مغربيون يطالبون بتعديل الفصل 47 من الدستور... تجدد النقاش حول "الملكية البرلمانية"

الأربعاء 27 مارس 201906:43 م

في قلب النظام السياسي المغربي يوجد رجل واحد هو الملك، وهو وارث لطريقة في الحكم قوامها سلالات مغربية متعاقبة على امتداد القرون".

هكذا لخّص الباحث السياسي الفرنسي ريمي لوفو شكل نظام الحكم في المغرب في كتابه "الفلاح المغربي المدافع عن العرش" الصادر عام 1976.

كتب لوفو عن المغرب عندما كانت كل السلطات مركّزة بيد الملك. فبعد الاستقلال واسترجاع المغرب سيادته عبر تحالف سياسي بين السلطان والحركة الوطنية، عام 1956، استعاد الملك كل اختصاصاته الدينية والسياسية والعسكرية والتشريعية، وكرّس العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني (1961-1999) هذا الواقع بالقوة وبالدستور.

ولكنّ عام 2011 شهد تغييراً دستورياً مهماً إذ نص الدستور الجديد الصادر في خضمّ حراك الربيع العربي على أن "نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية". ولو كتب لوفو كتابه الشهير بعد ذاك العام لربما كان لطّف حكمه المذكور على طبيعة النظام السياسي المغربي.

بعكس ما قد يظنّه البعض، لا تشكّل "الملكية البرلمانية" مطلباً تجمع عليه القوى السياسية الفاعلة. مثلاً، يرفض حزب العدالة والتنمية، ذي المرجعية الإخوانية وأكبر أحزاب المغرب، هذا النوع من أنظمة الحكم، لأنه غير معجب بنموذج الملكية البرلمانية الذي شهدته الدول الغربية والذي يكون الملك فيه مجرد رمز بدون أيّة سلطة.

يعتبر العدالة والتنمية أن الحاكم ينبغي أن يكون حاكماً حقيقياً، بعكس السائد في الأنظمة الغربية التي جرّدت الملوك من جميع السلطات، وهو ما عبّر عنه الأمين العام السابق للحزب عبد الإله بنكيران عندما أعلن معارضته للمطالبة بملكية برلمانية وبملك يسود ولا يحكم، مؤكداً أن "الصلاحيات يجب أن تبقى في يد الملك، وما تبقى يجب أن يكون بتفويض منه".

كما هاجم بنكيران اليسار المغربي الذي يطالب بملكية برلمانية، ممثلاً في "فدرالية اليسار الديمقراطي"، وهي تحالف سياسي تأسس عام 2014 بين ثلاثة أحزاب يسارية هي حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي وحزب المؤتمر الوطني الاتحادي والحزب الاشتراكي الموحد.

تطالب هذه الفدرالية بالملكية البرلمانية وبفصل الدين عن السياسة، وهو مطلب يلتقي فيه مع آخرين مثل حزب النهج اليساري الراديكالي الذي يعتبر أن "الانتقال من الملكية التنفيذية إلى الملكية البرلمانية يعني، في العمق، التقدّم في إقرار ديمقراطية حقيقية".

وبرأي بنكيران، فإن اليسار "لم يكن فقط ضد الملكية، بل كان ضد الله والوطن والملك، ويعلنون إلحادهم"، كما أن "لفظة أمير المؤمنين عنصر أساسي في حكم البلاد، ومَن يريد تطبيق العلمانية وحذف الإسلام عليه أن يعرف ما الذي يريد الوصول إليه".

جدل تعديل الفصل 47

في الفترة الماضية، وكمؤشر على التسخين الانتخابي المبكر قبل الانتخابات التشريعية التي سيشهدها المغرب سنة 2021، خرجت تصريحات تطالب بتعديل الفصل 47 من الدستور المغربي، على لسان شخصيات تنتمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة (حزب البام)، وهو حزب تأسس سنة 2008 وجمع شخصيات وخمسة أحزاب صغيرة حلت نفسها، ويوصَف بأنه مقرّب من المخزن، أي من دوائر الملك.

يرى مطلقو هذه المطالبات أن وجود هذا الفصل نافع بحال وجود حزبين سياسيين كبيرين يستطيع أحدهما الحصول على أغلبية برلمانية، ولكن الحال ليس كذلك في المغرب.

ينص الفصل المذكور من الدستور المغربي على التالي: "يعيّن الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. ويعيّن أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها".

ويضيف: "للملك، بمبادرة منه، بعد استشارة رئيس الحكومة، أن يعفي عضواً أو أكثر من أعضاء الحكومة من مهامهم. ولرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر، من أعضاء الحكومة. ولرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر، من أعضاء الحكومة، بناء على استقالتهم، الفردية أو الجماعية".

كما ينص على أنه "يترتب عن استقالة رئيس الحكومة إعفاء الحكومة بكاملها"، وعلى أنه "تواصل الحكومة المنتهية مهامها، تصريف الأمور الجارية إلى غاية تشكيل الحكومة الجديدة".

وكان نفس النقاش المذكور قد برز قبل أكثر من سنتين ونصف السنة.

حجج المطالبين بالتعديل

في الثاني من مارس، وفي ندوة أقامها في الرباط، طالب الأمين العام الجديد لحزب الأصالة والمعاصرة حكيم بنشماس بتعديل الفصل 47، ووصف النص على انتداب الملك لزعيم الحزب المتصدر للانتخابات لتكوين الحكومة بـ"القدرية المفروضة على الشعب باسم شرعية انتخابية لها ما لها وعليها ما عليها"، لينضم إلى آخرين سبقوه في الإعلان عن نفس المطلب.

بدوره، أشار عضو المكتب الفدرالي لحزب الأصالة والمعاصرة عبد المطلب أعميار إلى إلحاحية هذه التعديلات الدستورية في منشور على فيسبوك، في السادس من مارس.

كتب أعميار: "إن الدعوة لتعديل الفصل 47 من الدستور تستجيب لضرورة موضوعية تسمح بإخراج هذا المقتضى الدستوري من صيغته الإطلاقية، مذكراً بما شهده المغرب من فشل لرئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران، في تشكيل حكومة".

أطلقت الصحافة المغربية على الفشل المذكور تسمية "البلوكاج الحكومي"، وقصته أنه بعد الانتخابات التشريعية التي شهدها المغرب في أكتوبر 2016، تصدّر حزب العدالة والتنمية النتائج، فعيّن الملك محمد السادس بموجب ذلك بنكيران لتشكيل الحكومة، ولكن جهوده لتشكيل حكومة تحظى بأغلبية برلمانية فشلت، وهو ما اعتبره محللون "إفشالاً متعمداً" لإضعاف الحزب الإسلامي.

ونتيجة لذلك، قام الملك بتكليف أمين عام حزب العدالة والتنمية سعد الدين العثماني بالمهمة في مارس 2017، بعد نحو ستة أشهر من "البلوكاج"، فنجح في تشكيل حكومة.

بدوره، اعتبر عضو المكتب السياسي في حزب الأصالة والمعاصرة، النائب عبد اللطيف وهبي "أن الفصل 47 من الدستور تم تسطيره من خلال تصور تحكمه فكرة الملكية البرلمانية، ما يفترض وجود قطبين سياسيين"، مضيفاً أن الواقع الحالي يخيف الأحزاب لأن "هذه القطبية الثنائية إلغاء للبعض".

هذا الخوف تطرّق إليه الخبير في القانون الدستوري رشيد لزرق متحدثاً عن أن "التحالف الحكومي الحالي يبتعد عن نبل التوافق الذي يهدف إلى تحقيق غاية المصلحة الوطنية، ويسقط في مزاد المحاصصة الحزبية".

ويضيف لرصيف22 أن المحاصصة بين الأحزاب لتشكيل حكومة "تجعل الحكومة هجينة والتحالفات جداً معقّدة، وقابلة لفرز الأزمات ومكلفة جداً، ما ينتج حكومة ضعيفة مقسمة تضعف مؤسسة رئاسة الحكومة، لتسود الضبابية، ما يعقّد إنزال مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما يعطي للعملية الانتخابية معنى".

هل التعديل المطروح حاجة؟

من جهة أخرى، يتساءل الأستاذ الجامعي وعضو اللجنة الإدارية لحزب الاتحاد الدستوري المغربي الحاج ساسيوي: "هل نحن في حاجة ماسة قانونياً ودستورياً لهذا التعديل؟"، ويضيف لرصيف22 أن "لا إجماع بين الأحزاب على هذا المطلب".

"التحالف الحكومي في المغرب يبتعد عن نبل التوافق الذي يهدف إلى تحقيق غاية المصلحة الوطنية، ويسقط في مزاد المحاصصة الحزبية، ما يُنتج حكومة ضعيفة مقسمة ويعقّد إنزال مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة"... مطالبات بتعديل دستور المغرب
"الدستور ليس مقدساً ولكن لا يجب أن يخضع تعديله للأهواء أو أن يُستعمل سلاحاً بيد أطراف ضد أطراف أخرى"... جدل حول تعديل الفصل 47 من الدستور المغربي

ويلفت عضو المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية حسن حمورو إلى أن "الدستور ليس مقدساً ولا وثيقة غير قابلة للمراجعة، ولكن لا يجب أن يخضع تعديله للأهواء أو لاستغلال، كما ليس مقبولاً أن يُستعمل سلاحاً بيد أطراف ضد أطراف أخرى، وإنما المطلوب أن يكون فوق صراعات السياسة المعنية بتدبير الأمور اليومية".

وذهب الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة والمكلف بالشؤون العامة والحكامة الحسن الداودي إلى أن هذا المطلب ضد حزب العدالة والتنمية، معللاً رأيه بأنه لا يمكن إرسال الحزب الأول إلى المعارضة.

ويقول حمورو لرصيف22 إن هذا التعديل "يشرعن رفض نتائج الانتخابات، وإلقائها في سلة المهملات بحجج واهية وبخطاب تدليسي".

"موضوع ميتافيزيقي"

يذكّر الحاج ساسيوي بأن مضمون الفصل 47 من الدستور "هو نتاج واستجابة لمطالب الفاعلين السياسيين الذين نادوا بضرورة دسترة هذا المطلب منذ حكومة التناوب التي عيّنها الراحل الملك الحسن الثاني، وترأسها الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي المغربي ذي التوجه اليساري عبد الرحمن اليوسفي، في 14 مارس 1998".

ويضيف لرصيف22: هو بحق مكسب دستوري جوهري، كما أنه كان من أساسيات المذكرات التي تقدّمت بها أغلب الأحزاب السياسية للجنة التي كلفت بصياغة دستور 2011".

ولكن الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة إلياس العماري، والذي تحدث عن ضرورة تعديل الفصل 47، في يناير 2017، سبق أن قال إن "لجنة المنوني" وهي لجنة استشارية ترأسها عبد اللطيف المنوني وكلّفها الملك بمراجعة الدستور عام 2011 "تواطأت مع حزب العدالة والتنمية" لصياغة الفصل المذكور.

وبالنظر إلى مذكرة حزب الأصالة والمعاصرة إلى لجنة المنوني، نرى أنها تنص على أنه "يُعيّن رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي يتصدر الانتخابات"، و"في حالة عدم تمكن المرشح الأول من نيل ثقـة مجلس النواب، يقترح ترشيح ثانٍ من الحزب الذي احتل المرتبة الثانية في الانتخابات".

رغم كل هذا السجال حول التعديل الدستوري، ورغم أن حزب العدالة والتنمية يعتبر أنه يستهدفه بالأساس، إلا أن نائب الأمين العام للحزب الإسلامي سليمان العمراني يقول لرصيف22 إن هذه الفكرة "موضوع ميتافيزيقي، بمعنى أنه ليس هناك مَن يدعو إلى نقاشه لأن الأحزاب كلها لم تطرح هذا الموضوع".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard