المعتقلات السعوديات يدفعنَ ثمن الإصلاح الذي سعيْن إليه

الاثنين 25 مارس 201905:42 م

في رسالة بددت فيها صفات المنعة والشدة التي تمتاز بها السجون، عبرّت لجين الهذلول عن قوة موقفها أمام محاولات كسرت إرادتها قائلة: “العار ليس على جبيني، العار على من عذبني وتعرض لحرماتي وعلى من غطى عليهم”. في دول الشرق الأوسط، يُعرف عن السجن أنه المكان الذي يتم فيه كسر إرادة الإنسان وسلب احترامه لذاته، لكن الصمود الذي أظهرته الهذلول في رسالتها ظهر وكأنه صفعة قاسية ضربت وجه السجان، وما أريد له أن يكون غرفة ضيقة مظلمة أصبح أفقاً بلا حدود يتلّون بكل معاني الثبات. 

يفترض البعض أنه حرٌ ما دام يستطيع الحركة في حيّز غير محدود بأربعة جدران، لكن هذا الوهم سرعان ما يتلاشى إن حاول أن يطالب بحقوقه الأساسية، حيث يوضع القانون على الرف وتظهر العصا الغليظة لتنتزع من الإنسان أدميته، في مشهد يؤكد أن وعود الإصلاح يجب أن تبدأ أولاً في إصلاح مبادئ وأسس التعامل الحكومي مع الإنسان بوصفه مواطناً له كامل الحقوق الواجب على الدولة الحفاظ عليها واحترامها وأداء واجبها بالإيفاء بالتزاماتها تجاهه.

شهدنا قبل أيام وقوف عدد من المناضلات السعوديات أمام القضاء بعد أيام طويلة من الإخفاء القسري والتعذيب بناء على “شبهات” أدانتهم بها السلطات بممارساتها تجاههن قبل أن يعرضن على القضاء، ولم يأذن القاضي بأن يحضر الجلسة عددٌ من الصحفيين والدبلوماسيين الأجانب بدعوى “حماية خصوصية المدعى عليهن”. لا يفصل بين المناضلات وبين القاضي إلا بضعة أمتار، لكن المسافة بينهن وبين حياتهن الطبيعية عدة أسوار وفصول من الظلم الغاشم. في الشرائع والقوانين يُعرف عن المحكمة أنها المكان الذي يُنصف فيه المظلوم، لكنها تحوّلت لدينا إلى كيان للقهر والجبر.

يفترض البعض أنه حرٌ ما دام يستطيع الحركة في حيّز غير محدود بأربعة جدران، لكن هذا الوهم سرعان ما يتلاشى إن حاول أن يطالب بحقوقه الأساسية، حيث يوضع القانون على الرف وتظهر العصا الغليظة لتنتزع من الإنسان أدميته
كنت وغيري نتوقع أن جريمة قتل جمال خاشقجي قد تغيّر من السلوك الممارس من السلطة تجاه المعتقلات... لكن لا شيء قد تغيّر، ويبدو أن سلوك الإفلات من العقاب قد أتاح فرصاً لتكرار التطاول على الحقوق

لم يكشف للسعوديات المعتقلات تهمهن إلا يوم العرض على المحكمة بالجلسة الافتتاحية مع منحهن مهلة قدرها أسبوعان للرد على التهم الواردة في صحيفة الدعوى، كما هو الحال مع لجين الهذلول، وأذنت السلطات الرسمية لمحاميها بأن يلتقي معها مرة واحدة مدتها ساعة واحدة من أجل الإعداد للرد على الاتهامات التي تم العمل عليها وحياكتها أشهراً طويلة. هذه الممارسات تنطوي على غبن واضح لحقوق أقرتها الشرائع السماوية والأنظمة القانونية التي تكفل للمواطن حقه في الدفاع عن نفسه وبمحاكمة عادلة وببراءة سجله القانوني حتى يثبت العكس. ومن المؤسف والمخجل أن تكون هذه الإجراءات تصدر عن دولة لها باع طويل في نشر مفاهيم الإسلام المتعلقة بالعدالة وحقوق المسلمين وواجبات الدولة التي أقرتها الشريعة.

إن العديد من النساء اللواتي احتجزن بسبب نشاطهن الحقوقي ووجهت لهن تهمٌ تتعلق بـ”الإرهاب” ثم غيّرت لأسباب مبهمة، اجتهدن في نضالهن السلمي لسنوات طويلة في تعزيز قيم المواطنة والسماح للمرأة بقيادة السيارة ومساواتها بالرجل، إلا أن المساواة التي حصلن عليها من قبل الدولة هي مساواتهن بالضرب والتعذيب كحال معتقلي الرأي من الرجال.

كان من المتاح جداً أن تكون لجين الهذلول وعزيزة اليوسف وإيمان النفجان وغيرهن أيقونات يمثلن المملكة في التعبير عن الملامح الجديدة للبلاد وفي الخطوات التي يتم قطعها في إنهاء التضييق الممارس على الحريات الفردية والاجتماعية، لكنهن تحوّلن إلى نماذج صارخة لما يمكن أن تكون عليه الانتكاسة الحقوقية للمملكة وابتعادها المتسارع عن تحقيق الإصلاح المنشود، وكما يبدو في المشهد العام فإن بلادنا تفرّط رويداً رويداً بنسائها اللواتي لطالما وقفن معها في عسرها ويسرها.

كنت وغيري نتوقع أن جريمة قتل جمال خاشقجي قد تغيّر من السلوك الممارس من السلطة تجاه المعتقلات بناء على آرائهن السياسية ونشاطهن الحقوقي بعد أن أصبحت تحت مجهر دقيق من قبل المجتمع الدولي والإعلام الغربي، لكن لا شيء قد تغيّر، ويبدو أن سلوك الإفلات من العقاب قد أتاح فرصاً لتكرار التطاول على الحقوق، مما دفع الكثيرين إلى السكوت والإنزواء وترك المشاركة الفعالة في الشأن العام، غير أن هذه الحالة غير الطبيعية لا يمكن أن تستمر إذا ما أردنا أن نكون في مصاف الدول التي يشاد بها في العدالة والوطنية والمواطنة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard