حكايات قهر الناشطات في "تونس ما بعد الثورة".. تشويه وحبس وعزلة اجتماعية

الثلاثاء 26 مارس 201902:51 م

جراحهنّ لم تندمل، وكوابيسهنّ لم تنتهِ، ونضالهُنَّ لا يزال في مرمى الوجع، هنّ نساء تونسيات تعرّضن للتعذيب في زمن الدكتاتورية، لم تنصفهنّ ثورة الحريّة، رغم الحكايات التي يروينها عن جرائم التعذيب والانتهاكات الجنسية التي مُورِسَت عليهنّ في سجون النِّظام التونسي القديم، إضافة إلى أنّ الواقع اليومي للناشطات يتجه إلى ما كانت عليه الأمور في ذلك العهد، وكأنّ ثورة لم تقم.

نجوى الرزقي مناضلة يسارية، وسجينة سياسية سابقة، مأساتها مع النظام السابق انطلقت حين احتجّت مع طلّاب كليّة رقادة في القيروان (الوسط التونسي) التي درست فيها، على بند قانوني كانوا يسمونه "نظام الخراطيش"، ويَقضي بطرد الطالب نهائياً من الجامعة إذا لم ينجح فيها ثلاث مرات، لكن سرعان ما تدخّلت جحافل البوليس، وانتشرت في ميدان الكليّة، التي تحوّلت إلى ثكنة للأمن وقتذاك، وعمد البوليس إلى إيقافها وبعض زملائها وزميلاتها، واصطحبهم إلى مركز الأمن، حيث اعتدوا عليهم بالعنف، كما قاموا بترهيبهم بالكلاب البوليسية.

تقول نجوى الرزقي لرصيف22، إنّ "الأمنيين" هدّدوها بالإغتصاب بواسطة ماتراك (عصا البوليس)، وأجبروها على إمضاء محضر، ولمَّا رفضت الإمضاء ضربوها بِشدّة على رأسِها، وتم إيداعها سجوناً مُختلفة بين محافظات القيروان وسوسة ومنوبة، حُرمَت في أثناءها من الحقوق التي يتمتَّعن بها سَجينات الحقّ العام.

تواصل نجوى الرزقي وكأنّ آلام الماضي لاتزال حيّة، لم تمحُها السنين، أنَّ الأمن لم يكتف بتفريقها عن زوجها المناضل اليساري عبد الجبّار المدّوري، بعد أيام قليلة من إنجابها طفلها البكر، بل عَمد إلى تشويه سمعتها بإطلاق شائعات عنها، كلّما انتقلت إلى مكان جديد لتقيم فيه بصحبة طفلها، وتقول إنّ البوليس اتهمها بتهم "تمسّ أخلاقها"، وحذَّر المحيطين بها من الاختلاط بها، وذلك فقط لأنّها معارضة سياسية.

الإعلام لم يُنصف اليساريات..سَجينات النِّظام السَّابق

رغم كلّ المعاناة والتضحيات التي قدمتها نجوى لبلدها طمعاً في الحرية، وفي انتزاع حقّها في المشاركة السياسية والمجتمعية الفاعلة، لا ترى أنّ الأوضاع تغيّرت كثيراً باستثناء بعض المسائل المتعلّقة بحرية التنظّم، والتنقّل الذي لم يكن مسموحاً في عهد بن علي.

تعتقد الناشطة اليسارية نجوى أنّ نساء الاتجاه الإسلامي أيضاً وقع اضطهادهنّ، وشاركنها السجن، ولكن الإعلام أنصفهنّ على عكس اليساريات، فمن حق ناشطات "اليسار" أن يُنصفن، خاصّة أنّ معركتهنّ استمرت حتى بعد الثورة، حيث تصدّين لعدة قضايا في النشاط الحقوقي، والسياسات العامَّة، حتى القوانين التي أرادت حكومة الترويكا بقيادة حركة النهضة الإسلامية تمريرها، والتي كانت ستضع المرأة في منزلة المكمّل للرجل لا غير.

تعتقد نجوى أنّ نساء "الاتجاه الإسلامي" أيضاً وقع اضطهادهنّ، وشاركنها السجن، ولكن على عكس اليساريات، أنصفهنّ الإعلام والمجتمع، ومن حقّ ناشطات اليسار أن يُنصفن، خاصّة أنّ معركتهنّ استمرت حتى بعد الثورة

بسمة شاكر ناشطة إسلاميّة، وسجينةٌ سياسية، تعرّضت هي الأخرى لكلّ أنواع الاضطهاد الجسدي والنفسي تحت النظام السابق، في بيتها، وفي السجن، تقول لـرصيف 22، إنّها انقطعت عن الدراسة في المرحلة الثانوية، وطُردت من المعهد وهي في سنّ السادسة عشرة لانتسابها إلى التيار الإسلامي، ثمّ خضعت للتحقيق بقسم الشرطة، وبقيت هناك حتى بلوغها سنّ الرشد.

آثار ما تعرّضت له بسمة في السجون لم تُمح من عينيها، والثورة لم تكن العصا السحرية التي تعيد لها بسمتها التائهة، فهي ما زالت إلى اليوم تعاني الضغط نفسه، لأنّ إخوتها الذكور قاطعوها بعد أن تكلّمت بعد الثورة عمّا حدث معها، وصاروا يخجلون من أخوّتها، حتّى أنّهم يقولون لها إنّها تسبب لهم الإحراج.

تقول بسمة شاكر إنّ الدولة هي الأخرى لم تنصفها، وهيئة الحقيقة والكرامة المعنيّة بجبر الضرر المعنوي والمادي لضحايا الانتهاكات خذلتها في أحد فصول مشروع قانون جبر الضرر، وتركتها تتخبط في ذكرياتها المريرة دون رد اعتبارها.

مدونة تونسية: حرية التعبير في بلادنا "وهم"

غالباً ما تشير التقارير الحقوقية والمؤشرات الدولية، وتؤكّد التونسيات أنفسهنّ أنّ تونس حقّقت مكسباً بعد الثورة، هو "حريّة التعبير"، وأنّ الكل يستطيع اليوم التعبير عن رأيه، وينتقد بكلّ حريّة، لكن سرعان ما تتالت الإيقافات في صفوف مدوّنات ليبيراليات حاولن انتقاد الحكومة أو المسؤولين عليها، أو بعض القضايا التي تهمّ الشأن العام وكل ما يتعلق بقضايا المرأة التونسية والعربية ولنقد ما يسمينه العقلية الذكورية السائدة في المجتمع.

وأصدرت محكمة تونسية خلال فبراير الماضي حكماً بسجن المدونة فضيلة بلحاج لمدة سنتين، بسبب تدوينات نشرتها على صفحتها في فيسبوك، انتقدت فيها رئيس الحكومة التونسية، يوسف الشاهد، والمسؤولين والسياسيين، كما تم مؤخّرا إيقاف المُدَوِّنة أمينة منصور على خلفية نقلها لمعلومة تفيد بوجود شبهة فساد في سلك الديوانة، عبر حسابها على موقع التواصل الإجتماعي "فيسبوك".

أوقفها الأمن خلال مشاركتها في مسيرة، و"كفّروها"، وقالوا لها إنّها "عدوّة الله وملحدة"، وعليها أن تغادر تونس بسبب أفكارها التي تختلف عنهم.

كما أوقفت قُوَّات الأمن سابقاً المدوّنة عفراء بن عزة، في ظروف غامضة ومن أجل تهم غير واضحة، وهي تلميذة عُرفت بتدويناتها الناقدة لسلوك الأمنيين، ليتم إطلاق سراحها لاحقاً، ولا تزال قائمة المدونات اللاتي تعرّضن للإيقاف وللمحاكمات بسبب آرائهنّ على مواقع التواصل الاجتماعي طويلة.

وتصف في هذا الشأن المدونة عفراء بن عزة مفهوم الحرية في تونس بـ"الوهم"، الذي صدّقه بعض أبناء الشعب، لأنّ السلطة ما زالت تضيّق على المدونّات، وعلى النشطاء، وما زالت ترغب في العودة بتونس إلى مربّع الاستبداد.

عفراء تشير في حديثها لرصيف 22، إلى تجربتها التي صدمتها في عهد ما بعد الثورة، بد أن أوقفها الأمن خلال مشاركتها في مسيرة، و"كفّروها"، وقالوا لها إنّها "عدوّة الله وملحدة"، وعليها أن تغادر تونس بسبب أفكارها التي تختلف عنهم، وتابعت: "تعرّضت إلى الانتهاك بجميع أنواعه من تحرّش، وعنف مادي، وتجاوزات قانونية بشأن إيقافي، لكني لن أتوقف عن الكتابة".

تُهم التكفير تُلاحق اليساريات والليبراليات

في وقت أشاد فيه حقوقيون تونسيون ودوليون بمقترحات لجنة الحقوق والحريات المكونة في 2017 بتونس، مثل إلغاء الإعدام، ومنع استخدام حرية التعبير للدعوة إلى الكراهية، وتكريم المرأة عبر إلغاء التمييز في الجنسية وفي الميراث، ورأوا أنه "ثورة قانونية" تُعزز التجربة الديمقراطية بالبلاد، يرفض رجال الدين والمحافظون هذه المقترحات بِشِدّة، ويعتبرونها استهدافاً لكل ما جاء به فقهاء الشريعة الإسلامية.

وأطلق نشطاء من التيار الإسلامي حملات تشويه، وصلت حدّ تكفير أعضاء اللجنة التي ترأسها السياسية اليبيرالية بشرى بالحاج حميدة، ووصفت التقرير بـ"الفتنة"، واعتبرت ما جاء فيها مُعادياً للإسلام، لأنّه يتعارض مع أحكام الشريعة.

وهاجمت العديد من الصفحات والحسابات على "فيسبوك" بالحاج حميدة، وصلت حد التكفير، والتحريض على العنف ضدها، فضلاً عن منشورات تتعرَّض لحياتها الخاصة، وهو ما اعتبره حقوقيون آنذاك محاولة لإفشال الإصلاحات الاجتماعية والقانونية.

"رغم ما تحقق من هامش حريّة فإن المرأة التونسية لم تأخذ حظّها في المشاركة بالحياة السياسية" بسمة البلعي

وكانت حركة النّهضة الشريكة الأولى في حكم تونس، من أكثر الأحزاب الرافضة لهذه المقترحات التي تُعزِّز مكانة المرأة التونسية، وساندتها في ذلك بعض الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية.

في مقابل ذلك، ترى بسمة البلعي، أول سجينة سياسية في تونس تعرّضت للتعذيب والتحرّش الجنسي، أن المجتمع لم يكرّم المرأة في تونس، ولم يعطها حقّها. وتوجز وضع المرأة في الحياة السياسية لـ"رصيف22": رغم ما تحقق من هامش حريّة فإن المرأة التونسية لم تأخذ حظّها في المشاركة بالحياة السياسية التي لم تكن في مستوى نضالاتها ضدّ الدكتاتوية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard