الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان... ضربة أمريكية لكل معارض سوري معتدل

MAIN_Golan-Heights

الجمعة 22 مارس 201907:08 م

في وقت يحاول المعارضون السوريون المعتدلون تمرير تصوّراتهم، عبر قلّة من المساحات الضيّقة المتبقيّة للحوار حول مستقبل سوريا، والدفع نحو صيغة حلّ تمنع هيمنة إيران على بلدهم، تأتي تغريدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الجولان لتسحب آخر خيوط البساط المتبقية تحت أرجلهم.

فقد كتب ترامب في 21 مارس، على حسابه على تويتر: "بعد 52 عاماً، حان الوقت للولايات المتحدة للاعتراف بشكل كامل بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان التي تحظى بأهمية استراتيجية وأمنية بالغة لدولة إسرائيل وللاستقرار الإقليمي".

وسارع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، المستفيد الأول من تغريدة ترامب، كونها توفّر له ورقة قوة قبيل انتخابات الكنيست التي ستجري في التاسع من أبريل القادم، إلى شكره وقال: "في الوقت الذي تسعى فيه إيران لاستخدام سوريا كقاعدة لتدمير إسرائيل، يعترف الرئيس ترامب بجرأة بالسيادة الإسرائيلية على الجولان".

ذريعة ضمان أمن إسرائيل كانت حاضرة في النقاشات الأمريكية-الإسرائيلية ذات الصلة بإعلان ترامب، والفكرة المتداولة كانت أن الحرب السورية أثبتت ضرورة احتفاظ إسرائيل بالهضبة المحتلة، فلولا ذلك لوصل المتطرفون إلى العمق الإسرائيلي.

ويجري الدفع باتجاه اعتراف ترامب بسيادة إسرائيل على الجولان منذ أكثر من سنة، ويقوم به مسؤولون إسرائيليون، بينهم نتنياهو الذي طرح الأمر في أول اجتماع له مع ترامب في البيت الأبيض في فبراير 2017، وأعضاء في الكونغرس الأمريكي، وجرت مناقشة الفكرة على أعلى المستويات في وزارة الخارجية الأمريكية ومجلس الأمن القومي.

وكان السناتور الجمهوري تيد كروز قد أعدّ في صيف 2018 خطة لتعزيز سيطرة إسرائيل على الجولان المحتل، استند فيها إلى منطق ضرورة مواجهة النفوذ الإيراني المتزايد في سوريا، ونشاط الجماعات الموالية لإيران بالقرب من الجولان.

وحضرت "الضرورات الجيوستراتيجية" في تصريح السناتور الأمريكي ليندسي غراهام، بعد جولة له في هضبة الجولان المحتلة برفقة نتنياهو، في 11 مارس، إذ اعتبر أنها ضرورية من الناحية الاستراتيجية لإسرائيل، في ظل سيطرة حزب الله وإيران على المنطقة.

وبعد تغريدة ترامب، قال السناتور ماركو روبيو: "إذا استولى (الرئيس السوري بشار) الأسد على الجولان، ستنشط إيران وحزب الله ضد إسرائيل من هناك، مضيفاً: "تحتاج إسرائيل أن يكون هذا العازل مستداماً".

وكان كروز وغراهام وزميلهما توم كوتون والنائب الجمهوري مايك غالاغر قد طرحوا في فبراير الماضي مشروع قانون ينص على اعتراف الولايات المتحدة بأن الجولان المحتل جزء من إسرائيل.

إضعاف إيران في سوريا؟

ولكن، هل يؤدي الاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيل على الجولان إلى ضمان أمنها وإضعاف النفوذ الإيراني في سوريا؟

في الواقع، تنشط بالقرب من الجولان المحتلّ منذ وقت طويل مجموعات إيرانية، وجرت عدة مواجهات بالقذائف بينهم وبين الجيش الإسرائيلي.

ومنذ وقت طويل، تتقاطع معلومات حول عمل الحرس الثوري الإيراني وحزب الله على بناء بنية تحتية عسكرية بالقرب من الجولان المحتل، وسبق أن اغتالت إسرائيل جهاد مغنية (ابن قائد حزب الله العسكري عماد مغنية وابن أخت القائد الذي خلفه مصطفى بدر الدين وأخ القيادي العسكري مصطفى مغنية) والقيادي في حزب الله محمد أحمد عيسى (أبو عيسى) والقيادي في الحرس الثوري الإيراني محمد علي الله دادي، في غارة شنتها طائراتها على منطقة القنيطرة المحاذية للجولان المحتل، في يناير 2015. وفي ديسمبر من العام نفسه، اغتالت سمير القنطار الذي قيل إنه كان ينشط في تأسيس خلايا موالية لحزب الله على مقربة من الجولان المحتل.

وفي 13 مارس الحالي، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه كشف عن خلية لحزب الله تعمل من الجولان السوري وتضم سوريين ويقودها القيادي العسكري علي موسى دقدوق الذي تتهمه الولايات المتحدة بالمسؤولية عن مقتل خمسة جنود أمريكيين في مدينة كربلاء العراقية عام 2007، وتصفه وزارة خارجيتها بأنه "قائد وحدة القوات الخاصة التابعة لحزب الله".

واستغلّ نتنياهو هذا "الكشف"، وهو في الحقيقة ليس كشفاً لأنه أمر معروف، ليقول خلال مؤتمره الصحافي مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في 20 مارس: "يمكنكم جميعكم تخيّل ما كان سيحدث لو لم تتواجد إسرائيل في الجولان، لكانت إيران متواجدة عند شاطئ بحيرة طبريا"، مضيفاً: "آن الأوان لاعتراف المجامع الدولي ببقاء إسرائيل في الجولان".

وبالعودة إلى السؤال المطروح، يمكن المحاججة بأن العكس هو الصحيح، وبأن الخطوة الأمريكية لن تؤدي فقط إلى دفع إيران وأذرعتها إلى تكثيف أنشطتهم على حدود الجولان المحتل، وإلى توفير بيئة شعبية حاضنة لهم، بل ستُضعف بشكل كبير موقف المعارضين السوريين الساعين إلى تقليص النفوذ الإيراني في بلدهم.

بُعيد تغريدة ترامب، نقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) عن مصدر في وزارة الخارجية السورية قوله إن "الشعب السوري أكثر عزيمة وتصميماً وإصراراً على تحرير هذه البقعة الغالية من التراب الوطني السوري بكل الوسائل المتاحة".

وسيكون التحالف مع إيران وحزب الله والسماح لهما بالنشاط عسكرياً داخل الأراضي السورية جزءاً أساسياً من هذه "الوسائل المتاحة".

رغم كل ما شهدته خلال الحرب السورية، منذ 2011 حتى الآن، إلا أنه يمكن القول إن جبهة الجولان كانت هادئة نسبياً، وعلى الصعيد الدولي كانت نوعاً ما جبهة منسية. صحيح أن المجتمع الدولي يعتبرها محتلة ولكنه يضع ملفها في الدرج ولا يتحدث عن احتلالها إلا في المناسبات ولرفع العتب.

الآن، أعادت تغريدة ترامب إحياء قضية الجولان إعلامياً ومن المرجّح أن تعيد إحياء الجبهة عسكرياً عبر عمليات تُنفّذ هناك، وأن تحييها سياسياً من خلال حضورها "الثقيل" في نقاشات السوريين حول مستقبل بلدهم الذي دمّرته الحرب.

تضع المستجدّات المعارضين السوريين في موقف صعب، وتمنح النظام السوري أوراق قوة خطابية لطالما برع في استخدامها. الآن، بإمكانه اللعب برشاقة بأوراق الوطنية والأرض المسلوبة والحقوق السورية والعربية، وبإمكانه اتهام أي معارض للنشاط العسكري (المُفعّل أو النائم) ضد إسرائيل بالخيانة وبالتفريط بالحقوق، ما سيعفي النظام من مأزق تبرير الوجود العسكري الإيراني بعد انتهاء الحرب السورية.

الاعتراف الأمريكي بسيادة إسرائيل على الجولان سيؤدي إلى دفع إيران وأذرعتها إلى تكثيف أنشطتهم على حدود المنطقة المحتلة، وسيُضعف بشكل كبير موقف المعارضين السوريين الساعين إلى تقليص النفوذ الإيراني في بلدهم
بإعلانه ضرورة اعتراف بلاده بسيادة إسرائيل على الجولان، يفتح ترامب الطريق أمام شرعنة الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وتغيير حدود الدول بالقوة، ما سيكون له انعكاسات كبيرة في الشرق الأوسط

من جانب آخر، يطرح التحوّل الأمريكي تساؤلات حول مفاعيل الموقف الروسي الرافض له على الأرض السورية. فعملياً، تلعب موسكو دوراً أساسياً في تحجيم الحضور الإيراني بالقرب من الجولان المحتل، بموجب اتفاقات عقدتها مع إسرائيل، ولكن المستجدات قد تدفعها إلى غض النظر عنه، لأنها متضررة من القرارات الأمريكية الأحادية بخصوص عملية السلام، كونها تقصيها تماماً.

قانون القوة

بعد احتلال إسرائيل للجولان، أثناء حرب 1967، أصدر مجلس الأمن القرار 242 الذي يدين الاستيلاء على الأراضي بالقوة ويدعو الدولة العبرية إلى الانسحاب "من أراضٍ عربية". وبعد إصدار الكنيست الإسرائيلي قانون ضم الجولان إلى إسرائيل عام 1981، أصدر المجلس القرار 497 الذي نص على بطلان الإجراءات الإسرائيلية.

منذ عام 1967، والولايات المتحدة تصف في وثائقها الرسمية الجولان بأنه "منطقة محتلة". إلا أن مؤشرات عدة صدرت في الأشهر الأخيرة أوحت بأن شيئاً ما يتغيّر. ففي نوفمبر الماضي، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار تصدره الجمعية العامة للأمم المتحدة سنوياً ويعتبر قرار ضم إسرائيل للجولان "باطلاً ولاغياً"، وكانت في العادة تمتنع عن التصويت. وفي تقريرها الصادر في مارس بشأن حالة حقوق الإنسان حول العالم، لم تصف وزارة الخارجية الأمريكية الجولان بأنه "منطقة محتلة" واكتفت بوصفه بأنه منطقة "تسيطر عليها إسرائيل".

يسير ترامب نحو تجاوز قاعدة ثابتة في السياسة الخارجية الأمريكية، ويفتح بذلك الطريق أمام شرعنة الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وتغيير حدود الدول بالقوة، ما سيكون له انعكاسات كبيرة في الشرق الأوسط، بدءاً من تعنّت إسرائيل في رفض الانسحاب من المناطق التي تحتلها في الضفة الغربية ودفع اليمين الإسرائيلي إلى المطالبة بضمّها، وصولاً ربما إلى رفض تركيا الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها في شمال سوريا.

ومن ناحية أخرى، يُضعف هذا التوجّه منطق حلفاء واشنطن في دول عربية عدّة، منهم على سبيل مثال حلفاؤها اللبنانيون الذين يطالبون بنزع سلاح حزب الله والركون إلى المجتمع الدولي لحلّ القضايا الخلافية العالقة بين لبنان وإسرائيل.

وعلى مستوى أوسع أشار محللون، منهم مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز وودرو ويلسون والمستشار السابق لعدة إدارات أمريكية جمهورية وديمقراطية حول شؤون الشرق الأوسط آرون ديفيد ميلر والمبعوث الأمريكي الخاص السابق إلى الشرق الأوسط مارتن إنديك، إلى خطورة أثر الدعم الأميركي للخطوات الأحادية على المستوى الدولي، إذ يبرّر لروسيا اقتطاعها شبه الجزيرة القرم من أوكرانيا وضمّها إلى أراضيها.

كثيرة هي الآثار السلبية لتغيّر الموقف الأمريكي من الجولان المحتلّ والذي قد يصير رسمياً قريباً جداً. ولكن بعد ملاحظة ضعف ردود الفعل تجاه إعلان ترامب القدس عاصمةً لإسرائيل، في مايو الماضي، يصعب توقّع مشاهدة خطوات عربية فاعلة تمنع تحوّل التغريدة إلى وثيقة رسمية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard