الضجيج: جوهر العالم الخفيّ

الجمعة 22 مارس 201904:07 م

أنجزَ الأمريكي بول كوس عام 1970 عمل تجهيز باسم "صوت الجليد يذوب"، وحاول - كما يتضح من الاسم - باستخدام ثمانية ميكروفونات ضمن صالة في المتحف، أن يُسجّل صوت ذوبان الجليد، ما يهمّنا من هذا العمل، هو "التكوين الطبيعي"، الذي يمتلك -بعكس المفهوم الشائع- "صوتاً"، وُينتج ضجيجاً حتى لو لم ندركه، هذا الضجيج/الصوت مشابه للصراخ والقهقهة ومسنّنات الآلة، التي تندرج ضمن أوركسترا الضجيج المستقبليّة، التي كتب عنها لويجي روسولو عام 1913 في "مانفستو فن الضجيج".


الضجيج الذي نبحث عنه يحضر في كل المساحات، سواء كانت طبيعيّة أو خاضعة للبشر، هناك اهتزاز مايكرويّ في تكوين ذرات العالم التي تئزّ دون توقّف، صحيح أن صورتها أو إدراكنا لها بحواسنا يجعلها "ساكنة"، لكنها ونحن ضمنها، تتحرّك، تهتزّ وتحتكّ الذرّات بالذرّات كي "نكون"، تاركين وراءنا ضجيجاً، وأثراً صوتياً يمكن قياسه، كما فعل الفنان توماس سارسينو حين دعا الناس للاستماع إلى الأصوات التي تصدرها خيطان العناكب في عمل تجهيز بعنوان "جلسة ارتجال مع أوركسترا العناكب".

هناك اهتزاز مايكرويّ في تكوين ذرات العالم التي تئزّ دون توقّف، صورتها أو إدراكنا لها بحواسنا يجعلها "ساكنة"، ولكنها ونحن ضمنها، تتحرّك وتهتزّ وتحتكّ الذرّات بالذرّات كي "نكون"، تاركين وراءنا ضجيجاً، وأثراً صوتياً يمكن قياسه

ننظر إلى الضجيج كنتاج للحركة الآليّة أو الطبيعيّة، هو العلامة المهدّدة بالاختفاء التي تتركها مكونات العالم حين تمتدّ في المكان والزمان، والناشئ عن طيّ المكوّنات المرئيّة وغير المرئيّة بصورة ما، والوسم الذي تتركه قوّة تعي أو لا تعي ما تفعل، مُغيّرة ترتيب العناصر والموضوعات، فلا "حياة" دون حركة، أما الضجيج فواحد من أعراضها، والأهمّ، أنه كلّما ازدادت السرعة، ازداد الضجيج حدّ الصمم أو تلاشى كلياً، إذ نفقد القدرة على إدراكه، سواء استُبدل بالطنين أو الضغط الهائل، ولا نتحدّث عن الضجيج كشكل من أشكال الموسيقا، بل نتعامل معه كنقيض السكون المقابل للموت، المساحة الساكنة كليّاً، التي لا يمكن إدراكها، كما في منتصف ثقب دوديّ حيث لا اهتزاز ولا صوت.

تعاظم الضجيج مع ظهور الآلة ووصل حدّ الهيمنة الكليّة، إذ أعادت الماكينات تشكيل العالم واستعمر صخبُها هسهسته القديمة، وأصبح الضجيج ذا أسلوب وإيقاع مضبوط يمكن التحكّم به، وتزايد مع الشغف البشريّ بالسرعة والانتقال، والرغبة اللامنطقيّة بجعل المدن كأنها قلاع تطفو، يمكن نقلها بأكملها بلمح البصر، فالسكك الحديديّة والأوتوسترادات وأنظمة الاتصال اللاسلكيّة كلها تهدف للوصول لأقصى سرعة، تلك التي يرافقها الضجيج المجّاني، وكأنه ظاهرة بشريّة استعماريّة، نتحدّى فيها ككائنات، الزمنَ لنتجلّى ضمنه مادياً ورمزياً، فالضجيج علامة على العمل والجهد المبذول، احتراق النفط وأنفاس العامل وصوت عادم السيارة، كلها علامات تشير إلى إيقاع الإنتاج والهوس بتوفير الوقت، ما دفعنا دوماً لإنتاج "الأسرع" القادر على اختراق الزمان والمكان، أسرع سيّارة، أسرع قطار، أسرع اتصال بالإنترنيت، طبقات من الضجيج الموزون المسموع وغير المسموع التي تتراكم في الهواء، تمجيّداً للانتقال حدّ الاختفاء من مكان لآخر.

يمكن النظر للضجيج أيضاً كسوء تشفير، مشابه لذلك الذي نراه في تشويش شاشة التلفاز القديم، فانتقال البيانات مضبوط بـ"إيقاع" كي تكون ذات معنى، كما في مصنع، يعمل كل واحد فيه خلال زمن محدّد وبحركة محدّدة كي نصل للمُنَتجٍ النهائيّ، أي لابد من أن تكون تقنيات التشفير مرسومة مسبقاً ومتزامنة كي "نشاهد" صورة العالم، وكأنه ضجيج مضبوط بصورة مؤقتة كي يكون ذا جدوى، خصوصاً أن الحركات المجانيّة والارتجاليّة خطرة حسب تعبير الموسيقيّ الإسبانيّ ماتين، الذي يجرّب في فنون الضجيج ويناقش "الارتجال" بقوله:

"أن تفتح ذاتك، وتنكشف أمام أوضاع غير مرغوبة، يمكن لها أن تهدم أساس أمنك واستقرارك،...كعازف... الارتجال هو أن لا ترى ما الذي سيحدث، ما يضيء على لحظة محدّدة، ما إن تجتازها حتى لا تستطيع التراجع، ولا تستطيع الندم على ما فعلت. عليك أن تبدأ بمسائلة استقرارك وأمنك، بوصفه حاجزاً أمامك".

صحيح أن ماتين يتحدّث عن الموسيقا، لكن لنفترض أنك عامل في مصنع، أو تقود سيّارة، أو تكتب مقالاً، إلى أي حدّ الارتجال في السرعة والضجيج الناتج عن فعلك هذا يهدّد أمنك، إلى أي حد يمكن لإنتاج الضجيج المجّاني أن يهدّد الحياة نفسها؟ أو المعنى الذي نريده أو نبحث عنه؟

&list=PLUbXgDUhTAyxaJ1k61rhKuUBpj_igzj7-&index=1

التطوّر التكنولوجي وسرعة انتقال المعلومات، جعلا الضجيج جزءاً من تكوين العالم الماديّ، وشرطاً لاستمرار الحضارة المعاصرة، الكهرباء والأمواج الكهرومغناطيسية وأضواء الشاشات والحقول المغناطيسيّة منتشرة في كل مكان، وجزء من تكويننا البيولوجيّ لدرجة أننا طوّرنا مناعة ضدّها، لكن هناك فئة ممن تصاب بحساسية من هذه الأمواج، ضجيج العالم الخفيّ يهدّد "وعيهم"، ليتحوّلوا إن تعرّضوا له إلى ما يشبه العصابيين الذين لا يعترف الطبّ بأنهم "مرضى"، وكأنهم عارض رومانسي على خراب العالم وسموميّة مكوّناته الماديّة المعاصرة، وهنا تبرز الجهود المضادة، لخلق "الصمت" اصطناعيّاً وتكوين مساحات "شبه ساكنة"، لا تمرّ فيها قنوات نقل المعلومات فائقة السرعة، حيث لا تحميل ولا تنزيل، هؤلاء الهشّون، "صرخة" بوجه الضجيج الذي لا ندركه، ذلك الذي يضبط حياتنا وسرعة تواجدنا في العالم.

الصمت التراجيديّ

أثناء دراسة المسرح، هناك سؤال يُطرح عن طبيعة الصمت في نصوص الروسي أنطوان تشيخوف، هناك "سكتات" تحصل أثناء الحوار، يُترك تأويلها للمخرج، ما الذي يحصل أثناء هذا الصمت؟ هل تتجمّد الشخصيات على الخشبة؟ هل تتابع حركتها؟

الإشكاليّ في هذه التساؤلات هو التهديد الذي يشكله الصمت، لا فقط للزمن الدراميّ ولنا نحن المشاهدون والقرّاء، بل للشخصيات نفسها، فالضجيج حيوي، يخفي التساؤلات حول الحضور في العالم وطبيعة العلاقة معه ويركّز الانتباه فيما يُنطق، إلا أن الصمت يحيل إلى الذات، والتفكير بجدوى ما يحدث، ويدفع الموضوعة لمساءلة لنفسها، هي تعي حضورها، وحين تصمت، تخرج عن إيقاع "الحياة"، ويظهر سؤال ما جدوى الوجود الآن وهنا؟ ألن يسود صوت الكارثة إن تلاشى ضجيجنا؟

في المسرح الرعب من الصمت مرتبط بالتراجيديا بشكلها التقليديّ، هي ماكينة قدريّة لا تتوقّف، تلتهم شخوصها، لعبة مُفبركة يتجلّى ضجيجها حين يسود الصمت،

هذا الرعب من الصمت مرتبط بالتراجيديا بشكلها التقليديّ، هي ماكينة قدريّة لا تتوقّف، تلتهم شخوصها، لعبة مُفبركة يتجلّى ضجيجها حين يسود الصمت، محكوم على أبطالها/لاعبيها بالخسارة، كهاملت، الذي يعلم من قتل والده، ويعلم أنه سيُقتل، لكنه لا يصمت، هاملت يخشى الصمت كي لا يتأمل في مصيره، هو يمتلك دوماً خطاباً/مونولجاً ومستعدٌّ دائماً لتفسير العالم في أي لحظة مهما كان السؤال الذي يُطرح عليه، هو ينتج "الـضجيج" في محاولة للنجاة من موته القادم، الذي يعلم مسبقاً أين وكيف سيصطاده، هذا الضجيج المرتبط بالنجاة يتلاشى، في آخر جملة يقولها قبل أن يلفظ أنفاسه: "الباقي هو الصمت".

تمثل الموسيقا حلماً رومانسياً فيه خلاص البشر، وكأنها جوهر العالم المثاليّ، بإيقاعاتها المضبوطة ومسافاتها الزمنيّة، لكن يمكن أيضاً النظر إلى الموسيقا من جانب آخر، نتجاوز فيه تلك التقليديّة المتداولة، كلاسيكيّة كانت أو معاصرة، نحو تلك "الأصوات" التي تتحرّك بين الضجيج واللحن، تلك التي تضبط حركة ذرّات العالم، والتي نشاهدها في عمل تجهيز أنجزه توماس سارسينو نتحرّك ضمنه دون أي ضابط، ونتلمّس الأوتار المشدودة فيه وكأنها احتمالات العلاقات بين المكونات الذريّة، التي كلما اختلف أسلوب حركتنا ضمنها اختلفت الموسيقا/الضجيج، واختلف شكل العالم الذي يمكن أن تنتجه هذه "الأمواج"، فصخب الحركة وسرعتها وإيقاعها يعني أن لا وجوداً أوليّ وصرف ومثاليّ، فالعالم مجرّد أعراض للضجيج الذي يختلف دوماً، ولا حدود بين هذه المكوّنات التي تتداخل أمواجها/ضجيجها، لتتجلّى أمامنا الظاهرة البشريّة بكل تصنيفاتها الحاليّة كضجيج ولعب طفوليّ من أجل الفوز بسباق سرعة لا نعلم أين يقع خطّ نهايته.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard