غزّيون معارضون لمسيرات العودة: "لا يجب مقايضة الأرواح بالسولار والدولار"

MAIN_Gaza-border-protests

الخميس 28 مارس 201906:36 م

عصر يوم الجمعة، في 12 أكتوبر 2018، أصيب الشاب محمد أبو دقة (22 عاماً) برصاص أطلقه جنود إسرائيليون على قدميه أثناء عمله الإعلامي في تغطية مسيرات العودة وكسر الحصار، في شرق مدينة خانيونس، جنوب قطاع غزة.

وصل الخبر إلى أفراد أسرته أثناء متابعتهم لأخبار المسيرة في المنزل، فهرعوا إلى المستشفى للاطمئنان على ابنهم، ليجدوه ملقى على السرير، وقدماه ملفوفتان بالشاش.

أخته الكبرى ناريمان (24 عاماً)، وهي محامية، صرخت في وجهه بسبب خوفها عليه: "ليش عملت هيك؟ ليش رحت برجليك للموت؟".

جلس أبو دقة في المنزل طريح الفراش ولا يستطيع المشي على قدميه، لأكثر من ثلاثة أشهر. والآن يمشي بمساعدة عكاز يرتكز عليه في خطواته القليلة داخل المنزل.

تقول ناريمان لرصيف22: "منذ إصابة أخي وجلوسه في الفراش وحتى اليوم، توقف عن العمل، وتوقفت حياته، لا يستطيع فعل شيء حتى يتماثل للشفاء الكامل. دائماً ما أقول له: أنت تدفع ثمن تهورك وذهابك إلى المسيرات".

في بداية انطلاق مسيرات العودة، في 30 مارس 2018، عبر خمس نقاط كبرى في شرق رفح، وخزاعة في خان يونس، والبريج في الوسطى، والشجاعية بغزة، وجباليا شمال القطاع، كانت المحامية أبو دقة من المؤيدين للمسيرات خاصة وأنها تطالب بعودة اللاجئين الفلسطينيين الذين هُجّروا من قراهم ومدنهم منذ عام 1948. لكن، بعد أن أضيف هدف كسر الحصار إلى المسيرات، أصبحت من الرافضين لاستمرارها.

توضح أبو دقة أنها ليست ضد كسر الحصار عن غزة، ولكنها تعارض ربط الهدفين معاً وتعتبر أن التركيز على الهدف الثاني في الأشهر الأخيرة من المسيرات أضرّ بالهدف الأساسي الأول، وهو المطالبة بعودة اللاجئين.

وتضيف: "بداية الفكرة كانت قائمة على السلمية، والمطالبة بحق العودة، ولكن أنا الآن لا أراها سلمية خالصة، ولا أجد أن هناك أيّة نتيجة إيجابية عادت علينا منها، بل بالعكس الكثيرون من الشباب والأطفال فقدوا أرواحهم والعشرات فقدوا أطرافهم وأصبحوا من ذوي الإعاقة الآن".

ما سبق لم يكن سببها الوحيد للمطالبة بوقف المسيرات التي ستُقام مسيرة كبرى يوم السبت في 30 مارس بمناسبة الذكرى السنوية على انطلاقتها. يُضاف إلى ذلك شعورها بخسارة الحد الأدنى من الأمان، وسيطرة القلق عليها في كل يوم جمعة ينطلق فيه المتظاهرون الشباب والأطفال إلى السياج الحدودي، وخوفها من فقدان شخص عزيز عليها. كل ذلك يجعلها أكثر إصراراً لى المطالبة بوقف المسيرات وإنهاء فعالياتها.

مطالبات بتصويب المسيرات

لم تكن أبو دقة الوحيدة التي طالبت بإنهاء المسيرات. هناك آلاف المواطنين الذين يشاركونها الرأي، كما أن العديد من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين يطالبون الآن بضرورة تصويب أهداف وفعاليات المسيرة.

كان الناشط السياسي أحمد أبو رتيمة من أوائل مَن طرحوا، قبل أكثر من عام، فكرة إقامة مسيرات العودة في قطاع غزة. يؤكد لرصيف22 أن فكرته كانت قائمة على إقامة اللاجئين فعاليات سلمية لإعادة إحياء المطالبة بتطبيق قرار الأمم المتحدة رقم 194، والذي ينص على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين.

ويضيف أن الهيئة الوطنية العليا للمسيرات، والتي تشكلت من القوى الوطنية الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني، أضافت هدف كسر الحصار، وهو ما مثّل برأيه "تخفيضاً مجانياً من قبل منظمي المسيرات لسقف أهدافهم الوطنية".

يرى أبو رتيمة أن هناك أخطاء وقعت فيها الهيئة المسؤولة في ما خصّ طريقة إدارتها للمسيرات خلال عامها الأول، وأضرت بصورتها وأضعفت رسالتها، ما يقتضي إجراء مراجعات جذرية للتجربة.

ويعتقد أبو رتيمة أنه، ورغم الأزمات الكثيرة التي تفرضها إسرائيل على الفلسطينيين في قطاع غزة، إلا أنه يجب الالتفات إلى القضايا الكبرى، ويقول: "مسيرات العودة هي شكل من أشكال المقاومة السلمية المشروعة في كل الأعراف وليست مادة مساومة، ويجب أن يكون خطابنا للعالم أن كسر الحصار هو مقابل إنسانية المحاصَرين، وليس مقابل تخفيض أو رفع وتيرة النضال السلمي".

انسحاب فتح من الاجتماعات

منذ بداية طرح فكرة مسيرات العودة وحتى انطلاقتها، أيّدت حركة فتح الخطوة وشاركت فيها. ويقول الناطق باسم الحركة د. عاطف أبو سيف لرصيف22: "نحن جزء أساسي من المسيرات لأنها أحد أشكال الدعم للنضال الوطني الفلسطيني، والذي يشكل استمراراً لنضال حركة فتح في المقاومة الشعبية السلمية ضد الاحتلال الإسرائيلي".

ونوّه إلى أن الآلاف من أبناء فتح شاركوا في المسيرات دفاعاً عن حقهم في العودة، "لكن الحركة لديها بعض الملاحظات على إدارة حركة حماس للمسيرات وتحويل هدفها من نضالي تحرري يطالب بحق عودة اللاجئين إلى إجراء مقايضة مع الاحتلال الإسرائيلي، فنحن ضد مقايضة المسيرات بحفنة من الدولارات والسولار".

وأضاف: "ملاحظاتنا لا تعني ترك مسيرات العودة، لأن أحد مفاهيمنا تقوم على أن العلاقة مع دولة الاحتلال هي علاقة اشتباك. ولذلك نحن مع تصويب مسار المسيرات وإعادة خطابها إلى المربع الأول وهو التأكيد على الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني بالأدوات الشعبية السلمية".

وحول مشاركة قيادات فتح في الهيئة العليا لمسيرات العودة، قال أبو سيف: "بعدما تعرّض كوادر وقيادات الحركة لحملة اعتقالات واسعة من قبل الأجهزة الأمنية في قطاع غزة والتي تتبع لحركة حماس، مؤخراً، لم نعد نشارك في الهيئة العليا، وقلنا إنه ليس من المعقول أن نجلس مع قيادة حماس في وقت كل قيادة فتح في الاعتقال"، مؤكداً في الوقت ذاته على عدم دعوتهم جماهير الحركة إلى مقاطعة المسيرات الأسبوعية.

"ثمن بخس والهدف إعلامي"

يشير الكاتب والأكاديمي د. علاء أبو عامر إلى أن إسرائيل تعاملت مع مسيرات العودة بعنف وحسابات كبيرة في بداية انطلاقتها حتى تحوّل شعارها من العودة والمطالبة بتنفيذ القرار 194، إلى شعار كسر الحصار ومن ثم شعار السولار والدولار الذي تطالب به حركة حماس.

وقال لرصيف22: "فكرة المسيرات في الوقت الحالي لم تعُد لها قيمتها الأولى، وأصبحت مسيئة للنضال الفلسطيني، كما أصبحت مكلفة حيث خلّفت المئات من الإعاقات وتسببت بكثير من الأذى للفلسطينيين، رغم أنها شكل نضالي رفع أسهم القضية الفلسطينية وجعلها قضية حية في أذهان الناس، لكن في النهاية الهدف الحالي منها هو ما تسبب في انقسام الرأي بين الفلسطينيين حولها".

كان أبو عامر يدعم ويؤيد المسيرات في بداية انطلاقتها، قبل أن يتراجع عن ذلك بعدما تغيّر هدفها وصار مطالبة حركة حماس بكسر الحصار. ويقول: "أنا مع تصويب مسيرات العودة والعودة إلى مفهومها الأول، لكن حماس غير قادرة على ذلك لأنها تعاني من أزمة مالية وأزمة الحصار".

يرفض الكاتب والأكاديمي الفلسطيني أن يدفع الشباب والأطفال الفلسطينيون دماءهم وأعضاءهم الجسدية "مقابل ثمن بخس قد تتحكم به إسرائيل لاحقاً".

ومن جانبه، يتفق المحاضر في جامعة الأزهر في غزة محمد أبو هاشم مع أبو عامر في انتقاد مطالبة حركة حماس إسرائيل برفع الحصار المالي عن غزة، كأحد شروطها لتخفيف حدة المسيرات.

وينتقد الأعمال الخشنة التي حدثت خلال فعاليات المسيرات في كل يوم جمعة على مدار العام المنصرم، ويقول: "الكثير من الأفكار الإبداعية السلمية ظهرت في بداية المسيرات، لكن بعض الممارسات الخشنة كقطع السلك الحدودي وغيرها من ممارسات لم تكن مفيدة في شيء"، منوهاً إلى أن "إحراج الاحتلال الإسرائيلي لا يكون بزج الشباب والأطفال في التهلكة".

أبو هاشم الذي يؤمن بسلمية المسيرات يقول إن الهدف الحقيقي من المسيرات هو هدف إعلامي من خلال التأكيد على حق العودة والمطالبة به. وبرأيه، يمكن من خلال الوسائل الإعلامية إحراج وتعرية الاحتلال الإسرائيلي بكشف ممارساته أمام الرأي العام العربي والعالمي، وبأقل الخسائر البشرية.

ويلفت الانتباه إلى إمكانية تحقيق هدف كسر الحصار أيضاً بالوسائل الإعلامية من خلال إبراز أثره، مضيفاً: "يمكن إبراز أثر الاحتلال والتأكيد على حق العودة من خلال الوسائل الإعلامية، فهذا كله يُعتبر وسائل ضغط على الجانب الإسرائيلي، وبالتالي لم يكن هناك داعٍ للاشتباك الخشن الذي يقوم به بعض أفراد حماس".

هدفان استراتيجي وتكتيكي

ترى حركة حماس الحاكمة لقطاع غزة أن هناك العديد من الإنجازات التي حققتها المسيرات. وقال القيادي في الحركة مشير المصري لرصيف22: "المسيرات الحدودية أعادت للقضية الفلسطينية اعتبارها بعد أن غابت عن المشهد السياسي والإعلامي في ظل حالة الانشغال التي تمرّ بها منطقة الشرق الأوسط، إذ جاءت في مرحلة حساسة تمرّ بها قضيتنا أمام صفقة القرن ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس".

"حماس حوّلت هدفها من نضالي تحرري يطالب بحق عودة اللاجئين إلى إجراء مقايضة مع الاحتلال الإسرائيلي، ونحن ضد مقايضة المسيرات بحفنة من الدولارات والسولار"... فلسطينيون ينتقدون مسيرات العودة
"فكرة المسيرات في الوقت الحالي لم تعُد لها قيمتها الأولى، وأصبحت مسيئة للنضال الفلسطيني، كما أصبحت مكلفة حيث خلّفت المئات من الإعاقات وتسببت بكثير من الأذى للفلسطينيين"... فلسطينيون ينتقدون مسيرات العودة

وتابع: "أكد شعبنا من خلال مسيراته على حق العودة المقدس، ورفض المشاريع التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية، كما أن المسيرات وحّدت الكل الفلسطيني على خياراته وعلى مجابهة الاحتلال الإسرائيلي، بدليل مشاركة الكل الوطني وشرائح الشعب المختلفة فيها".

ونوّه المصري إلى أن مسيرات العودة حملت هدفاً استراتيجياً عاماً هو تثبيت حق العودة للاجئين، وهدفاً تكتيكياً مرحلياً هو كسر الحصار، وقال: "مسيرات العودة تزامنت مع اشتداد حلقات الحصار على قطاع غزة وفرض السلطة عقوبات إجرامية على شعبنا الفلسطيني بهدف فرض شروط الاستسلام عليه، ونجحت في فرض بعض الشروط على الاحتلال لتخفيف حدة الحصار وصولاً إلى إنهائه".

وحول الوقت الذي ستتوقف فيه المسيرات، قال المصري: "هذا تقرره الهيئة الوطنية العليا للمسيرات، لكنّي أعتقد أنها مستمرة حتى تحقيق أهدافها، وبين الفينة والأخرى نقيّمها لمعرفة مدى تحقيقها للأهداف، وبناء على ذلك نعمل على زيادة جدواها من خلال أدوات إبداعية لمقارعة الاحتلال الإسرائيلي".

"لن تتوقف"

من ناحيته، دافع عضو الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة يسري درويش عن المسيرات، متفقاً مع المصري على إنجازاتها.

ونوّه إلى أن حركة حماس تقود المفاوضات مع كل الأطراف بشأن المسيرات بموافقة الهيئة، معتبراً أن "كل ما يجري من مفاوضات تقودها حركة حماس يأتي في إطار فكفكة الحصار عن القطاع، ولم تصل إلى حد كسره بشكل نهائي".

وأشار إلى أن المسيرات مدنية وسلمية، وتعتمد على الأنشطة الثقافية والفنية والتراثية وكل الأنشطة الحياتية التي يمارسها اللاجئون، بالقرب من السياج الفاصل، مضيفاً: "لكن بعض الوسائل التي استُخدمت من بعض الأطراف داخل المسيرات، أنا شخصياً لدي وجهة نظر وموقف منها، لكن هذا لا يعني أن الفكرة انحرفت عن مسارها".

وشدد درويش على أن المسيرات ستستمر في فعالياتها حتى تحقيق هدفها العام وهو حق عودة اللاجئين، وهدفها الخاص وهو كسر الحصار على قطاع غزة، مضيفاً: "كسر الحصار ورفعه عن قطاع غزة مهم، لأنه سيعيد الحالة الوطنية الفلسطينية إلى اتحادها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard