زيارة بومبيو اللبنانية... هل يمكن الفصل بين حزب الله وبين الدولة؟

السبت 23 مارس 201904:55 م

ختم وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو جولته الشرق أوسطية التي شملت ثماني دول بزيارة لبنان، وأتت زيارته بعد زيارتين تمهيديتين قام بها كل من مساعده الأول لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد ووكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية ديفيد هيل، طرحا خلالهما مواضيع ترسيم الحدود البحرية والبرية مع إسرائيل وملف العقوبات على حزب الله وإيران.

في زيارته، جدد بومبيو التأكيد على هذه العناوين مع اختلاف في لهجة تصريحاته، إذ اختار أن تكون تصعيدية، واتهم حزب الله بأنه "يسرق موارد الدولة" واعتبر أن "الشعب اللبناني لا يجب أن يعاني بسبب طموحات الحزب".

واعتبر وزير الخارجية الأمريكي "أن دعم إيران لحزب الله يشكل خطراً على الدولة اللبنانية ويقوّض فرص السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين"، لافتاً إلى أن "الضغط الذي نمارسه يهدف إلى قطع التمويل عن إيران".

وفي المقابل، طلب الرئيس اللبناني ميشال عون من بومبيو مساعدة بلاده في حل قضية اللجوء السوري، كما سمع الوزير الأمريكي منه ومن رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة سعد الحريري الكلام الرسمي التقليدي حول لبنانية حزب الله، والتزام لبنان بالقوانين الدولية.

بدوره، أشار وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، خلال المؤتمر الصحافي الذي جمعه بنظيره الأمريكي، إلى رفض تصنيف حزب الله حزباً إرهابياً، كما تطرّق إلى موضوع ترسيم الحدود مع إسرائيل، ذاكراً أن "لبنان يُبدي الإيجابية اللازمة انطلاقاً من الحفاظ على حقوقنا بالأرض والسيادة"، وداعياً الشركات الأمريكية إلى المشاركة في مناقصات النفط، علماً أن هناك خلافاً بين لبنان وإسرائيل على رسم الحدود البحرية بين البلدين.

وكان لافتاً التزام حزب الله بالصمت، وكأن المواقف اللبنانية الرسمية تنوب عنه في إبداء المواقف اللازمة والكافية، وكأنه بات مقتنعاً بأنه يمثّل النظام اللبناني ككل، وأن أيّة محاولة للمس به بجدية تعني نهاية هذا النظام.

ومن ناحية أخرى، حضر خلال الزيارة تأثير إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رغبته في الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، وحوّل هذا الإعلان وزير الخارجية الأمريكي الذي كان يطلق من بيروت مواقف عالية السقف ضد إيران وحزب الله إلى نوع من الناطق الرسمي باسم حملة تجديد ولاية ترامب من ناحية وحملة إعادة وصول رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، بعد أيام من إدلائه بتصريحات اعتبر فيها أن الرئيس ترامب هو مُرسل العناية الإلهية لإنقاذ الدولة العبرية.

تناقضات ومسارات تفاوضية

أدّت تصريحات ترامب المتزامنة مع وجود بومبيو في بيروت حول الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان وظيفة مناقضة لأهداف الزيارة، إذ خرجت مواقف خليجية وعربية وأوروبية تندد بهذا القرار، وتعتبره خروجاً على القوانين والمعاهدات الدولية بشكل يتماهى مع المواقف العامة لإيران وحزب الله.

من جانب آخر، فإن المواقف التي أطلقها رئيس المجلس النيابي، بعد لقائه مع بومبيو، حول التزام لبنان بالقوانين الدولية في ما يخص ترسيم الحدود مع إسرائيل، تحظى بإجماع كل التيارات السياسية في البلد.

يقول النائب عن كتلة التنمية والتحرير قاسم هاشم لرصيف22: "يعرف بومبيو جيداً مواقف الرئيس بري وتمسكه بحق لبنان وسيادته، وووقوفه في وجه المحاولات الإسرائيلية لسرقة الثروة النفطية بأساليب ملتوية، ولبنان متمسك بشكل تام بحدوده البحرية مع فلسطين المحتلة ولن تفلح أيّة زيارات أمريكية في تغيير هذا الموقف".

وفي ما خص مسألة الجولان، اعتبر هاشم أن الموقف الأميركي عموماً، وفي ما يخص الجولان خصوصاً، "يعبّر عن التماهي التام مع إسرائيل والاستهتار بكل قضايانا وحقوقنا الوطنية اللبنانية من جهة والقومية العربية من جهة أخرى".

يؤكد هاشم أن الضغوط الأمريكية لم تتوقف يوماً، وكانت قائمة قبل زيارة بومبيو ولكن وحدة الموقف اللبناني "هو المنطلق الذي يمكن من خلاله الحد من تأثير العقوبات والمعادلات التي تحاول أمريكا فرضها".

وتشير المعلومات الواردة عن أجواء لقاء وزير الخارجية الأمريكية مع رئيس الحكومة سعد الحريري إلى أن الزائر أكد على استمرار دعم بلاده للدولة، وتطرّق إلى مؤتمر سيدر للمانحين وحزمة الإصلاحات المرتبطة به.

يتناقض هذا الجو مع تصريحات بومبيو التي أعلن فيها أن حزب الله يسرق الدولة اللبنانية، ولكنه يشير من ناحية أخرى إلى احتمال أن يكون المسار الفعلي الذي تريد واشنطن انتهاجه هو الضغط في سبيل إجبار إيران على التفاوض من موقع ضعف.

يؤكد الخبير الاقتصادي لويس حبيقة لرصيف22 أن بومبيو لم يأتِ إلى لبنان ليعبّر عن وتيرة عقوبات مرتفعة على حزب الله، بل ليؤكد على العقوبات القائمة "لأن الإعلان عن عقوبات جديدة أو رفع وتيرة العقوبات القائمة لا يتطلب زيارة إلى لبنان".

ويعتبر حبيقة أن الوضع الاقتصادي وعلى العكس مما يشاع "ذاهب نحو التحسّن ولو كانت الأمور عكس ذلك لما كان بومبيو قد عرض لمؤتمر سيدر مع الحريري".

المسار الحقيقي للأمور لا يخرج وفق حبيقة عن السياسة الأمريكية العامة التي تؤدي فيها الضغوط وظيفة "إلزام الطرف الآخر على سلوك درب التنازل والتفاوض"، ويعتبر أن التعامل مع حزب الله في لبنان، كما يظهر من عناوين زيارة بومبيو، "لا يخرج عن هذا الإطار".

ويضيف: "يبدو أن الدول الإقليمية تلتقط هذا المناخ، فقد أعلنت السعودية عن تشجيع رعاياها على السفر إلى لبنان لأغراض السياحة، وهذا مؤشر على أن الموسم الصيفي، وعلى الرغم من كل علامات التصعيد، سيكون واعداً".

وينبّه إلى أن السيناريوهات التي رُسمت إثر الزيارة من قبيل تقويض النظام المصرفي اللبناني لا تنسجم مع مآلات السياسة الأمريكية كما يعبّر عنها بومبيو وسواه فأميركا "لا تريد تقويض النظام المصرفي اللبناني بل تريد أن تمنع حزب الله وإيران من الاستفادة منه، وهذا ما يتم فعلاً لأن المنظومة المصرفية اللبنانية تطبّق مفاعيل العقوبات الأمريكية بشكل تام".

معركة الديموغرافيا السنّية؟

ينفرد الباحث في الشؤون الاستراتيجية الدكتور نبيل خليفة بقراءة زيارة بومبيو في إطار يربطه بما يسميه معركة الغرب ضد الديموغرافيا السنّية. يعتبر أن "ما يبدو تناقضاً وخلافاً بين الغرب وأمريكا وإسرائيل وبين إيران ليس كذلك في الحقيقة، بل إن الأمور على العكس من ذلك تُظهر انسجاماً وتوحّداً في الأهداف والمشاريع التي يمكن تلخيصها بأنها تستهدف الديموغرافيا السنّية كخطر وجودي على إسرائيل، وكجدار صد يمنع قيام الهلال الشيعي الذي تحاول إيران بناءه من طهران إلى بيروت".

يشير خليفة في حديثه لرصيف22 إلى أن "المعركة الآن لا تخرج عن إطار الديموغرافيا المرتبط بمشروع تحويل إسرائيل إلى مكوّن طبيعي في المنطقة من خلال حلف متين بين كل الأنطمة الأقلوية، وهذا حلف قائم استراتيجياً حتى في غياب التواصل المباشر".

ويعتبر أن ما تعكسه زيارة بومبيو يقوم على تثبيت منطق التشتيت الديموغرافي بما يعنيه ذلك من تثبيت "خروج السوريين من سوريا والذي لا يتوقع أن يُصار إلى تأمين عودتهم"، كما يلفت إلى أن هذا المشروع ليس مشروعاً أمريكياً وحسب بل هو مشروع غربي "ينطلق من الخوف الغربي من تمدد الديموغرافيا الإسلامية السنّية، المرشحة لتكون التيار الديني الأبرز في العالم عام 2050".

على هامش مواقف بومبيو التصعيدية من بيروت، يتحدث بعض اللبنانيين عن "إلغاء الحدود الفاصلة بين الدولة اللبنانية وبين حزب الله بحيث تصبح أيّة عقوبة تطال الحزب موجهة إلى جميع اللبنانيين"
المفارقة الكبرى التي تجلت بوضوح أمام عيني بومبيو في بيروت... "اللبنانيون لم يعتبروا أنفسهم في موقع المساكنة الإلزامية مع حزب الله، أو أنهم مرغمون على التفاهم معه بل عمدوا إلى الدفاع عنه"

ويلفت إلى أن السؤال الذي يجب أن يُطرح الآن في لبنان إثر هذه الزيارة التي "لا يجب قراءتها بعين ضيقة بل دائماً من خلال منظور ماكرو-استراتيجي" هو: "هل هُجّر السوريون بسبب الحرب أم أن الحرب قامت بهدف تهجيرهم".

ويشدد على أن انعدام الرؤية الاستراتيجية اللبنانية عموماً يتجلى في توقّع المسؤولين اللبنانيين أن يكون بومبيو "حاملاً لحلول تتعلق بالملفات الضاغطة وخصوصاً مسألة الوجود السوري في لبنان، في حين أنه واحد من صناع هذه الأزمة التي تتضح معالمها الآن".

الخصوصية اللبنانية وتماهي الدولة مع حزب الله

لم يخرج رد خصوم حزب الله في الداخل اللبناني على دعوة أمريكا إلى مواجهته والوقوف في وجهه عن منطق الخصوصية اللبنانية وضرورة الحفاظ على التوازنات الداخلية.

يعيد النائب عن كتلة المستقبل محمد الحجار التأكيد على هذا التوجه معتبراً أن الموقف الأمريكي الذي كرره بومبيو ليس جديداً ولكن الجميع "يعرفون أنه لا يمكن الخروج من دائرة التوزنات القائمة".

ويميّز الحجار في حديثه لرصيف22 بين المواقف الرافضة لسلوك حزب الله وتدخلاته في المنطقة وبين العمل الحكومي، ويلفت إلى أن "ما يحدد الموقف اللبناني ليس مطالب بومبيو الذي يعبّر عن السياسة الأمريكية بل المصلحة اللبنانية التي يجب أن تتقدم على كل شيء".

من جانب آخر، يعتبر النائب السابق ومنسق الأمانة العامة لقوى الرابع عشر من آذار فارس سعيد أن منطق الخصوصية اللبنانية والتوازنات الضرورية لا يمكن أن يغطّي واقعاً أساسياً ساهمت زيارة بومبيو والتصريحات التي أدلى بها وردود فعل المسؤولين اللبنانيين عليها في ترسيخه بشكل شديد الوضوح.

يؤكد سعيد لرصيف22 أن هذا الواقع الخطير "يتجلى في إلغاء الحدود الفاصلة بين الدولة في لبنان وبين حزب الله بحيث تصبح أيّة عقوبة تطال الحزب موجهة إلى جميع اللبنانيين".

ويلفت سعيد إلى أن هذا الواقع مستجد لأنه في المراحل السابقة كان هناك رسم للحدود بين الدولة اللبنانية وبين حزب الله "حيث يسجل لرئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، عام 2006، إثر اندلاع الحرب في الجنوب، نجاجه في انتزاع القرار 1701، والأمر نفسه يمكن قوله عن مرحلة رفيق الحريري حين كانت المساكنة مع النظام السوري قائمة ضمن معادلة الاقتصاد لنا والأمن لكم".

ينبّه سعيد إلى أن الواقع الذي يؤكد أن حزب الله بات هو الدولة اللبنانية له تأثير على الشأن الاقتصادي وعلى التعاطي مع لبنان، ما يُنذر بـ"التوحيد بين منطق العقوبات والمساعدات، فكما أن العقوبات لا يمكن إلا أن تكون حزمة واحدة، فإن الأمر نفسه ينطبق على المساعدات".

ويضيف: "يعني ذلك بوضوح أن مساعدة الدولة اللبنانية تعني مساعدة حزب الله، وبالتالي فإن هذا ما يختصر وظيفة الدولة من رئيس الجمهورية مروراً بمواقف وزير الخارجية جبران باسيل التي لا يمكن تغطيتها بعنوان التمايز عنها، والقول إنها لا تمثل الرأي الحكومي الرسمي".

لم يكتفِ بومبيو خلال زيارته بالتأكيد على أن حزب الله هو "كيان إرهابي"، ولكن المفارقة الكبرى التي "تجلت بوضوح أمام عينيه والتي ستُدخل البلد في نفق عزلة عربية ودولية" تكمن، وفق سعيد، في أن اللبنانيين لم يعتبروا أنفسهم في موقع المساكنة الإلزامية مع الحزب، أو أنهم مرغمون على التفاهم معه بل عمدوا إلى الدفاع عنه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard