لص بغداد: الإيكزوتيكيّة العربيّة في السينما العالميّة

الثلاثاء 26 مارس 201908:09 ص

يقدّم معرض (لص بغداد) المقام في دار النمر بيروت، المجموعةَ الخاصّة بعبودي أبو جودة مدير دار الفرات للنشر، من المطبوعات وملصقات الأفلام القديمة من لبنان والعالم العربي والعالم.

في سن المراهقة، حصل أبو جودة على ملصق فيلم (رحلة السندباد السابعة، 1958)، حيث كان هذا الملصق الأول لمجموعة (لص بغداد)، منذ ذلك الحين، تراكمت المجموعة لتصل إلى 550 ملصقاً سينمائياً، و300 صورة ودفتر إعلاني من حوالي 20 دولة.

معرض في دار النمر البيروتية، يطلّ على الملصقات السينمائيّة، ويعرفنا على العناصر التي تكوّن الإيكزوتيكيّة العربيّة في المخيّلة السينمائيّة العالميّة، وكذلك الصور النمطيّة التي أحاطت بالعرب وبالثقافة العربيّة في مخيّلة الإنتاج السينمائي العالمي.

ركّز أبو جودة على موضوع التصوّر الغربي عن العرب من خلال الملصقات السينمائيّة، لذلك يمكّننا هذا المعرض من خلال تحليل الأفلام التي يتضمّنها، على التعرّف على العناصر التي تكوّن الإيكزوتيكيّة العربيّة في المخيّلة السينمائيّة العالميّة، وكذلك نتعرّف على الصور النمطيّة التي أحاطت بالعرب وبالثقافة العربيّة في مخيّلة الإنتاج السينمائي العالمي.

الجانب الفني لملصقات الأفلام

الجانب الأول الذي يسمح المعرض للمتلقّي بالتعرّف عليه هو الجانب الفنّي، التشكيلي، والجمالي لفن البوستر، جاء في بروشور المعرض في هذا السياق: "يعود تاريخ معظم ملصقات الأفلام المعروضة إلى سنوات إنتاج الملصقات قبل استخدام تقنيات الطباعة الحديثة، بين تسعينيات القرن التاسع عشر وسبعينيات القرن العشرين، خلال العصر الذي كان فيه الرسّامون حريصين على إغواء الجمهور وخلق عمل جمالي، تفاوتت جودة الملصقات المنتجة حينها، إذ كان بعض الرسّامين قليلي الاهتمام بجودة عملهم، في حين صنع آخرون ملصقات جميلة وجذّابة، مثل الرسّامين الفرنسيين والإيطاليين، حاول هؤلاء الرسّامون إغواء الحضور بأجسادٍ مرسومةٍ بإتقان، ومناظر طبيعيّة جذّابة، وألوان نابضة بالحياة تجذبهم إلى عالم من الإبداع والخيال".

صورة الثقافة العربيّة في السينما العالميّة

الجانب الآخر الذي يكتشفه زائر المعرض هو الجانب التوثيقي، أو الجانب المتعلّق بصورة الثقافة العربيّة مقدّمة في السينما الأمريكيّة، الأوربية والعالميّة، لهذا الجانب خصّص الكتيب المرافق للمعرض، دراسة موجزة توضّح المعالم الأساسيّة التي رسمت صورة العرب والثقافة العربيّة في المخيّلة السينمائيّة العالميّة.

قدّم القائمون على المعرض تقسيماً رباعياً لملصقات الأفلام التي يضمّها المعرض، وهو تقسيم قائم على موضوعات ونوعية الأفلام: (حب وغرام)، (الفانتازيا)، (الحروب والتجسس)، وقسم خاص للأفلام العالميّة التي تمّ تصويرها في بيروت.

المرأة الإيكزوتيكيّة الشرقيّة العربيّة

تبيّن الدراسة المنشورة في كتيب المعرض، أن الاهتمام العالمي بالثقافة العربية بدأ على إثر العروض الراقصة التي سبقت نشأة الأفلام التجاريّة بوقت طويل، ففي العام 1893، وفي معرض شيكاغو العالمي، قدّم فريق من 12 فنانة تقودهن فريدة مزهر عرضاً راقصاً، عرفن على إثره بفرقة (ليتل إيجيبت، مصر الصغيرة)، لاحقاً، ستكون حكاية هذه الفرقة الاستعراضيّة الراقصة فاتحةً لعدد من الأعمال السينمائيّة، منها فيلم (زيغفليد الكبير، 1936) المستوحى من سيرة حياة فريدة مزهر. هكذا منذ البداية أضيف على المرأة العربيّة، والحضور الأنثوي الشرقي هذه السمة الإيكزوتيكيّة، أي الانجذاب إلى الجمال الفريد والنادر.

في فيلم (السبايا، 1947، تشارلز لامونت)، ينطلق مغامر أمريكي في مهمّة إلى طرابلس لإنقاذ بحّارة مختطفين، حيث يلتقي براقصة جميلة متورّطة مع الأسياد المتنافسين، وفي فيلم (المغرب، 1949، روبرت فلوري) يُغرم ضابط فرنسي في الفيلق الأجنبي في شمال إفريقيا بابنة السلطان.

مجدّداً، في العام 1951 استدعيت مسيرة الفرقة الاستعراضيّة (ليتل إيجيبت) إلى السينما بفيلم كوميدي حمل عنوان (مصر الصغيرة، فريدريك دي كوردوفا)، وفيه نتابع قصّة راقصة تغوي مليونيراً، بعد أن تسببت رقصتها المثيرة بفوضى عارمة في معرض شيكاغو العالمي.

وفي إطار الافتتان بالمرأة الشرقيّة، نذكر فيلم (لهب الصحراء، 1951، تشارلز لامونت)، حيث تتنافس أميرة تونسيّة مع شيخ بدوي على امتلاك حصان أسود، وفي فيلم المغامرات (النصل الذهبي، 1953، نيش جوردان) نتابع هارون الرشيد في مهمّة لإنقاذ خيزران من وزير وحشي، ونجد في فيلم (مملكة بابل، 1954، كارلو براغاليا) تقع سميراميس، محظيّة الملك، بغرام متمرّد كلداني يقاتل ضد ملك بابل القديمة.

كذلك في الفيلم ذو العنوان التجاري (الآثمة، 1959، ستيف سيكلي) يلتقي فيروس وهو جندي روماني سابق، بإمرأة غامضة مقيّدة بعمود تعرف عن نفسها بعشتار، بينما في (الفارون إلى الصحراء، 1965، باولو هويش) يتودّد المغامر الفرنسي العربي ألدار للأميرة ياسمين بينما يقوم ببيع الأسلحة.

البدوي الانتهازي

تحتاج حكايات الأفلام إلى شخصية الشرير، أو الشخصيّة العقبة أمام تحقّق النهاية السعيدة التي يسعى إليها الفيلم، وجد الإنتاج السينمائي العالمي بشخصية البدوي معيناً خصباً على ابتكار هذا النوع من الشخصيات في سيناريوهات الأفلام. في فيلم (مغامرة في العراق، 1943، د. روس ليدرمان) ينجو مجموعة أميركيين من حادث تحطم طائرة فيستقبلهم شيخ سرعان ما يظهر بوادر بأنه يخفي من سوء غير ما يُظهر من ود، وفي فيلم (بنغازي، 1955، جون بارم) يعترض البدو قطاع الطرق رجلاً أمريكياً وآخر إيرلندياً في مهمتهما لإيجاد كنوز مدفونة في الصحراء، وفي فيلم (القوافل، 1978، جيمس فارغو)، يرحل دبلوماسي أميركي إلى زيدستان ليسترجع ابنة سيناتور أمريكي من غرامها برجل بدوي.

الصحراء العربيّة

تشكّل الصحراء عاملاً إيكزوتيكياً آخر يجذب السينما العالميّة سواء كونها مكاناً جمالياً صالحاً للعدسة السينمائيّة، أو بكونها مكاناً غرائبياً قابلاً لتوليد الأحداث في الحكاية، في فيلم (القناع الذهبي، 1953، جاك لي) ينطلق عالم آثار من المتحف البريطاني في مهمّة لإيجاد قناع نادر في الصحراء، فيكتشف أن عصابة تبحث أيضاً عن الكنز ذاته، وفي فيلم مثل (الصحراء المحرمة، 1957، جاكسون ونتر) يتظاهر مستكشف سويسري بأنه عربي لزيارة المناطق المحرمّة على الأوروبيين، وفي فيلم (الهروب من الصحراء الكبرى، 1958، ولفغانغ شتاوته) تقع طائرة الجنود الألمان في الصحراء مما يقودهم إلى مغامرات، منها اعتقال الممرّضة التي قدّمت لهم العون والمساعد. غالباً ما تحول تلك الأفلام أرض العرب إلى صحراء جرداء، فيلم (أغنية الصحراء) في نسخه الثلاث (1929، 1943، 1953) حيث حوّل الفيلم جبال المغرب إلى كثبان رمل ومساحات عارية.

تشكّل الصحراء عاملاً إيكزوتيكياً آخر يجذب السينما العالميّة سواء كونها مكاناً جمالياً صالحاً للعدسة السينمائيّة، أو بكونها مكاناً غرائبياً قابلاً لتوليد الأحداث في الحكاية

الفانتازيا الشرقيّة

يعيد الباحثون أصول الإفتتان الأوربي والأمريكي بالفانتازيا العربيّة إلى (ألف ليلة وليلة). لقد وجدت السينما بالأراضي الساحرة المليئة بالكنوز والعجائب، وبالساحرات والحوريات الغاويات والراقصات الجميلات والشيوخ الشجعان والمخلوقات الضخمة إلهاماً كبيراً لنوع الفيلم الفانتازي، أحد الأمثلة على هذه الصورة برز في فيلم (لص بغداد، 1924)، والذي أُعيد إنتاجه ثلاث مرات (1940، 1961، 1978) تمثل محور اهتمام صانعي الفيلم بالسحر والمغامرات والبساط الطائر والجواري والأجواء الغرائبيّة أكثر من اهتمامهم بالدقة التاريخيّة لأحداث الفيلم.

أنتج العديد من الأفلام وخاصة الأمريكيّة المستوحاة من (ألف ليلة وليلة)، مثل: (علي بابا والأربعون حرامي، 1944)، (ألف ليلة وليلة، 1945)، (السندباد البحار، 1947)، ومنها بالهندية (علاء الدين والفانوس السحري، 1952)، وبالفرنسية (علي بابا والأربعون حرامي، 1954) مع فرناندل وسامية جمال، والفيلم الفرنسي التونسي المشترك (جحا، 1958).

أرض الجواسيس والخونة

بعد الحرب العالمية الثانية وعودة الإنتاج السينمائي إلى أوروبا، كانت الدول العربيّة محور تصوير عدد كبير من الأفلام عن هذه الحرب، وخصوصاً المعارك التي جرت بين الإنجليز والأميركيين من جهة، والألمان والإيطاليين من جهة أخرى، على الحدود المصريّة وفي المغرب العربي، حيث كان للعرب دور ما بين هذين المحورين، مثل أفلام ( صحارى،1943)، و(خمسة قبور إلى القاهرة، 1943)، و(الطريق إلى القاهرة، 1951) وأفلام أخرى عن الفيالق الأجنبيّة في المغرب العربي، الأميركيّة منها والفرنسيّة، مثل (الاستيطان في المغرب، 1949) و(عشرة رجال طوال، 1951).

مع بداية الستينيات وظهور موجة الأفلام البوليسيّة والجاسوسيّة، صوّر العديد من الأفلام وخصوصاً التجارية منها والمعروفة بفئة "ب" في الدول العربية في مصر ولبنان وتونس، مثل (القاهرة، 1963)، و(24 ساعة للقتل، 1965) و(الجواسيس تُغتال في بيروت، 1965). يشكّل هذا النوع من الأفلام العدد الأكبر من الأعمال السينمائيّة التي يقدّمها المعرض بالقسم الخاص ب (صوّر في بيروت).

مع بداية الستينيات وظهور موجة الأفلام البوليسيّة والجاسوسيّة، صوّر العديد من الأفلام وخصوصاً التجارية منها والمعروفة بفئة "ب" في الدول العربية في مصر ولبنان وتونس، مثل (القاهرة، 1963)، و(24 ساعة للقتل، 1965) و(الجواسيس تُغتال في بيروت، 1965).

تبقى الصورة النمطيّة الأخيرة التي يجب الحديث عنها عند تناول صورة العربي في السينما العالميّة في هذا المعرض، وهي صورة الإرهابي.

تعيد الدراسة المنشورة في كتيب المعرض، وسم العربي بالصورة النمطيّة للإرهابي كنتاج للصراع العربي – الإسرائيلي، وخصوصاً تنميط الشخصيّة الفلسطينيّة، إذ أن الإنتاج السينمائي العالمي والأمريكي في السبعينيات لم يكتف بتصوير العرب بأشكال وأنماط تدعو للسخرية والرثاء، بل ظهر مسعى سياسي واضح، لوسم العربي بصورة الإرهاب، وذلك في أفلام مثل (الأحد الأسود، 1977)، (الشبكة، 1976) الذي كان أول فيلم يحذّر من هجمة استثماريّة عربيّة تحدّ من حرية الإعلام الأمريكي وتستولي على محطاته.

ومع بداية القرن الحادي والعشرين، استمرّت أفلام العنف التجاريّة التي تنتج بأرخص العناصر الفنيّة، في تقديم صورة إرهابيين عرب يشكلون خطراً على سلامة المجتمع الدولي، لكن على الرغم من ذلك ظهر في الغرب من فهم هذه الأفلام لا لسوء مقصدها وافترائها فقط، بل لسوئها من حيث إلغائها للحوار الإنساني والثقافي في العلاقة بين شعوب العالم.

بالرغم من أن العرب لم يكونوا الوحيدين الذين وقعوا ضحية التنميط الهوليودي والتشويه المتعمّد، فقد ضمت القائمة الإيرانيين والأفغان والهنود وغيرهم، إلا أن صورة العربي في السينما الغربية أخذت منحى أكثر عنفاً بسبب الصراع مع اسرائيل.

بالرغم من أن العرب لم يكونوا الوحيدين الذين وقعوا ضحية التنميط الهوليودي والتشويه المتعمّد، فقد ضمت القائمة الإيرانيين والأفغان والهنود وغيرهم، إلا أن صورة العربي في السينما الغربية أخذت منحى أكثر عنفاً بسبب الصراع مع اسرائيل.

يستمرّ المعرض حتى 25 أيار 2019، في دار النمر بيروت. تعتمد المقالة على نص أبو جودة الذي رافق بروشور المعرض هنا الرابط

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard