكن ست المُلك معارضة لسياسات أخيها فحسب، بل خافت على سلامتها الشخصيّة منه.

بعد موت الحاكم ظلّت الدولة بلا خليفة لمدة 6 أسابيع، كانت ست المُلك تحكم فيها بشكل مطلق، حتى نَصّبَت ابن أخيها الظاهر لإعزاز دين الله في مارس 1021م، وعمره وقتها 16 عاماً.

ويذكر عدد من المؤرخين أن ست المُلك خلال هذه الفترة ضربت بهيبتها في قلوب الناس، ولمدّة عامين "على الأقل" ظلّت أقوى شخصية في الدولة، في عهد ابن أخيها "الظاهر"، حتى وفاتها في حالة يشكّك في أنها حالة تسميم، بحسب مارينا روستو.

وتوضّح الباحثة أن "ست المُلك" ربما ظلّت تحكم لأكثر من ذلك قبل أن تموت، لأن المؤرّخين يقدّمون معلومات متناقضة حول موعد وفاتها، أقلّها "عامين بعد وفاة أخيها" أي عام 1023 كما ذكر النويري في تاريخه، وتمتد إلى 4 سنوات كما قال ابن العبري، أي عام 1025م.

ويقول المؤرّخ الفاطمي المصابيحي (تـ1030م) في "أخبار مصر"، أنه كان لها ديوانها الخاص، وتلقّت فيه العرائض والتظلّمات، ولم تكن هناك امرأة في تلك الفترة لديها ديوان حكومي خاص إلا هي، بحسب مارينا رستو.

توجيه الالتماس الذي بين أيدينا كان في النصف الثاني من عام 413هـ - 1022 أو 1023م، أي في أعلى فترات نفوذ ست المُلك.

كذلك لم تكن هناك امرأة ترعى الإنشاء المعماري سواها خلال فترة الحاكم بأمر الله، وقد موّل أقارب الخليفتين الفاطميّين السابقين للحاكم بناء المساجد وغيرها من المباني العامة، ولكن كانت ست المُلك وحدها من بين أقارب الحاكم بأمر الله من تتخذ هذه المبادرات خلال خلافته.

كما يدعم تأويل الفرضيّة أن العريضة موجّهة إلى "السيّدة الكريمة"، وكانت المصادر السرديّة المتزامنة تطلق على ست المُلك "السيّدة الشريفة، والسيّدة العزيزة". ومن وثائق جنيزة هناك التماس مقدّم إلى سيّدة فاطميّة تنادى فيه بـ"مولاتنا الكريمة"، وفي نفس الوثيقة تنادى أيضاً بـ"السيّدة".

انتقال الوثيقة إلى اليهود 

الوثيقة التي بين أيدينا (الالتماس) ليست مسوّدة للكتابة، وإنما وثيقة نهائيّة، لا تظهر عليها أي علامات للمحو أو التعديل أو البدايات الخاطئة، أو إعادة الاستخدام، كذلك فإن تصميم الصفحة، وتصميم النص، من حيث طريقة صف الكلمات والأسطر المنضبطة، تؤكّدان أنها وثيقة رسميّة، بحسب مارينا. صحيح أن الوثيقة لم تُمهر بإقرار رسمي (خاتم، توقيع) كوثائق أخرى حوتها جنيزة، لكن هذا يأتي من حقيقة أن صاحب الالتماس كان يطلب من ست المُلك قراراً منفصلاً يُرسل إلى "عامل الناحية"، ولذلك لم تكن هناك حاجة للردّ على الالتماس على نفس العريضة.

معنى ذلك أن الوثيقة كانت في قصر الخلافة بـ"قاهرة المعز"، وخرجت منه إلى المعبد اليهودي في "الفسطاط"، وهنا لابد من الإجابة على سؤالين: لماذا اهتمّ اليهود بحفظ وثيقة تتحدّث عن مسجد؟ وكيف وصلت إليهم بالأساس؟

استعراض تاريخ الإمبراطوريات الإسلاميّة (قبل الدولة العثمانيّة) في التعامل مع الوثائق والكتب، يُنبِئُنا بالطريقة التي خرجت بها تلك الوثيقة وآلاف الوثائق من قصور الحكم الإسلاميّة، وجعلتها عرضة للدمار، أو تلقّفها من قبل من يريد أن يتلقّفها. كانت الأوراق أو المواد التي يُكتب عليها عموماً، تمثّل في حدّ ذاتها قيمة مادية، بالإضافة إلى قيمة المُحتوى المكتوب بداخلها، وذكرت المصادر التاريخيّة العربيّة مجموعة من الوقائع السياسيّة التي أدّت إلى تبديد الأوراق في قصور الحكم الإسلاميّة. 

وتنقل مارينا عن الكاتب والمؤرّخ أبو العباس القلقشندي أن سعر الورق كان مرتفعاً، خاصّة في القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي (العصر المملوكي)، ما جعل سرقته لبيعه أمراً مربحاً.

بجانب تلك الوقائع، ربما كان خروج الوثائق من قصر الحكم الفاطمي إلى جنيزة، عن طريق الكَتَبَة اليهود الذين عملوا في البلاط، بحسب ما تنقل مارينا عن المستشرق البريطاني صمويل شتيرن، لافتة إلى أن القرن الأول من الحكم الفاطمي وحده، شهد ما لا يقل عن عمل ثلاثين من اليهود في جهاز الحكم، ومعظمهم كانوا في مناصب عليا.

ولكن المنطقي هنا، أن تكون تلك الوثائق التي نقلها الكتبة إلى أبناء طائفتهم محلّ اهتمام منهم، وإلا ما كانوا ليحرصوا على حفظها.

لمذا اهتم اليهود بوثائق عربيّة؟

هناك الكثير من الوثائق العربيّة محفوظة في جنيزة، منها ماهي خاصّة باليهود، ومنها ماليس لها علاقة باليهود مطلقاً (كالالتماس الموجّه إلى ست المُلك) وحفظت كما ذكرنا، فما السبب؟

بالنسبة للوثيقة التي بين أيدينا، وُجد أن الهامش الأيسر للصفحة مكتوب عليه آيات توراتيّة بابليّة مترجمة إلى الآراميّة، مكتوبة بخط يدٍ عديمة الخبرة للغاية، وكأن كاتبه كان شخصاً يتعلّم الكتابة، وهذه الآيات كفيلة بإدخال اليهود الوثيقة إلى جنيزة، تقديساً لآياتهم.

وإعادة استخدام عرائض الالتماسات للكتابات العبريّة ليس شاذّاً، فمن بين 34 وثيقة "فاطميّة" نشرها أستاذ الدراسات الشرق أوسطيّة جيفري خان Geoffrey Khan، هناك 18 وثيقة بها حروف وكلمات عبريّة مكتوبة في هوامشها، رغم أن الوثائق لم تكن لها علاقة باليهود، تقول مارينا.

ولكن هناك وثائق عربيّة أخرى محفوظة في جنيزة، لا تحتوي على آيات توراتيّة أو حروف عبريّة، بحسب وثائق جيفري خان، وبالتالي كانت تلك الوثائق تخدم اليهود في أغراض أخرى.

وتوضّح الباحثة أن تلك الوثائق كانت تحوي صفقات أو معاملات إداريّة مع الدولة، وترجّح أن الكَتَبَة اليهود كانوا يأخذونها إلى جاليتهم لتكون بمثابة نماذجٍ يحاكونها وهم يكتبون الأوراق الرسميّة التي يخاطبون بها إدارة الحكم الإسلاميّة، فهناك صياغة وترتيب معين لمحتوى العريضة قد يمنحها القبول لدى القصر الفاطمي، أو العكس.

ويذكّرنا هذا بما كان يحدث في بغداد خلال العصر الذهبي للخلافة العباسيّة، فقد كان جعفر بن يحيى البرمكي (تـ 187ه/803م)، كاتب هارون الرشيد وأحد أكبر مسؤولي دولته، يردّ على الالتماسات المقدّمة للخليفة في نفس ورقة الالتماس.

وتنافس الكَتَبَة العباسيون للحصول على تلك المراسيم التي حظيت بإنصاف جعفر، لتعلّم الحيل والأساليب المناسبة في مخاطبة الخليفة، ليحاكوها، حتى قيل إن تلك الالتماسات العباسيّة كانت تباع بدينار، بحسب ما يذكر ابن خلدون في مقدمته.

كذلك كان اليهود يستخدمون تلك الوثائق الحكوميّة ليدافعوا بها عن امتيازاتهم، ففي 1025م، اختير شلومو كوهين بن يوسف كاهناً على القدس. ولتعزيز موقفه - كما هو معتاد - سعى للحصول على وثيقة بتنصيبه من الظاهر لإعزاز دين الله له.

وتذكر مارينا أن شلومو قدّم التماساً بذلك للظاهر، ذكر فيه أن ثلاثة خلفاء سبقوه، أظهروا لطفهم لليهود، وأصدروا مراسيم بتنصيب من سبقوا شلومو في هذا المنصب، مشيراً في طلبه إلى أنه يحوز المراسيم الثلاثة السابقة في يده.

صورة المقالة لـ Robert Zunikoff.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard