لن يغيّر ترامب هُويّة الجولان السوريّ المحتلّ ولا هُويّة أهله

الاثنين 25 مارس 201912:31 م

تشكل شرعنة ترامب للاحتلال العسكري الصهيوني للقدس والضفة الغربية والجولان سابقة أولى من نوعها في سياسات العلاقات الخارجية الدولية، للولايات المتحدة وغيرها من الدول، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وبدء حركات تقرير المصير والانسحاب الاستعماري.

يأتي هذا الاعتراف في سياق المجهول، فالبعض يدعي أنها جزء من "صفقة القرن"، في محاولة لترامب بفرض مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل على المنطقة بأكملها (وأقصد هنا المصلحة الاقتصادية بالأساس). البعض الآخر يدّعي أنه جزء من الحملات الانتخابية المتعلّقة بنتانياهو ودونالد ترامب.

الصوت الحقيقي للجولان السوري ينبع من أهله.

سياق تاريخي عن الجولان

قامت إسرائيل باحتلال الجولان السوري عام 1967، في حرب حزيران. تم تدمير أكثر من 100 قرية وتهجير أكثر من 100 ألف سوري من أراضيهم وبلداتهم، بمن فيهم سكّان مدينة القنيطرة. بقي في الجولان بعد الاحتلال 5 قرى، يقطنها حوالي ال26 ألفًا من السوريين. منذ الاحتلال، أصدرت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي تنديدًا بالهجوم العسكري الإسرائيلي وطالبت الحكومات الإسرائيلية بالانسحاب من الأراضي المحتلة. ما زال هذا هو الموقف الثابت للأمم المتحدة حتى الآن.

في العام 1981 أصدر الكنيست الاسرائيلي قانون "ضمّ الجولان" والذي انهى الحكم العسكري الإسرائيلي الذي كان فيه بهدف ضمّه رسميًّا ليكون جزءًا من إسرائيل. في أعقاب هذا القانون، أصدر مجلس الأمن قرار رقم 497 والذي اتخّذ بالإجماع، ويدعو دولة اسرائيل إلى الغاء ضم الجولان السوري إذ ذُكر فيه :"قرار إسرائيل فرض قوانينها وإدارتها على مرتفعات الجولان السوري المحتلة لاغ وباطل وليس له أثر قانوني دولي". جميع الأعضاء الدائمين، ومن بينهم الولايات المتحدة الأمريكية، قاموا بتأييد هذا القرار. عام 1982، بعد محاولة السلطات الاسرائيلية فرض الهوية الاسرائيلية على سوريي الجولان، تم الإعلان عن إضراب مفتوح استمر لـ6 أشهر رفضًا لقرار الضم والهوية الإسرائيلية.

قرار عبثي وفاقد للشرعية الدولية

تغريدة ترامب واعترافه بسيادة إسرائيل على الجولان المحتل تميّزت بعبثيتها وعدم فهمها للواقع الدولي وقوانينه، بل هي تناقض القيم الأسمى المتفق عليها ضمنيًّا في الأسرة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية.

تعترض غالبية دول العالم على الاحتلال العسكري وضم مناطق محتلة عسكريًا، خاصة الأوروبية منها، وذلك بعد تجربة السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية، والاحتلال العسكري النازي لدول أوروبية ضعيفة، وموافقة السوفييت عليها. لا يمكن أن يسمح المجتمع الدولي بهذه العبثية، ولا يمكن لدول العالم، بالأخص غير العسكرية منها، أن توافق على مشروعية الاحتلال العسكري، حرصًا على أراضيها ومصالحها.

الاحتلال العسكري هو غير قانوني وفق القوانين الدولية واتفاقيات جنيف. وحتى إسرائيل نفسها، امتنعت منذ احتلال الجولان عن استعمال مصطلح "ضم" بل استخدمت "تطبيق القانون والإدارة" بدلًا منه، خاصة أمام الأمم المتحدة وفي المحافل الدولية.

يعود بنا هذا الاعتراف من قبل دونالد ترامب للعصور الوسطى، والتي كانت تنص فيها الأعراف على أن "السابق غالب" والقوي يأكل الضعيف ويسرق أرضه ويقوم باستعباده. هذه التغريدة الخالية من الشرعية، تحمل في طياتها مفاهيم اندثرت ولم تعد صالحة للتطبيق في عالمنا الحديث. هذه التغريدة تعود بنا للحملات الصليبية والفتوحات الإسلامية.

تغريدة ترامب واعترافه بسيادة إسرائيل على الجولان المحتل تميّزت بعبثيتها وعدم فهمها للواقع الدولي وقوانينه، بل هي تناقض القيم الأسمى المتفق عليها ضمنيًّا في الأسرة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية.
الاحتلال العسكري هو غير قانوني وفق القوانين الدولية واتفاقيات جنيف. وحتى إسرائيل نفسها، امتنعت منذ احتلال الجولان عن استعمال مصطلح "ضم" بل استخدمت "تطبيق القانون والإدارة" بدلًا منه.
أحد أخطر عواقب هذه التغريدة هو أنها تخدم النظام السوري. بعد هذا الاعتراف، وقف العديد من قادة العالم، والعديد من الأفراد والجماعات، في انتظار رد النظام السوري، في تمثيلية كأنها تضفي الشرعية لهذا النظام. 

فقدان القرار لرمزيته

ترسيم الحدود الدولية لم يكن ولن يكون أبدًا حدثًا عرضيًّا وأحادي القرار. تُبنى الحدود الدولية على اتفاق ضمني بضرورة ترسيمها، وعلى وجود اعتراف دولي بوجودها. تغريدة ترامب عن الجولان لاقت صدًى كبيرًا في جميع أنحاء العالم، وسارعت الدول، بدءًا بالكبرى منها، بالتنديد بالقرار واعتباره غير شرعي وغير قانوني.

هذه السرعة بالتنديد، تشير حتمًا لعدم وجود شرعية للحدود المرسومة. وبالتالي، فحتى رمزية القرار أصبحت خالية من مضمونها، وهذا يُفقد القرارات الإمريكية بخصوص الضفة الغربية، القدس، والجولان رمزيتها، ويعزل هذه المواقف الأمريكية السياسية عن بقية الأسرة الدولية.

من أكبر إنجازات دونالد ترامب هو اتخاذه قرارات جذرية منافية للوضع القائم في العالم، حتى أصبحت جميعها ذات نبرة غير جدية.

ماذا الآن؟

لن يغيّر ترامب من هوية الجولان السورية، فالأرض لا تسقط بالتقادم، والهوية ليست قابلة للتفكيك. أثبت سكان الجولان السوريين مؤخرًا، أمام الاحتلال والعالم، أن هويتهم لم تتغير على مدى نصف قرن من الاحتلال، حينما وقفوا جميعًا في وجه مشاريع الأسرلة، وفي وجه شرطة الاحتلال التي أطلقت النار عليهم، بغية تمرير مشاريع الأسرلة.

إضافة إلى ذلك، إن أحد أخطر عواقب هذه التغريدة هو أنها تخدم النظام السوري. بعد هذا الاعتراف، وقف العديد من قادة العالم، والعديد من الأفراد والجماعات، في انتظار رد النظام السوري، في تمثيلية كأنها تضفي الشرعية لهذا النظام. لن ينتظر الجولان ولا سوريا التحرير والحرية من النظام السوري.

الصوت الحقيقي للجولان السوري ينبع من أهله، وأهله هم ليسوا فقط سكان القرى الباقية فيه، بل أيضًا النازحين منه، والذين عانوا أشد معاناة من وحشية الاحتلال، ووحشية الحرب السورية مؤخرًا. إن الأرض تملك حقائقًا فوقها، تثبت هويتها، ولن يغير رجل أبيض يمثل هيئات استعمارية هذه الهويّة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard