كرة القدم في لبنان عنوان صارخ للمآسي والمعاناة

الخميس 28 مارس 201901:37 م

كرة القدم اللعبة الشعبية الأولى في العالم، رياضة الفقراء وهي التي تعكس الوجه الحضاري الجميل للشعوب، لكن في البلد المُحيّر للعقول "لبنان" الوضع مختلف، الوضع غريب، عجيب، مأسوي، عنيف.

لطالما كان اللاعب اللبناني يتمتع بالخامة الجيدة والموهبة الفذّة ولفت أنظار العالم اليه ولعب وتألق في الملاعب الأوروبية والعربية مثل رضا عنتر، يوسف محمد، حسن معتوق والكثير غيرهم، لكن ما لا يعلمه الكثيرون أن بيئة كرة القدم في الداخل اللبناني وبنيته التحتية لا تصلحان مطلقاً لممارسة اللعبة ولا تساهمان في تطورها، كما أن المسؤولين المباشرين عن اللعبة لا يديرونها بالشكل الصحيح في ظل غياب تام لأي أهتمام من الدولة وسياسييها.

معظم ملاعب كرة القدم في لبنان "بلدية" أي تابعة لبلديات المدن، التي بدورها لا ترى في هذه الملاعب سوى أماكن لإقامة المهرجانات والمناسبات التي تدر لها المال وهي تضع شروطاً مسبقة قبيل اي مباراة مبرمجة على اراضيها، والغريب انها لا تتحمل مسؤولياتها تجاه الملاعب من حيث صيانة الأرض لتكون صالحة لمزاولة اللعبة ولا تجاه صيانة غرف تبديل الملابس، ففي حادثة اثارت الكثير من الجدل قُبيل مباراة جمعت ناديي الأنصار والشباب الغازية إنتشر فيديو يُظهر اللاعبين يقومون بتغيير ملابسهم على أضواء الهواتف المحمولة فهل يُعقل ذلك ونحن في العام 2019؟

والملاعب المتبقية هي ملاعب بمساحات غير قانونية بمدرجات ومرافق غير ملائمة وأرضيات مفروشة بالعشب الصناعي المرفوض من الفيفا، وملاعب أخرى كانت ممتازة لكنها باتت ثكنات عسكرية وأرضيتها ساحات تدريب للعسكر.

لطالما كان اللاعب اللبناني يتمتع بالخامة الجيدة والموهبة الفذّة ولفت أنظار العالم اليه ولعب وتألق في الملاعب الأوروبية والعربية مثل رضا عنتر، يوسف محمد، حسن معتوق والكثير غيرهم، لكن ما لا يعلمه الكثيرون أن بيئة كرة القدم في الداخل اللبناني وبنيته التحتية لا تصلحان مطلقاً لممارسة اللعبة
شئنا أم أبينا، بات لبنان بلداً طائفياً ومذهبياً بإمتياز، فقد أصبحت المدرجات مسرحاً للهتافات المعادية فلا تخلو أي مباراة من رفع الأعلام الحزبية حيث تتحدى الجماهير بعضها البعض على الرغم من إصرار الأندية الكبيرة على أنها أندية على إمتداد الوطن بكل أطيافه

بعد الحرب الأهلية في لبنان أراد الرئيس الشهيد رفيق الحريري أن يستضيف هذا البلد دورة الألعاب العربية عام 1998 فأقيمت ورشة عمل ضخمة في البلاد حيث أعيد إعمار مدينة كميل شمعون الرياضية التي دمرتها إسرائيل كما تم تحديث ملعبي بيروت وصيدا البلديين وبناء ملعب طرابلس الأولمبي، ليستضيف لبنان البطولة ويحتل منتخبه المركز الثالث فيها.

وفي العام 2000 استضاف لبنان بطولة كأس آسيا للأمم على نفس الملاعب الحديثة حيث خرج لبنان وقتها من الدور الأول، ومنذ ذلك الحين لم تتم متابعة وصيانة تلك الملاعب بالشكل المطلوب وبالحد الأدنى لمتطلبات اللعبة.

إتحاد اللعبة وحل المشاكل على الطريقة اللبنانية

المشاكل والأزمات عقب بعض المباريات أمر طبيعي ولا مفر منه في كل دول العالم المتحضرة والنامية وأي خلاف يحصل تتم معالجته وفق القانون الواضح والموضوع بين أيادي المهتمين باللعبة، لكن في لبنان الأمر مختلف تماماً، فنرى حالات من العنف الشديد تُرتكب من قبل اللاعبين والجماهير، ومراهنات، وتلاعب وبيع مباريات ومُخالفات تستوجب العقاب أقله كي لا تتكرر، والقانون على سبيل المثال في بعض الحالات يفرض "تخسير" المُخالف أو شطب عدد من نقاطه، فلا يعمد الإتحاد اللبناني لكرة القدم الى تطبيق القانون إنما يلجأ الى حلحلة الأمور على الطريقة اللبنانية كفرض غرامات مالية وإقامة مباريات بلا جمهور، هذه قرارات لن تردع ولن تجدي نفعاً ولن تؤثر على مسيرة أي نادي.

لعل السبب في عدم تطبيق القانون وإتخاذ الإجراءات الصارمة عائد الى أن جميع الأندية في لبنان تابعة لمرجعيات وأحزاب سياسية نافذة وتستمد قوتها منهم وتعتبرهم "الواسطة". بالإضافة الى أن الإتحاد اللبناني نفسه مُسيّس ويتبع لتلك المرجعيات.

هذه هي الملاعب وهذه هي مشاكلها

ملعب مدينة كميل شمعون الرياضي: او ما يعرف بالمدينة الرياضية، أكبر ملاعب لبنان والمنطقة من حيث سعة الجمهور، منذ العام 2000 لا تتم صيانته جيداً، تتم زراعة أرضه بالحشيش الطبيعي لكن دون عناية وعندما تصبح الارضية غير صالحة يتحجج مسؤولو الملعب بأن عملية الري تتم بالمياه المالحة تارة وأن الحشرات الضارة تلتهم العشب تارة أخرى وأن التربة لم تعد ملائمة وأن لا ميزانية للصيانة، ناهيك بالغرف الداخلية وغرف اللاعبين التي تثير الإشمئزاز. عقب المباريات تحدث أعمال شغب من قبل الجماهير التي تعمد الى تحطيم مقاعد المدرجات فتقوم إدارة هذا الملعب بتحميل الأندية تكلفة اعادة الصيانة والأندية بدورها لا تتأخر بالدفع لكن لا يتم الإصلاح ولا من يحزنون علماً أن الامر يتكرر بإستمرار. وبنظرة سريعة الى الموقف المخصص للسيارات تراه اليوم أصبح مسرحاً للعبة سباق "الكارتيغ" يديرها اشخاص لا علاقة لهم بالملعب لا من قريب ولا من بعيد.


ملعب بيروت البلدي: يعتبره ابناء بيروت رمزاً تاريخياً يعتزون به ويتمسكون به، جرت عليه الكثير من المباريات المحلية والدولية المثيرة الى أن قرر رئيس البلدية أن ينظر اليه نظرة تجارية بحتة فيوقف المباريات على ارضه تمهيداً لهدمه وإنشاء موقف سيارات يدر اموالاً طائلة مما اثار غضب سكان المنطقة وتدخل محافظ المدينة مشكوراً وواقف العملية واعاد الحياة الى الملعب لكن لا تزال أرضيته بحاجة الى رعاية افضل.

ملعب الشهيد رفيق الحريري في صيدا: او ملعب صيدا البلدي، بقي لمدة طويلة مميزاً عن غيره لكن منذ ما يقارب الثلاث سنوات بدأت البلدية تنظر اليه نظرة تجارية حيث أصبح مسرحاً للمهرجانات وتركت أرضيته مهملة ومرافقه لا تصلح لمبيت الحيوانات مما حدا بالإتحاد الآسيوي للعبة إلى توجيه رسائل شديدة اللهجة الى المعنيين لكن دون جدوى. اليوم وبعد الإهمال المتكرر أصبح جزءاً كبيراً من مدرجاته غير آمن، فالسقف الذي يغطي المنصة الرئيسية معرض للسقوط في أي لحظة.

ملعب طرابلس الأولمبي: صُنف هذا الملعب بالأجمل على ساحل البحر الأبيض المتوسط بعد انشائه في العام 1998 لكنه منذ العام 2000 مهمل مما ادى الى انهيار منصته الرئيسية وسط صمت وعدم مبالاة، وحالياً الملعب عبارة عن ثكنة عسكرية للجيش اللبناني وأصبحت أرضه مسرحاً للتدريبات وسير الآليات.

ملعب بلدية برج حمود: بعد أن كان يشهد هذا الملعب زحفاً جماهيرياً قل نظيره قررت البلدية هدم الجزء الاكبر من مدرجاته وبنت مكانها مرآباً للسيارات كما رفضت إقامات مباريات الدرجة الأولى عليه دون حسيب أو رقيب.

ملعب طرابلس البلد: هو الملعب الوحيد في لبنان الذي يتمتع بأرضية صالحة صغيرة بعض الشيء لكنها قانونية ومرافق جيدة وذلك بمبادرات فردية فقط، إنما هذا الملعب قديم جداً لا إنارة فيه.

بقيت الملاعب التالية: الصفاء، المرداشية، بحمدون البلدي، كفر جوز، العهد، جونيه البلدي، صور البلدي.. هي ملاعب غير قانونية بمساحات صغيرة ومرافق غير صالحة وأرضية مزروعة بالعشب الصناعي غير المُدرج ضمن برنامج الفيفا. في غالبية هذه الملاعب اذا كان الاعب متجهاً نحو منطقة الخصم بسرعة فقد يصطدم بالحائط الاسمنتي خلف المرمى ويعرض نفسه للإصابة.

أمن الملاعب وعقلية الجمهور

شئنا أم أبينا، بات لبنان بلداً طائفياً ومذهبياً بإمتياز، فقد أصبحت المدرجات مسرحاً للهتافات المعادية فلا تخلو أي مباراة من رفع الأعلام الحزبية حيث تتحدى الجماهير بعضها البعض على الرغم من إصرار الأندية الكبيرة على أنها أندية على إمتداد الوطن بكل أطيافه، وهذا الكلام صحيح، لكن المرجعيات السياسية فرضت لباسها وصبغتها على الأندية.

على الرغم من وجود الكثير من الجماهير التي تأتي الى الملاعب لتشاهد وتشجع فريقها بطريقة حضارية، هناك فئة ضخمة من "الشباب" تأتي بقصد إفتعال الشغب وفئة أخرى "قليلة التهذيب" تأتي لتهتك أعراض الحُكام ولاعبي الخصم، لا تقبل أبداً الخسارة معتبرة أن مؤامرة كونية تحاك ضدها وسط حضور أمني خجول لا يقوم بواجبه على أكمل وجه إنما يعمد الى طلب إقامة المباريات "بلا جمهور" بخلاف ما يحدث بكرة السلة حيث يتم ضبط الأمور من صغيرها الى كبيرها. ففي إحدى المباريات الحاسمة في الدرجة الثانية لم تتقبل جماهير إحدى الفرق إحتساب الحكم ركلة جزاء على فريقها فاجتاحت الملعب وإعتدت بالضرب المبرح على الحكام ولاعبي وإداريي الخصم، والغريب أن الملعب كان خالياً من القوى الأمنية التي حضرت لاحقاً بعد عدّة اتصالات.

أخيراً نستنتج أن كرة القدم في لبنان عبارة عن:

- لاعبين يزاولون اللعبة تحت ظروف صعبة ويُطلب منهم الكثير

- ملاعب غير قانونية ولا تصلح لإقامة المباريات وخاضعة لبلديات غير معنية باللعبة تنظر الى الملاعب كعقارات ووسيلة للتجارة والربح

- مسؤولين غير كفوئين

- دولة لا تكترث بتاتاً للعبة

- جماهير لا تتقبل الخسارة وتلجأ الى العنف

- تقصير الجهات الأمنية

- منتخبات لا تجد ملعباً للتدريب

كل هذا يعكس اخفاقات المنتخبات والأندية في المشاركات الخارجية، ولا نستغرب أن لبنان لم يتمكن من إحراز أي لقب أو بطولة خارجية من تاريخ تأسيسه لغاية اليوم وقد يختلف الأمر لو تأمن الحد الأدنى من متطلبات اللعبة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard