عن دور السياسات الأستراليّة في خلق بيئة حاضنة للعنصريّة

السبت 23 مارس 201907:26 م

اقتحم مواطن أسترالي في الخامس عشر من آذار/ مارس 2019، مسجدين في مدينة "كرايست تشرتش" في نيوزيلاندا وأطلق النار على من بهما من مصلين. هذه الجريمة التي أسفرت عن 50 قتيلًا والتي خُطط لها قبل عامين، لم تأتِ من فراغ، فمنذ حرب الخليج الأولى هناك أجواء عامة عالمية معادية للإسلام والعرب. تنعكس هذه الأجواء في مجالات عدة، مثل: حروب متتالية قامت بشنها الولايات المتحدة وحلفاؤها على دول وشعوب إسلامية وعربية، وسياسات مكافحة "الأرهاب" ، وصعود اليمين المتطرف إلى الحكم عالميًا وعودة خطاب فوقية العرق الأبيض إلى الحيز العام السياسي في الولايات المتحدة وأوروبا.

في أستراليا أيضاً نجد أن اليمين السياسي في دالة تصاعدية، نرى ذلك من خلال سياسات الهجرة الأسترالية، وسياسات معادية للاجئين، وخاصة في تغطية الإعلام لهذه القضايا التي تتعلق في الإسلام والعرب. على مدى عقود طويلة، قام العديد من السياسيين وممثلي الجمهور الأستراليين بالإدلاء بتصريحات عنصرية ساهمت في شيطنة الآخر (الآسيويين تارة، والمسلمين تارة أخرى) وقامت بالتحريض ضد المهاجرين غير الأوروبيين بشكل عام، والمهاجرين الإسلام والعرب بشكل خاص، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر في نيويورك. والاسوأ من هذه التصريحات نفسها، هو شرعنة خطاب الكراهية والتعامل مع هذه التصريحات كنوع من حرية التعبير ووجهة نظر أمام الجمهور الأسترالي. فمن غير المفاجىء أن منفذ العملية الإرهابية في نيوزيلاندا هو نتاج هذه البيئة.

السياسات تجاه السكان الأصليّين

لا يمكن فهم الجو السياسي العام في أستراليا وسياسات الهجرة واللاجئين بمعزل عن سياساتها تجاه السكان الأصليين؛ أستراليا كمستمعرة بريطانية قامت على حطام السكان الأصليين، إذ ارتكب المستعمرون البريطانيّون مجازر عدة من أجل القضاء على القبائل التي كانت تعيش على هذه القارة. اعتبر المستعمرون أن أستراليا كانت أرضًا بلا شعب، وقاموا بتصنيف السكان الأصليين كجزء من الفلورا والفاونا (أي أنهم جزء من الطبيعة وليسوا بشرًا أو قبائل). حصل السكان الأصليون على الحق في التصويت فقط في عام 1962. واليوم يعاني السكان الأصليون من فقر، ومشاكل صحية، ونسبة عالية من الانتحار، وتمثيل مفرط في السجون الأسترالية. فخطاب الكراهية ضد المهاجرين، والفوقية العرقية يتماشى مع طبيعة هذا البلد كمستعمَرة.

لذلك، يتحمل مسؤولية جريمة نيوزيلاندا ليس فقط من قام بالتخطيط للجريمة وتنفيذها، إنما كل من قام بالتحريض العنصري ضد المسلمين والحضارة الإسلامية، من سياسيين، ووسائل إعلام وإعلاميين في أستراليا والعالم. إضافة إلى دول إسلامية وعربية كانت شريكة في ترسيخ هذا الجو العام لتحقيق مصالح معينة.

كانت ردود فعل الشارع الأسترالي مرضية بشكل عام. إذ قام نشطاء مدنيين بوقفات تضامنية، نمظاهرات ومسيرات متتالية، في مدن مركزية مثل ملبورن وسيدني، وتوافد العديد من الأستراليين إلى المساجد للتضامن مع الجالية الإسلامية. لكن بالرغم من ردود الفعل الإيجابية، فقد صدرت ردود فعل مقلقة جدًا، إذ تعرض البعض من النساء المسلمات إلى تهديدات كلامية، وتم الاعتداء على أملاك عائلات إسلامية، وتلقى مسجد رسالة تهديد من مجهولين.

في أستراليا نجد أن اليمين السياسي في دالة تصاعدية، نرى ذلك من خلال سياسات الهجرة الأسترالية، وسياسات معادية للاجئين، وخاصة في تغطية الإعلام للقضايا التي تتعلق في الإسلام والعرب.

لا يمكن فهم الجو السياسي في أستراليا وسياسات الهجرة واللاجئين بمعزل عن سياساتها تجاه السكان الأصليين؛ أستراليا كمستمعرة  قامت على حطام السكان الأصليين، إذ ارتكب المستعمرون مجازر عدة من أجل القضاء على القبائل التي كانت تعيش على هذه القارة.

تلعب الجالية الإسلامية دورًا مركزيًا في فرض قضايا هامة مثل مكافحة العنصرية. يجب أن يتم رفض تسييس دماء هؤلاء القتلى وعدم إتاحة المجال لأي طرف سياسي في استغلال هذه الفرصة لحسابات انتخابية.

التوقعات المستقبليّة

من المتوقع أن تفرض هذه المجزرة قضية الهجرة واللاجئين على جدول أعمال الأحزاب المتنافسة في الانتخابات الأسترالية الفيدرالية القريبة، والتي تقام في أيار/ مايو القادم، بالإضافة إلى قضايا انتشار السلاح، حيث يدور حديث اليوم عن إعادة النظر في سياسات الأسلحة الحالية.

في هذه المرحلة، تلعب الجالية الإسلامية دورًا مركزيًا في فرض قضايا هامة مثل مكافحة العنصرية. يجب أن يتم رفض تسييس دماء هؤلاء القتلى وعدم إتاحة المجال أو السماح لأي طرف أو حزب سياسي في استغلال هذه الفرصة لحسابات انتخابية، خصوصًا أن أستراليا على أبواب انتخابات فدرالية قريبة. يجب أن تعمل الجاليات الإسلامية في كل من أستراليا ونيوزيلاندا على تسليط الضوء على الجريمة والقتلى، وأن تشكّل عاملًا ضاغطًا على متخذي القرار حتى يقوموا بدورهم في منع مجازر مستقبلية مشابهة، ومحاربة العنصرية وخطاب الكراهية، ومحاسبة كل من ساهم في خلق جو عنيف وعنصري من سياسيين وإعلاميين.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard