ليس عيبًا أكل دجاج كنتاكي بالخبز العربيّ

الاثنين 25 مارس 201908:46 ص

لفتني ما كتبته فتاة على  موقع فيسبوك عن عائلة لاجئة تأكل بخبز عربي شرحات "الدجاج" في مطعم "كنتاكي". الجمل المستخدمة في توصيفها تحمل معاني من الفوقية وجلد الذات. وللمعرفة فقط، فإن شركة "كنتاكي" تتيح لزبائنها أكل الدجاج عبر استخدام كفوف بلاستيكية، وعوضاً عن هذا استخدمت العائلة السورية خبزاً طيباً لتأكل به.

الخبز أنظف وأطيب وأشبع للبطون. هذا ما نعرفه في ثقافة بيوتنا المشرقية. نحن نأكل بالخبز لأن في "الخبز بركة"، لكن وصفت الفتاة العائلة بالجاهلة لأنها: في ألمانيا ولا تزال تأكل الطعام بالخبز (وماذا يعني؟). ثم لكونها عائلة لاجئة فهي لم تندمح (بحسب كاتبة التعليق). الاندماج بالنسبة للفتاة نفسها المقيمة حديثًا في ألمانيا عليه أن يكون مرتبطاً بدخول العائلة في لعبة "الإتيكيت" (وكأن الالمان جميعهم يأكلون بالشوكة والسكين ولا يلتهمون بأياديهم وبشراهة). وأيضاً كأن العائلة دخلت مطعماً بخمسة نجوم "ماشلان"، ولم تلتزم أصول الأكل كما يفترض فـ"لكل مقام مقال".

هل أكل الخبز مهين للنظر؟

تضيف الفتاة في سخريتها من ذاتها (وهذه الإحالة النفسية لمعرفتها الضحلة عن مجتمعها وإستيعابها سلوكياته)، بأن ما فعلته العائلة السورية "مشوه للنظر". كيف يتحوّل الأكل بالخبز إلى تشويه بصري؟ ربما كان سيعجز الراحل فيليكس غوتاري في تفسير هذه الجملة اللامعة أو سيقف الراحل أومبرتو إكو، مربوط اليدين في فهم سيميائيتها (سينمائيّة - علم الدلالات)؟ ما هي الدلالة التي تفيد أن الخبز سيهين عيون الجالسين؟ لا نعرف. ثم تضيف الفتاة: "إذا مش قد تطوّر البلد ليش بتعيش فيه؟". وهل التطوّر يعني أن نأكل بالشوكة والسكين؟ ومن قال إن التطوّر المعرفي والسلوكي مرتبط بهذه الحيثية؟ هل الأكل بالخبز العربي دليل تخلف ورجعية؟

 ما هي الدلالة التي تفيد أن الخبز سيهين عيون الجالسين؟

على الأرجح إن هذه الأسئلة بديهية خطرت في رأس كل من قرأ ما كتبته الفتاة والذي إن دلّ على شيء فيدل على جهلها وشعورها دوني تجاه جماعتها التي تنتمي إليها؛ "الجماعة اللاجئة" التي اضطرها القصف والموت والدمار أن تعيش في مجتمع لا تعرفه. ثم نمت بشيء من الشجاعة والثبات، هذه الجماعات الآتية من مناطق سورية مختلفة، تحدثت بلغته وتعايشت مع ثقافته ولو بتباين ومقاييس مختلفة. وعاشت وتعيش رغم تمزقها اكتشاف هذا المجتمع الجديد وتنشط في أعماله وتدرس في جامعاته وتبني فيه من ذاتها الخاصة. وهذا ثراء للمجتمعات الجديدة وبلسان كبار القادة الأوربيين وعلى رأسهم "ماما مركل"، كما تصف الصحافة المستشارة الألمانية.

ما علاقة الاندماج؟ هل الاندماج يعني أن تمحو تاريخك وعاداتك وتستلهم من المجتمع الجديد كل شيء؟ تعيد بناء نفسك فيه كشبح؟ أي أن تصبح نسخة منه. نسخة مغلوطة ممسوخة ولا طعم فيها سوى ذاتها الجديدة؟ هذا لا يعني أن يكون للفرد خياراته في تبني قيم أو سلوكيات محددة، لكن لا يعني هذا أن نعيب من حافظ على سلوكياته الخاصة والجمعية، ومارسها كحق وأن نسلخه بتنظيرنا ونعيبه؟ وأين احترام حق الآخر والاختلاف والتنوع؟ ألم تعلّم أوروبا كل هذا للضيفة الجديدة؟

العيب في السخرية من حالنا

ليس عيباً أن نأكل كما نشاء وكما تحلو لأيدينا ومثارات تذوقنا أن تلتهم. العيب أن نسخر من حالنا وأهلنا وطرق تواصلهم مع لذّاتهم الصغيرة وسلوكياتهم الحميمة والذوقية. وليس عيباً أن نتمسك بعادات أكلنا كما هي، حتى لو أصبحنا مواطنين في مجتمعاتنا الجديدة. المواطنة والاندماج لا يتعارضان مع مفهوم "السلوكيات الخاصة". لكل منا عاداته الأصيلة التي توارثها عن أهله وأبناء منطقته وبلده. لا سيما ثقافة التذوق التي تعد في كل الحضارات، ثقافة فيها من الخصوصية ما يجعلها متباينة عن ثقافة أخرى. يختلف الطعام وأدبياته من بلد الى آخر. ومن منطقة داخل البلد إلى أخرى. لا يأكل سكان دمشق بالطريقة نفسها أو لديهم الهرم الغذائي المشابه لسكان دير الزور مثلاً. وفي هذا التباين والاختلاف، ثراء يعرفه الأنثروبولوجيون بأنه ثراء الثقافة المحلية وصورة عنها وعن موروثاتها، مثلها مثل الفلكلور الغنائي وشفهياته.

عاداتنا المشرقية لا تعيبنا

وانطلاقاً من هذه النقطة، ومن بعض ما يكتب هنا وهناك من ملصقات ترشح منها التنظيرات والفوقية والتوجس والانسلاخ، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لا بد من التذكير أن عاداتنا المشرقية لا تعيبنا. كما لا تعيب سلوكيات الأكل لدى الصينيين أو لدى سكان جبال الأنديز، أو كما سكان الهند. مجتمعات اشتغل باحثون في العلوم الاجتماعية عبر مراكز بحثية وجامعات على خصوصية سلوكياتها التذوقية. والتذوق مادة خام. نسيج معرفي، وفيها استدلال لغوي وسلوكي، يتيح لنا أن نتمايز ونتقارب أيضاً.

هل الاندماج يعني أن تمحو تاريخك وعاداتك وتستلهم من المجتمع الجديد كل شيء؟ تعيد بناء نفسك فيه كشبح؟ أي أن تصبح نسخة منه. نسخة ممسوخة ولا طعم فيها سوى ذاتها الجديدة؟

ليس عيباً أن نتمسك بعادات أكلنا كما هي، حتى لو أصبحنا مواطنين في مجتمعاتنا الجديدة. المواطنة والاندماج لا يتعارضان مع مفهوم "السلوكيات الخاصة". 

الخبز كدلالة معرفية

حين انتقلت إلى فرنسا تخليت قليلاً عن الأكل بالخبز. استخدمت أكثر الشوكة والسكين. تلك التي كنا نستخدمها في بيتنا، لكن كنا نستغني عنها في حضور الخبز. الخبز الذي نعرفه في بلادنا على أنه لذة الطاولة. الخبز ليس إضافة في التذوق، في مطابخنا العربية فحسب. يتجاوز دلالته المرتبطة بالأكل وفعل الغذاء. هو مروحة رمزية تضم فيها ألواناً من الزوايا الدينية والسياسية والمفاهيم الرمزية. وكان للخبر أدوار مفصلية في عالمنا العربي سياسياً. مثل انتفاضة الخبز في مصر عام 1977 أو أحداث الخبز في تونس في العام 1984، أو في سوريا حين أُسقطت حكومة الشيخ تاج الدين الحسني في أربعينات القرن الماضي. والخبز كان له تأثير في الأدب العربي، المثال البسيط على هذا هو الرواية العالمية للكاتب محمد المغربي محمد شكري "الخبز الحافي" وطرائف الجاحظ في كتاب "البخلاء" استلهمت من الخبز، ورواية "أبي الرواية اللبنانية" لتوفيق يوسف عواد ترمزت بعنوانها "الرغيف".

في الختام، حكاية خبزنا العربي هو حكاية حبّ ولذات وحنين وليس علينا أن نتهكم من عائلة يتمتها الحرب ترغب باستعادة بلادها ولوّ بمضغة خبز.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard