"لم نعرف غيرها"... حكايات أطفال سوريين أعمارهم تعادل عمر الحرب

MAIN_Syrian-children

الجمعة 22 مارس 201904:47 م

"لا أذكر سوى تلك القذيفة التي سقطت ذات يوم على منزلنا، لتقتل والدي وجدّي وخالي وخالتي، ولتدمّر المنزل بما فيه. كم كان عمري حينذاك؟ لا أعرف. اليوم عمري ثمانية أعوام، فأنا وُلدت في العام 2011".

هي شيرين. طفلة سوريّة من مدينة الحسكة، وُلدت مع بداية النزاع في سوريا، وببضع جمل قصيرة تختصر حكايتها، وحكاية الحرب التي لم تعرف في حياتها سوى تجاربها القاسية من موت ونزوح وألم.

تختزل شيرين ذكريات حياتها في مدينتها بأصوات المعارك وألوان الحرب والدمار فقط. تتحدث عنها بعبارات متقطعة غير مترابطة. "قذائف. معارك عنيفة. بيتنا تهدم. توفى أبي. الحسكة كلها طلعت. المدينة صارت فاضية. أمي قالت أحسن أنو نطلع نحنا كمان".

لا يبدو الخوف على الفتاة الصغيرة وهي تسترجع أحداث تلك الأيام. فقط تتسع عيناها بدهشة وتتوقفان عن الحركة. لكنها تحزن كثيراً عندما تبدأ بسرد قصص ما بعد النزوح من المدينة مع والدتها وإخوتها.

"خرجنا من الحسكة وذهبنا إلى لبنان، كي لا نلقى مصير من ماتوا قبلنا. أمي قالت أحسن ما تجي علينا حجار تقتلنا. في لبنان لم تتمكن أمي من العثور على أي عمل، وعدنا إلى سوريا لنعيش في دمشق".

قذائف. معارك عنيفة. بيتنا تهدم. توفى أبي. الحسكة كلها طلعت. المدينة صارت فاضية. أمي قالت أحسن أنو نطلع نحنا كمان

ودمشق لم تكن رحيمة بدورها مع العائلة المشرّدة المكوّنة من أم وحيدة وستة أطفال صغار. استقرّ بهم المقام في حديقة وسط المدينة، كان عليهم احتمال قساوة الحياة والطقس البارد والحار فيها دون سقف يظللهم لشهور طويلة. وعندما تملّك اليأس الأم من إمكانية توفير حياة أفضل، قررت إرسال الأطفال لمركز يقّدم الرعاية المؤقتة للأطفال الفاقدي الرعاية، وهناك حصلت شيرين وإخوتها لأول مرة منذ زمن طويل على "حمام دافئ، وثياب جديدة، وطعام كافٍ".

تحلم شيرين اليوم بأن تبدأ العام القادم صفّها الأول في المدرسة، وإن كان ذلك يعني تأخرها ثلاث سنوات عن الالتحاق بأقرانها، وتقول إنها تريد أن تصبح معلّمة للأطفال عندما تكبر، كي تعطيهم مستقبلاً أفضل مما حصلت هي عليه. "هي أحلامي البعيدة. بس بالليل ما بحلم غير أنو أرجع عيش مع عائلتي، وأنو أمي ما تبعّد عني".

شيرين ليست وحدها بكل تأكيد. آلاف الأطفال ولدوا في سوريا عام 2011 وفي الأعوام التالية، ومئات الآلاف من الأطفال لم يختزنوا في ذاكرتهم الصغيرة سوى حكايات الحرب التي تعيشها البلاد منذ ثمانية أعوام. يتحدث آخر إحصاءات اليونيسف عن وجود 5.5 مليون طفل سوري بحاجة إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية، وعن نزوح أكثر من مليونين ونصف مليون طفل داخل سوريا، وأيضاً عن تسرب أكثر من مليوني طفل من المدارس مع خطر تسرب مليون إضافي أيضاً نظراً لظروف التعليم غير المستقرة في البلاد.

لا أذكر سوى تلك القذيفة التي سقطت ذات يوم على منزلنا، لتقتل والدي وجدّي وخالي وخالتي، ولتدمّر المنزل بما فيه. كم كان عمري حينذاك؟ لا أعرف. اليوم عمري ثمانية أعوام، فأنا وُلدت في العام 2011.

أريد فقط بعض الدفء

على أطراف بلدة جرمانا شرق دمشق، يعيش علاء وله من العمر ثمانية أعوام مع والدته وأختيه الصغيرتين في منزل مكوّن من غرفة ومطبخ وحمّام. قد يبدو المنزل عادياً للوهلة الأولى، وأفضل بكل تأكيد من بيت العائلة الذي تهّدم قبل ثلاث سنوات في غوطة دمشق الشرقية، لكن ما ينقصه وفق حديث علاء أمران بسيطان: النوافذ والأبواب.

يقضي علاء النصف الأول من يومه في المدرسة التي يرتادها منذ عامين. في أيام الشتاء الباردة، لا يشعر بأي رغبة في العودة للمنزل، فهو بارد وكئيب. "أشتاق لبيتنا في الغوطة وأشتاق لرفاقي هناك. لكن أكثر ما أشتاقه وكل ما أذكره عندما أغمض عينيّ وأفكر بالأيام الماضية هو الدفء".

دفء المنزل القديم الذي لا يزال عالقاً في مخيلة علاء ليس ناتجاً فقط عن وجود أبواب ونوافذ وجدران تقي من البرد وكذلك من الحر، لكن أيضاً من حياة عائلية كانت طبيعية إلى حد كبير، قبل أن تقضي الحرب على كل ما كان الطفل يحبه: المنزل، والأب، والبلدة الجميلة، وقبل أن تضطر العائلة للنزوح هرباً من الموت والدمار.

بصورة ضبابية يستذكر علاء والده الذي اختفى قبل حوالي عامين. لا يملّ من سؤال والدته عنه، ويطلب منها على الدوام أن تعيد نفس الحكايات عنه، وعن حياتهم الماضية. يبتسم بعينين حزينتين، ثم يغمضهما، وكأنه يريد الاحتفاظ بتلك الذكريات أطول فترة ممكنة.

"عندما أكبر؟ لا أدري. ربما أريد أن أصبح طبيباً، أو معلّماً. أنا اليوم أحلم فقط بأن يكون لدينا منزل دافئ، وأكره التفكير بأننا في الشتاء القادم قد نضطر أيضاً للحياة في هذا البيت. أتمنى أن تنتهي الحرب ويعود كل شيء كما كان".

تريد أن تصبح معلّمة للأطفال عندما تكبر، كي تعطيهم مستقبلاً أفضل مما حصلت هي عليه. "هي أحلامي البعيدة. بس بالليل ما بحلم غير أنو أرجع عيش مع عائلتي، وأنو أمي ما تبعّد عني"

أخاف من الأصوات

تكمل سيدرا الآن عامها السابع. بنيتها ضعيفة إلى حد ما، وعيناها الصغيرتان ترتجفان كلما سمعت صوتاً قوياً.

عاشت سيدرا مع عائلتها المكوّنة من أب وأم وأخ في إحدى بلدات جنوب العاصمة دمشق. تذكر سيدرا من تلك الأوقات منزلاً صغيراً، وأصواتاً عنيفة لا تعرف تماماً مصدرها لكنها توقن في قرارة نفسها بأنها مريعة. "كان دائماً في ضرب. وأنا كنت خاف كتير. أكتر شي بيخوّف صوت القذائف".

"كان دائماً في ضرب. وأنا كنت خاف كتير. أكتر شي بيخوّف صوت القذائف".

قبل حوالي عامين، نزحت الأم والأطفال إلى بلدة صحنايا بريف دمشق الغربي. "أبي راح يشتري خبز وما رجع ونحنا طلعنا من البيت. بس بعدنا ناطرينه يرجع. هيك قالتلي أمي"، تقول سيدرا بفرح طفولي يقفز من عينيها. "أكيد رح يرجع. أمي دائماً بتخبرنا أنو أكيد".

لم تتمكن سيدرا حتى اليوم من ارتياد المدرسة بسبب تنقّل العائلة المتكرر من منزل إلى آخر، وبحث الأم الدائم عن عمل دون أن يكون الحظ حليفها، وبالتالي عدم قدرتها على تأمين أبسط مستلزمات الحياة لأبنائها. لكن الفتاة تعتقد بأن العام القادم سيكون أفضل، فهي بدأت الآن بارتياد مركز تعليمي مؤقت، على أمل الالتحاق بالمدرسة العام القادم.

"هلأ صار عندي رفقات، صرت أعرف أكتب 3 حروف بالعربي وبالانكليزي. السنة الجاية بروح على المدرسة، وبس أكبر بدي كون طبيبة أطفال، لأن ما بدي الأطفال يكبروا ويخافوا متلي، وبدي ساعدهم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard